البيــئة مـن منظــور إسـلامـي


إن شريعة الإسلام في شموليتها تؤكد منهج الإسلام في الإحاطة بكل قضايا الإنسان المعاصر حاضرا ومستقبلا. والقرآن الكريم يقرر هذه الحقيقة بقوله تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء ولذا فإن المشكلات التي تصيب الإنسان المعاصر ليست بمعزل عن هذه الحقيقة، فمعاناة الإنسان وشقاء البشرية هو فرع عن أصل، فكلما حاد الإنسان عن منهج رب العالمين كلما ظل يتخبط في شقاء وتعاسة وأحاطت به المشكلات من كل جانب، مشكلات تعجز العقول عن إيجاد حلول لها لأنها تتصادم مع قوانين الفطرة التي فطر الله الناس عليها وتتمرد على السنن الإلهية التي تضبط الكون. إن هذه المشكلات العويصة هي نتيجة طبيعية لانحراف الإنسان وفساده وإفساده في الأرض، ولذلك نسب القرآن الكريم خصيصة الإفساد إلى كسب الأيدي، فقال تعالى: ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون .ومن أعظم مظاهر الفساد التي تستدعي التأمل- لأنها أصبحت تمثل تهديدا خطيرا لوجود الإنسان على الأرض- مشكلة البيئة لا بد من الوعي بأهميتها والسعي للمحافظة عليها لما أصبحت تتعرض له من تدمير وتهديد ينذر بالعواقب الوخيمة. ومن ذلك تلويث الماء والتربة والهواء والتغيرات المناخية وتدمير الغابات وانقراض أنواع من النبات والحيوان وغيرها. إن الحديث عن مشكلة البيئة في حياة المسلمين ليس جديدا، فكما أن الأمة تمتلك منهجا متكاملا لهداية الإنسان، فإن الإسلام أولى قضية البيئة عناية خاصة، لأنها عنصر أساسي في استمرار حياة الإنسان. فالبيئة تعني كل ما خلقه الله عز وجل لصالح الإنسان ومنفعته، فهي هواء نقي يستنشقه الإنسان، وماء عذب يروي ظمأه ويسقي به زرعه وأنعامه، والبيئة نبات وأشجار وحدائق ينتعش الإنسان بخضرتها ويطعم من ثمارها، ومن ثم كانت حياة الإنسان مع مكونات البيئة حياة تلازم، فكل ما يصيب البيئة بالنفع أو الضرر بصيب الإنسان أيضا.
1 – إن التفاعل مع البيئة والحرص على الاهتمام بها هو من صميم العقيدة: ذلك أن مصدر هذه البيئة هو رب العالمين الذي خلق فأحسن، وقدر فهدى، هذه البيئة لم تخلق بالصدفة أو بمحض إرادتها، وإنما أوجدها المدبر الحكيم الذي صنع فأبدع، وخلق فأحسن وهو سبحانه الذي يقول : الذي أحسن كل شيء خلْقه ، ومعنى ذلك أن الإحسان والعناية بالبيئة هو إقرار لله رب العالمين بكونه خالق الكون واعتراف من المخلوق للخالق بهذه الحقيقة الإيمانية، فهل يعترف الإنسان المادي بهذه الحقيقة وهو يتفاعل مع البيئة ؟.
2 – إن هذه البيئة المخلوقة هي من النعم التي سخرها الله للبشر: وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه تلك هي علة وجود البيئة، تسخيرٌ من الله يتطلب الشكر لله عز وجل على تسخير البيئة للإنسان ـ
3 – المحافظة على البيئة قضية عقيدة : إن الدعوات إلى المحافظة على البيئة تتعد أشكالها ومنها حث الناس على نظافة الطريق وتخليصها من القمامات باعتبار ذلك تعبيرا عن المواطنة الصحيحة، لكن الإسلام يجعل من هذا السلوك البسيط جزءا من العقيدة، وهذا ما يُهم من قول النبي : «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» وإماطة الأذى تعبير عام يدخل فيه كلما يلوث بيئة الإنسان الصغيرة والكبيرة، بدءا من بيته وشارعه وحيه ومدينته ووطنه، هكذا يجعل النبي من إماطة الأذى أدنى شعب الإيمان، والمعنى المخالف: أن من لم يُمط الأذى عن الطريق وهو واع وقادر فقد هذه الشعبة من الإيمان، ومن منا يرضى لنفسه أن يفقد أدنى درجات الإيمان؟ وهنا تأتي مسؤولية النظافة فردا ومجتمعا ومؤسسات ؟؟
4 – المحافظة على البيئة عبادة : يؤجر صاحبها، فبالإضافة إلى كون الاهتمام بالبيئة سلوكا يعبر عن الانتماء الصحيح للوطن والغيرة عليه، فإن المحافظة على البيئة هو رصيد المسلم من الحسنات والأجر العميم يوم القيامة، وهذا ما يميز التفاعل مع البيئة من منظور الإيمان عن التفاعل معها بمنأى عن الإيمان، ذلك أن المحافظة على البيئة لا ينتهي أثره بانتهاء هذا السلوك في حياة الإنسان الدنيا، وإنما يمتد أثر المحافظة على البيئة إلى يوم القيامة حين يجد العبد رصيدا من الحسنات في ميزان عمله، فقد أثر عن النبي أحاديث كثيرة تحفز الإنسان المسلم على اغتنام الأجر والثواب الذي أعده الله للمحافظ على نظافة بيئته، من ذلك قول النبي : «عرضت علي أمتي بأعمالها حسنِها وسيِئها، فرأيت في محاسن أعمالها الأذى يُنحّى عن الطريق…..» ابن ماجة 3623، وقال : «إن المؤمن ليُؤجر في إماطة الأذى عن الطريق» وقال : «من أماط الأذى عن طريق المسلمين كتبت له حسنة» الطبراني، وقال : «بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر له فغفر له» وقال : «لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين» مسلم، فالأجر ثابت لمن يساهم في نظافة البيئة.
5 – التـوسط والاعتـدال : الذي هو سمة هذا الدين في كل شيء حتى في مجال البيئة، ولهذا يتميز الإسلام بمبدأ التوازن والتوسط والاعتدال في التفاعل مع البيئة الطبيعية، فقد ثبت أن النبي نهى عن التبذير في الأكل والشرب، وأمر بالاقتصاد في الماء وإن تعلق الأمر بالعبادة كالوضوء أو الغسل، كما نهى عن تلويث البيئة، فنهى عن قضاء الحاجة في طريق الناس، فقد قال : «اتقوا الملاعن الثلاث :[ما يجلب اللعن] البراز في الموارد [موارد الماء] والظلّ، وقارعة الطريق» كما نهى عن التبول في الماء، وكان من وصاياه لجيوش المسلمين الفاتحين للبلاد الأخرى ألا يقطعوا شجرا، كان للبيئة اعتبار كبير في رسالة محمد التي جاء بها للعالمين، في ساعات الحروب وحالات الطوارئ كانت البيئة في الإسلام معتبرة ومصلحتها مقدرة ومكوناتها محترمة، لم يعرف النبي ازدواجية الخطاب أو المعايير بل كان يجسد القول بالعمل. إن هذه السموم والنفايات التي تقذف بها مصانع الإنسان المتطور فيُلقى بها في البحار ويُتخلَّص منها في البلدان الفقيرة يؤكد عقم الفكر واضطراب السلوك، ولذلك يقدم الإسلام الإجابات الكثيرة لمشكلات الإنسان ومنها مشكل البيئة.

ذ. كمال الدين رحموني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>