حوار العدد – الدكتور الطيب برغوت لجريدة المحجة عن قضايا النهضة وسننها


بطـاقـة تعـريـف :

– الاسم : الطيب برغوث
– من مواليد 1951 بالجزا’ئر.
-حصل على الباكالوريا في العلوم الشرعية سنة 1975.
– حصل على الإجازة في علم الاجتماع سنة 1979.
– حصل على شهادة الماجستير في مناهج الدعوة سنة 1992 وأنهى إنجاز شهادة دكتوراه الدولة في نفس التخصص سنة 1997.

> نرحب بفضيلة الدكتور الطيب برغوت المفكر الإسلامي المشهور بمشروعه في النهضة وسننها، هلا حدثتمونا عن معالم هذا المشروع وأهدافه؟
<< كما تعرفون فإن النهضة هي القضية المركزية لكل مجتمع ولكل أمة، فمشكلة كل شعب وكل مجتمع وكل أمة، مثلما يقول الأستاذ مالك بن نبي رحمة الله عليه ـ عن حق وعن وعي وعن درايةـ : مشكلة كل شعب هي مشكلة حضارته، يعني عندما نتكلم عن حضارة فإننا نتكلم عن النهضة، لأن الحضارة منتوج النهضة إذ بقدر ما ينهض المجتمع بواجباته وبما هو متطلب منه يتمكن من إنتاج الحضارة. لذلك فأنا منذ وقت مبكر من حياتي وأنا طالب في المرحلة الإعدادية، بدأت أهتم بهذا الموضوع إلى يومنا هذا. وقد مكنني الله سبحانه وتعالى من فهم بعض الأمور، وإدراك بعض ما أعتبره من أسرار النهضة، وأحاول أن أبلغ هذا للمسلمين. وخاصة للأجيال الجديدة، أجيال الباحثين، وأجيال الشباب الجديد أبلغ لهم كيف ينبغي أن تتحول أسباب النهضة بالنسبة إليهم إلى قضية مركزية في حياتهم. فمع الأسف، كثير من الناس لا يعرفون هذه القضية، وهي أن النهضة هي القضية المركزية لكل مجتمع من المجتمعات، وعندما نتحدث عن النهضة فإننا نتحدث عن تركيب كل متكامل يجب أن تصب فيه كل الروافد الفكرية والروافد الاجتماعية وغيرها… كلها تصب في مصب واحد هو حركة النهضة لأن المجتمع لا ينهض ولا يقيم حضارته بعامل واحد أو برافد واحد، هذا مستحيل. وهذه هي مشكلتنا نحن في العالم الإسلامي منذ وقت طويل. هناك روافد متعددة ومستقلة، ومنفصل بعضها عن بعض، كل واحد يظن أنه هو مسار النهضة، وهذا إشكال ضخم ما زال قائما لحد الآن، ولذلك لم نحقق نهضتنا. لأن نهضتنا لن تتحقق إلا عندما تتحول النهضة إلى مصب لكل الروافد الأخرى. عندما تنتهي هذه التقسيمات، هذا سلفي وهذا صوفي وهذا فقهي وهذا سياسي… هذه كلها روافد يجب أن تصب كلها في مصب واحد وهو مصب حركة النهضة من خلال فهم وفقه سنن النهضة، هذا هو المنطلق، فعندما نصل إلى هذا المستوى نبدأ في الخطوة الأولى في النهضة إن شاء الله تعالى. > يظهر من كلامكم أن النهضة لا تتحقق إلا بشرط وحدة الأمة وتكاملها، فكيف إذن يمكننا تحقيق هذا الشرط أولا للشروع في مرحلة النهضة؟
<< أولاً لا بد أن نعلق على مفهوم الوحدة، بعض الناس يعتقدون أن الوحدة قضية ميكانيكية. وإذا تحدثنا عن المجال السياسي يجب أن تكون عندنا دولة واحدة. الوحدة في الأساس هي الوحدة في الجهد، أي تكامل الجهود، واتجاهها نحو هدف محدد بغض النظر عن الأشكال التنظيمية سواء الفكرية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية التي تأخذها هذه التكاملية. الأشكال تتغير وتتبدل ولكن اللازم هو أن تتكامل هذه الجهود كلها باتجاه الوحدة، هذا الذي نركز عليه. وبعض الناس منذ البداية يركزون على الأشكال التنظيمية وهذه تعرقل إنجاز هذا الهدف وهو الوحدة. بينما لو ركزنا على المضامين، وركزنا على شروط التكامل، تكامل هذه المضامين وتكامل هذه الروافد، في النهاية مع المسار، سنجد أنفسنا قد حققنا هذا المفهوم، مفهوم الوحدة وحدة الجهد ووحدة الحراك بصفة عامة. > ذكرتم فيما سبق، مفهوم سنن النهضة. ما هي هذه السنن؟ وكيف يمكن توظيفها لتستأنف الأمة مسيرتها الحضارية من جديد؟
<< هذا سؤال مركزي، يعني بعد أن نعي أو بعد أن يرتقي وعينا إلى أن مشكلة أي مجتمع هي مشكلة نهضته الحضارية يأتي السؤال الطبيعي وهو : ما هي سنن شروط النهضة؟ وهذا الذي ينبغي أن ينصب حوله أو عليه البحث العلمي الجاد في الجامعات بالخصوص باعتبارها هي مخابر ومصانع الوعي داخل الأمة، فالجامعات عندنا يجب أن تطرح هذا السؤال مثلما طرحه مالك بن نبي قديما، في كتابه شروط النهضة. ما هي شروط النهضة؟ ولسنا نعني هنا بالشروط ما هو جزئي، بل الشروط الكلية أي السنن الكلية. نبحث أولا هل هناك سنن كلية تحكم حركة نهضة أي مجتمع من المجتمعات بغض النظر عن كونه مسلما؟ هل هناك قوانين كلية وعامة تنتظم حركة النهضة حتى نأخذ بها أم أنه ليس هناك قوانين حتى نتحرر كذلك؟ لكن بدون شك ما دام الله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون كله وفق قوانين وسنن يخضع لها وينبني عليها نظامه في الجزئيات والكليات فإن هذه النهضة جزء من هذا النظام الكوني الكلي وبالتالي هي كذلك لها سننها الكلية. وهذا الذي يجب أن تبحث عنه وتنصب عليه جهود مراكز البحث العلمي النوعي العالي داخل الجامعات، أن تبحث عن ما هي شروط النهضة وسننها الكلية ؟ > إذن هل يمكنكم أن تضعوا أيدينا على بعض هذه السنن وكيفية إعمالها؟
<< نعم، هو بصفة عامة نتحدث، تقريبا منذ أربعين سنة أشتغل ومهتم بهذا الموضوع، وربما أن الله سبحانه وتعالى أكرمني، فكتبت بعض الخلاصات التي انتهيت إليها من خلال قراءاتي المتسعة، ومن خلال تجربتي المحدودة، وصلت إلى بعض الأمور الموجودة في كتبي، ولكن ألخصها. أولا سنن المدافعة والمداولة : نحن عندما ننظر إلى حركة الحياة بصفة عامة وننظر إليها من خلال القرآن الكريم بصفة خاصة نجد بأن حركة النهضة الحضارية الإنسانية يحكمها قانونَا المدافعة والتجديد. هذا هو القانون الكلي للنهضة الحضارية. الله سبحانه وتعالى أقام نظام الخلافة البشرية في الأرض، أو نظام الاستخلاف على الزوجية، على قانون المدافعة والتجديد. فنحن عندما ننظر إلى الحياة البشرية بصفة عامة وإلى كل مفردات الكون نجدها في تدافع. والتدافع ليس معناه الصراع، لأن الصراع معناه أعلى. آخر مراحل المدافعة، أما المدافعة في شكلها العادي، فهو المنافسة والبحث عن الأفضل في كل شيء، وعندما تتعرض مدافعتك إلى الأعلى نحو الأخطر فأنت تحمي، وهذه الحماية يمكن أن تصل إلى الصراع، حتى تحمي جهدك الإبداعي … إلخ. إذن فحركة الحياة البشرية، الخلافة البشرية يحكمها قانون المدافعة والتجديد. ويجب أن نعي هذا وأن نبحث بالتالي عن شروط فعالية المدافعة. فكلما حسن أي مجتمع من المجتمعات فعالية مدافعته كلما طور مداولته الحضارية، يعني فعالية المدافعة تنعكس على فعالية المداولة، أي لمن تكون الغلبة أو الهيمنة أو النفوذ أو القوة، هذا بناء على المدافعة. كلما كانت مدافعتك أكثر، تكون أكثر فعالية وأكثر أصالة وأكثر تكاملية، وأكثر استمرارية، وتكون مداولتك أيضا أكثر اندفاعا وجريا وسيرا نحو الأمام. وكلما ضعفت المدافعة كلما ضعفت المداولة. هذه من السنن الكبرى والكلية في النهضة سنن في المدافعة وقوانين في المداولة. إذن فالسؤال: كيف نرفع من مستوى فعالية المدافعة؟ ثانيا سنن التجديد : هنا يأتي الشطر والشرط الثاني في النظرية وهو التجديد. أنت تحسن من فعالية المدافعة، وبالتالي تحسن من فعالية المداولة، بقدر ما تجدد علاقتك بسنن الله سبحانه وتعالى في الآفاق. وتجدد فعاليتك بسنن الله سبحانه وتعالى في الأنفس، وتجدد فعاليتك في سنن الله سبحانه وتعالى في الهداية، وتجدد وعيك بسنن الله سبحانه وتعالى في التأييد. هذه الرؤية ترسم لنا خريطة واضحة حتى تخرجنا من دوامات التفاضل. ليس هناك تفاضل بين دوامات الروافد، لأن الروافد كلها مطلوبة، ولا بد أن تتكامل حتى تحدث النهضة. أما أن تفاضل بين هذه الروافد، وتغلب رافدا على رافد، فأنت منذ البداية انطلقت من منطلق خاطئ. إذن حركة النهضة التي يرتبط بها مصير كل مجتمع من المجتمعات وبالتالي يرتبط بها المصير الأخروي للإنسان، مرتبطة بالوعي بقانون أو نظرية المدافعة والتجديد. كلما تأسس الوعي بهذا القانون كلما تحركت النهضة في الخط الصاعد. وكلما اضطرب الوعي أو نقص الوعي بقانون المدافعة والتجديد كلما تحركت حركة النهضة بالاتجاه التنازلي، اتجاه التقهقر. وهذا أيضا فيه كلام كثير. > في هذا السياق أيضا وأنتم تضعون خارطة الطريق لتوضيح معالم الطريق نحو النهضة المنشودة لهذه الأمة. كيف تقيمون جهود علماء النهضة ومصلحي هذه الأمة في هذه المرحلة التي تسمى منذ قرنين النهضة العربية الإسلامية؟
<< هذا تقريبا آخر كتاب كتبته، في هذه القضية. وعلى ضوئه حاولت أن أقيم جهود النهضة. لماذا نحن كما ذكرت، منذ أكثر من قرنين من الزمان ونحن نحاول النهضة ولكننا لم ننهض؟ ندور حول أنفسنا، والدوران حول النفس معناه إهدار الوقت، إهدار الجهد، إهدار الإمكانات، إهدار الفرص وتفويتها. لماذا؟ وأين الخلل؟ وأين المشكل؟ المشكل يعود ـ في تقديري والله أعلم ـ إلى عدم وضوح خارطة السنن الكلية، السنن المفصلية للنهضة. فنحن عندما نعي وندرك أبعاد هذه الخارطة، ثم نذهب لنقيم جهود حركات النهضة منذ قرنين من الزمان، سنكتشف الخلل أو الاختلالات بسهولة لأننا نحن عندنا خارطة. هل فعالية مدافعتنا اتسمت بالأصالة والفعالية والتكاملية أم لا؟ وكذلك هل تجديدنا كان تجديدا يتعلق بتجديد الوعي بسنن الآفاق وتجديد الوعي بسنن الأنفس، وتجديد الوعي بسنن الهداية، وتجديد الوعي بسنن التأييد أم لا؟ فستتضح لنا الآن الأمور تماما، فعندما وضعت هذه الخارطة أصبحت باستطاعتي أن أعرف بسهولة أين الخلل. وهذا الذي أبحث عنه. وأتمنى أن نتشارك كلنا في توضيح هذه الخريطة. أعتقد والله أعلم أن توضيح هذه الخريطة وتحويلها إلى خارطة ذهنية، ليس خارطة نظرية فقط، بل خريطة فكرية ذهنية، كيف يمكن من خلال التعليم والتربية، وفي كل محاضن التربية أن نحولها إلى خريطة ذهنية. فعندما تتحول إلى خريطة ذهنية، آليا سنعرف أولا ما هو المطلوب، ونعرف الاختلالات عندما تحدث الاختلالات، يعني تماما مع الفارق على كل حال. فأنت مثلا عندما تجد في كل مدينة، خريطة لصرف المياه مثلا، مياه الشرب مياه كذا… عندما لا يتواجد عندك ماء بالبيت، فأنت لا تعرف أين الخلل، لكن الذي يملك الخريطة، يستطيع أن يحدد أين الخلل. أما إذا اشتغلنا بدون خريطة، فسنخرب المدينة كلها بحثا عن نقطة واحدة فقط في هذه الشبكة. وهذا هو الإشكال الذي تعاني منه حركة النهضة في العالم الإسلامي منذ زمن بعيد، لم نضع هذه الخريطة على المستوى النظري أولا ثم لم نبذل جهدا لتحويل هذه الخريطة، خريطة السنن أو شروط النهضة، إلى خريطة ذهنية خريطة فكرية، تصبح من طبيعة الإنسان آليا يتصرف بناء على استجاباته كلها، تتم بناء على وضوح هذه الخريطة. فهذه هي مقدمة النهضة في رأيي، والله أعلم. هو أن نضع هذه الخريطة، ونبنيها ثم أن نحولها إلى خريطة ذهنية تحكم الاستجابات اليومية لكل فرد في الأمة. > في مسألة المدافعة، كيف تنظرون وتقيمون مدافعة المسلمين اليوم، داخليا وخارجيا لأزمات التداول الحضاري مع الغرب؟
<< هذه المدافعة مثلما ذكرت في جواب سابق، هذه المدافعة لا تعني الصراع، لأن الصراع آخر مراحل مفهوم المدافعة، هذه المدافعة تتسع لتشمل عناصر وخطوات متتابعة : فهي تبدأ أولا من وضوح الأمور عن طريق العلم والتعلم والوعي والمعرفة، أول مرحلة في هذه المدافعة هي أن تبذل جهدا، أن تدافع الجهل، بذل الجهد من أجل التخلص من الأمية بجميع معانيها ومستوياتها أفقيا وعموديا، هذا أول شروط ومراحل المدافعة. لأن الإنسان لكي يتعلم يحتاج إلى مدافعة الشيطان، إلى مدافعة الأهواء، الإغراءات، الضغوط الاجتماعية، يعني لا بد أن تكون له قوة الإرادة، والصبر والعزم، والاستمرارية. ثم يأتي كذلك التعريف، أن تعرف أنت الآخرين بنفسك، وتعرف الآخرين بما عندك، داخل مجتمعك، داخل الأسرة، حتى تعرف محيطك الأسري، ويعرفك محيطك الأسري معرفة جيدة، هذه مدافعة، كيف تعرف نفسك داخل محيطك القريب، فمحيطك الأبعد فالأبعد. ثم يأتي الحوار، كيف نتحاور داخل المجتمع بحيث يقنع بعضنا بعضا بما عنده أو يطرح ما عنده بشكل صحيح، بغض النظر عما يقبله منك الناس أو لا يقبلونه منك، ولكن أنت تبذل جهداً للتعريف بما عندك من أفكار ومشاريع. وهذا التعريف كذلك فيه شروط كذلك ومراحل كلها مبنية على المدافعة. هناك تعريفات أخرى، يعني مدافعة أخرى في إطار الحوار والجدل بين الأفكار، بين المشاريع وهذا يولد الإبداع، والإبداع يأتي من هذه المدافعة. هي التي تحفز على الإبداع وهكذا… ثم يخرج هذا إلى المجتمع الواسع. > كيف يمكن تأصيل هذه القضايا من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة؟
<< عندما نرجع إلى القرآن الكريم، وإلى سنة النبي ، نجد تنظيما لهذه المدافعة، ولمراحل هذه المداولة، ولشروط هذه المدافعة حتى تكون مدافعة تكاملية بناءة. وليست مدافعة تنافرية هدامة. يقول جل وعلا: ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم . وهكذا نمضي على كل المستويات، نحن في حاجة للبحث عن شروط المدافعة التكاملية. فالمدافعة إذا لم تكن تكاملية فهذا خطأ، فنحن في مرحلة أخرى لا بد أن نبحث ما هي شروط المدافعة التكاملية؟ بحيث لا بد أن تتكامل جهودنا ولا تتنافر وتتواصل ولا تنقطع وهكذا… وعموما فإن القرآن الكريم وسنة الرسول وسيرته العطرة يمكن التدبر في معاني الآيات والأحاديث والأحداث من الوقوف على كل ما يتعلق بالسنن الكلية والجزئية للنهضة. > أخيرا هل من كلمة أخيرة
<< أرجو الله العلي القدير أن يمكن الأمة من فقه سنن النهوض وإحسان الوعي والعمل بها، كما أرجو أن يسعى المسلمون عاجلا غير آجل إلى أن يدركوا آفات التفرق والتنابذ وعدم التكامل، وأن يبادروا لتحقيق هذا التكامل فإنه مفتاح لما بعده إن شاء الله تعالى، وبعدها أن يحسنوا العمل بآليات المدافعة والتجديد.
حاوره : د.الطيب الوزاني

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *