رمـضـان والتـنميـة الذاتـيـة للإنـسـان الـمسلم كيف تجعل رمضان فرصة للتغيير؟


ذ. محمد بوهو(*)

نقف في هذه المقالة عند بعض المحطات النفسية والاجتماعية الخاصة بمدرسة الصيام، نبين من خلالها عظمة هذا الشهر الكريم، وعظمة مقاصد التشريع الرباني القويم في الرقي بالإنسان إلى مستوى الفاعلية التي تحقق له التنمية الذاتية الحقة..

معالم التنمية الذاتية في رمضان:

رمضان دورة العادات الإيجابية

يرى علماء النفس المُحدَثون أن أي تغيير يجب أن يكرر من 6 إلى 21 مرة، أي أنك إذا أردت أن تحدث تغييرا حقيقياً في جانب ما من حياتك، فلا بد أن تكرر نجاحاتك في تلك الزاوية من 6 إلى 21 مرة.. وشهر رمضان 29 إلى 30 يوماً هذا يعني الاستمرار في النجاح في هذه العبادة العظيمة 30 يوماً، 30 مرة تمسك في الصباح وإلى المغرب فلا تشرب ولا تأكل ولا تجامع ولا تسب ولا تفسق، هذه برمجة أكيدة، ولهذا لا تجد مسلماً صام رمضان وبعد شهر واحد من حياته إلا وقد تأثر في العبادة وإلى الأبد فهذه صفة عظيمة في شهر رمضان، صيام شهر واحد بأكمله من رمضان أفضل نفسياً وبرمجياً من صيام متقطع غير مؤقت 60 يوماً أو حتى 600 يوم هذا لا يقلل من شأن الصيام المتقطع فصيام أي يوم له فوائد كثيرة.

قوة اتخاذ القرار.

من ميزات هذا الشهر الفضيل تعليمه للمسلم اتخاذ القرار، مشكلة المشكلات عند الناس عدم اتخاذ القرارات، الإنسان القوي إنسان صاحب قرار، أما الإنسان الضعيف فمتردد، والتردد لا ينشئ نفوساً ضعيفة فحسب بل يأتي بأمراض نفسية وجسمية واجتماعية.. التردد يبدأ صغيراً في اتخاذ قرارات صغيرة ثم يكبر مع البرمجة والعادة، وأغلب أمور حياتنا تعتمد على قرارات بسيطة وصغيرة، فكل ثانية تمر في حياتنا فيها مجموعة قرارات، كحركات يدك ورجلك ونبض القلب إلى غير ذلك، كل ذلك قرارات يتخذها العقل بوعي أو بغير وعي في الدقيقة والثانية بل والجزء من الثانية.. تصور وقوع تردد في مثل هذه القرارات، إن ذلك بلا شك يعني مشاكل كثيرة صحية ونفسية.. فمن المشاكل الصحية عدم انتظام دقات القلب وبالتالي أمراض قلبية وهضمية ودموية ذلك أن القلب يعين في ضخ الدم إلى الجسم كله، وقد يتسبب التردد في تردد الخلايا الدفاعية من القيام بمهمتها على وجه صحيح فتتردد في مواجهة الالتهابات والسرطانات والفيروسات، وفي ذلك خطر عظيم.. الخ.

إذاً رمضان بسبب أنه يعود الإنسان على المحافظة على نيته في الصيام، وتبييت نية الصيام، فإنه يعوده اتخاذ القرار، واتخاذ القرار قوة ومعيار إرادة الإنسان، فكلما جدد نيته في الصيام وأسرع في اتخاذ القرار بذلك، ثم بالإمساك وقت الإمساك، وبالفطور وقت الفطور.. كلما عود نفسه اتخاذ القرار بسرعة وباستمرارية حتى يتعود على اتخاذ القرارات..

قوة الإنجاز..

هذا الشهر الكريم يعود الإنسان على الإنجاز، أغلب الناس يريد أن يغمض عينا ويفتح أخرى فإذا هو في نعيم، الإصلاح يبدأ من الداخل، فالكثير من الناس يريد أن تحل مشكلته خلال ساعات بدون جهد أو إنجاز فعلي..

والإنجاز تكون بدايته الصحيحة في النفس، ومن داخل النفس.. رمضان يُعلِّم الإنسان الإنجاز؛ ففي فترة ثلاثين يوماً مكثفة تصوم نهاره وتقوم ليله فتشعر في نهاية شهرك أنك حققت ربحاً كثيراً وأنجزت عملاً عظيماً، والناس طبيعتها تبدأ متحمسة فتخف الحماسة مع الأيام، أما رمضان فيعلم الإنسان كيف ينجز ببداية قوية وبإرادة تزداد قوة مع الأيام، فإذا طالت المدة تَقوَّت أكثر على غير عادة الكسالى والخائبين، وبدخول العشر الأواخر تزداد وتيرة العبادات وتُنشط الكسالى، حيث يطيل المسلم ليله في التعبد ونهاره في التلاوة والذكر خاصة إذا كان معتكفاً… فإذا قربت النهاية زيد في العمل فدخلت الليالي الأكثر بركة حتى آخر يوم من هذا الشهر المبارك، لا عجلة ولا ندم حتى تتم الأعمال كاملة.. وفي صحيح البخاري: «ويغفر الله لهم في آخر ليلة»، قيل : يا رسول الله ! أهي ليلة القدر؟ قال: «لا!  ولكن العامل يوفّى أجره إذا قضى عمله».. وهكذا يكون الإنجاز الصحيح..

اِبدأ عملاً ثم كثّف أكثر ثم إذا قربت من الإنجاز فشد أكثر حتى تتم العمل كله بإتقان وتمام.. وهذه من المهارات التي كادت تغيب في حياة المسلم.. فلنعمل على استرجاعها من خلال دورة الصيام هذه..

التجديد والخروج عن المألوف..

الإنسان معتاد أن ينام في وقت ويستيقظ في وقت ويذهب للعمل في وقت ويعود ويأكل ويتسوق.. إلى غير ذلك من أمور دنياه، يقوم بها في الغالب في وقت معين ومحدد، ولكن عندما يأتي شهر رمضان المبارك تتغير الأمور ويخرج عن المألوف والمعتاد وتتجدد عليه الحياة.. ويكاد يجمع الباحثون والعارفون في موضوع الإبداع على أن «الإبداع هو الخروج عن المألوف»، وما أحوج الإنسان في كل زمان وخاصة في هذا الزمان إلى الإبداع والتجديد، كما أن كسر «الروتين» والخروج عن المألوف أحد الأعمال الضرورية للتغلب على القلق وضغوط أحداث الحياة..

والتغيير لابد أن يكون في جدولك اليومي والأسبوعي والشهري والسنوي. التغيير والتجديد سمة من سمات هذا الشهر بل من سمات هذا الدين العظيم، ورمضان ما أن ينتهي حتى يأتي العيد فما يلبث حتى يأتي الحج بشهوره الحرم وبعده العيد.. وهكذا كل عام حتى لا تمل النفوس وحتى تتجدد وتنطلق من جديد.. والرسول  يشير إلى هذه المهارة الذاتية بقوله لأبي ذر : «يا أبا ذر ! جدد السفينة فإن البحر عميق، وخفف الحمل فإن السفر بعيد، واحمل الزاد فإن العقبة طويلة، وأخلص العمل فإن الناقد بصير..» ، فلنعمل على اغتنام فرصة دخول مدرسة الصيام، لتجديد حياتنا إيمانيا واجتماعيا، فكريا وسلوكيا.. وغير ذلك..

قوة تنظيم الوقت..

في ساعة محددة ومعينة يكون الإمساك، وفي ساعة معينة ومحددة الإفطار، دقة والتزام وتنظيم، أغلب الناس لا يولي أهمية للوقت وتنظيمه وبالتالي لا يولي أهمية لحياته لأن الوقت هو الحياة، فالحياة عبارة عن وقت يمضي فتمضي، كما قال الحسن البصري رحمه الله: «يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم، ذهب بعضك !».. وقد يحاول أناس– إذا كانوا من أهل التكاسل وقلة الدقة والإنجاز- أن يُخِلّوا بالوقت، فيمسكوا قبل وقت الإمساك، سواء بعدم تأخير السحور كما يفعل البعض بتناول العشاء وعدم الاستيقاظ لصلاة الصبح.. أو بعدم الإفطار وقت الإعلان عن غروب الشمس بأذان المغرب.. وفي كل الصنيعين خلل في التعامل مع الوقت ومع تنظيم الوقت.. والرسول  يقول: «ما زالت أمتي بخير ما عجلواالفطور وأخروا السحور»، وفي رواية: «‏لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (أخرجه مالك).

في شهر رمضان دقة والتزام وتنظيم للأوقات؛ فترى الأمة بكاملها تجلس على مائدة الإفطار تنتظر الإعلام بالفطور، والأمة بكاملها تمتنع عن الطعام والشراب والجماع ساعة الإمساك، وترى الأمة صافة في الصلاة والقيام والتراويح، وشيء عجيب لو كان لك أن تنظر إليه من أعلى أو تشاهده من بعيد، أمة في غاية النظام والدقة والترتيب..

لعكم تتقون دليل إمكانية التغيير :

يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة:183)، فقوله تعالى لعلكم تتقون تفيد التحقق.. بمعنى أن من أخذ بشروط التنمية خلال هذا الشهر، حصل له التغيير، وتحول من الحسن إلى الأحسن.. ومن أخل بما تقتضيه التقوى لم يحصل له التغيير المنشود..

وللتغيير شروط ثلاثة :

< الرغبة: ونعني بها الرغبة الحقيقية في التغيير، فهناك كثيرون يقولون إنهم يريدون أن يتغيروا لكن في قرارت أو أعماق أنفسهم هم لا يريدون ذلك، وهذا المعنى عميق (حتى يغيروا ما بأنفسهم).

< المعرفة: ونقصد بها معرفة كيفية التغيير، فالتطبيق ينبغي أن يكون مبنياً على معلومات صحيحة، والاستفادة من رمضان تتطلب التحقق والتخلق بالمعاني الواردة في الصيام، وليس التمني والعيش في عالم الأحلام الواهمة..

< التطبيق: هناك أناس يريدون أن يتغيروا وهم يعرفون كيف يتغيرون لكنهم لا يطبقون وبالتالي فهم لا يتغيرون. فالتطبيق فقط هو الذي يأتي بالنتائج. وهناك أناس يحسنون الكلام لكنهم لا يحسنون التطبيق، والتطبيق بإصرار وعزيمة بعد معرفة الطريق الصحيح هو الذي يأتي بالنتائج المرجوة.

كيف تجعل من رمضان نقطة انطلاقة للتغيير؟ (نقط عملية) :

< خطط لما تريد: حدد ما الذي تريد أن تحققه من خلال هذا الشهر الفضيل، ضع أهدافاً واضحة، وحدد بالضبط الذي تريده، هذه المسألة ضرورية جداً (إذا فشلت في التخطيط فقد خططت للفشل).. إذا لم تكن هناك «خطة مكتوبة» فلن تكون هناك نتائج، دوّن ما تريد، اُصدق مع نفسك، أخبر نفسك من خلال الكتابة بما تريد ثم ذكّر نفسك بقراءة ذلك دورياً. اِنتبه إلى كتابة ما تريد لا ما لا تريد، لا تكتب «لا أريد أن تفوتني صلاة الفجر في جماعة» أو «التخلص من المشاكل الأسرية» بل اكتب «أريد المحافظة على صلاة الفجر»، و»أريد تحقيق حياة مستقرة نسبياً».. وهكذا، لا تزاحم نفسك بأهداف كثيرة، اجتهد في التركيز على أهداف معينة.

< أكّد على رغبتك في التغيير: تذكر أن الرغبة هي أول شرط من شروط التغيير، بعد أن تنتهي من جلسة التخطيط، اِجلس في وقت آخر للتأكيد فيها على الرغبة. حين تؤكد الرغبة أجب على سؤال: لماذا؟ لماذا تريد أن تحقق هذا الهدف؟ اكتب لكل هدف من أهدافك سبباً أو أكثر. بعض الأهداف ليست ذات أهمية بعد أن تحققت من دوافعها وأنك تريد أن تستغني عنها أو أن تعدلها أو أن تؤجلها، افعل ذلك. المهم أن تستمر على ما أنت متأكد من رغبتك تجاهه.

< ضع مقاييس لخطتك: بعد أن تؤكد على رغبتك وتذكر دوافعها، تأكد من وضع مقاييس لكل هدف، أجب على سؤال: متى أعرف أنني حققت الهدف؟ اِفعل ذلك مع كل هدف.

< حفّظ عقلك الباطن ما تريد: العقل الباطن هو العقل المحرك لمعظم أمورك وتفكيرك وبالتالي هو الذي يصيغ شخصيتك. العقل الباطن يعمل وفق أمرين: الأمور الجلية الواضحة، والروتين المتكرر. يعني ذلك أن الشخص الذي يدرك ما يريده وبوضوح فإن عقله يسير تجاه هدفه ويسهّل له الأمور. فلكي تقود عقلك الباطن لما تريد وحتى يحقق لك ما تريد قم بقراءة خطتك المكتوبة كل يوم وحبذا أن تكون في بداية يومك أو قبل يومك.

< طبّق كل يوم: علماء الإدارة والاقتصاد يذكرون أن الناجحين بعد أن يرسموا أهدافهم الواضحة يبدؤون بتطبيق شيء يومياً. كل يوم طبق ولو مسألة واحدة فقط تعينك للوصول إلى هدفك، كل يوم افعل شيئا للوصول إلى هدفك حتى ولو كان بسيطاً. أنصحك بكتابة ما تود تحقيقه في الغد ليلاً قبل أن تخلد للنوم، أو كتابة ما تود تحقيقه اليوم في بداية اليوم، أنفق الوقت القليل لتوفير الوقت الكثير.

< استعن بالدعاء: استغل ساعات الإجابة وأنك في صيام ومستجاب الدعوة، واطلب من الله تعالى أن يعينك على تحقيق أهدافك.

< قيّم ثم «انصب وإلى ربك فارغب»: بعد أن تنتهي من الشهر الفضيل وتطبيق ما رسمته في الخطة اجلس مع نفسك جلسة محاسبة وتقويم، احسب الذي حققته في خلال هذه الفترة، إذا حققت 50% فأقل.

فارسم خطة أقل وابدأ من جديد فلا تيأس مع الحياة (استعن بالله ولا تعجز)، قم وابدأ من جديد، فالذي يخطط ولا يحقق كل ما خطط له، فقد حصلت له حصيلة معينة، وهو خير من الذي لا يخطط بتاتاً لأن الذي لا يخطط لا يصل أصلاً.. أما إذا حققت 51% إلى 70% فهذا جيد وأنت من المنجزين والمحققين لأهدافهم وسوف تحقق في سنوات بسيطة ما لم تكن تحلم به. إذا حققت أكثر من 70% فأنت من المتميزين والمنجزين بكثرة وكافئ نفسك في الإنجاز دائماً..

——–

(*) مستشار أسري وقائد اجتماعي، مدرب في التربية الآسرية.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *