اللغة العربية لغة القرآن : مباني ومعاني 16


البنية اصطلاحا (تتمة)

بدأنا في الحلقة الماضية مناقشة الشطر الثاني من العنوان أعلاه : «البنية اصطلاحا»، ونبهنا إلى احتمال اتساع وجود أمثلة هذا المفهوم في مجال الممارسة أكثر مما تشمله التعاريف اصطلاحا، وفي هذا السياق أوردنا نماذج من النصوص التي تتحدث عن مسائل متنوعة في بعض مستويات الدرس اللغوي العربي غير ما ينص عليه المصطلح كما هو معروف في هذا المجال، والكلمات المستعملة لهذا الغرض في النصوص المذكورة تتضمن حرفي «الباء» و«النون» باعتبارهما قاسما مشتركا بين كل تلك الكلمات رغم تنوع ـ أشكالها ـ بما في ذلك كلمة «بنية» المستعملة اصطلاحا للدلالة على مستوى معين من مستويات الدرس اللغوي العربي، فقد لا حظنا أن كل تلك الكلمات ذات وظائف دلالية متنوعة، إلى درجة أن دلالة البعض منها أكثر وضوحا في حالة معينة من القواعد، هي التمييز بين دلالتي القلة والكثرة في جموع التكسير، وعليه يمكن القول بأنه ما من شكل من الأشكال «البنية» الذي يمثل هذا النوع أو ذاك من الكلمات إلا وله دلالة مركبة في مجاله : دلالة عامة، ودلالة خاصة.
وقبل أن نوضح بأسلوبنا ما نعنيه بالدلالة المركبة للكلمة الواردة على شكل معين، نذكر بعض الأبواب في كتاب سيبويه التي نرى أن هذه المسألة واردة فيها بوضوح. ونذكر عنوان كل باب على حدة مشفوعا بمقتطفات من الأمثلة التي تنضوي تحته. مما يبدو لنا أنه كاف لتوضيح الفكرة التي ذكرناها، وذلك كما يلي :
يقول سيبويه :
1 – «هذا باب ما جاء من الأدواء على مثال وَجِع يوْجع وَجَعا وهو وَجع لتقارب المعاني:
وذلك حَبط، يحبط، حبَطا وهو حَبِطٌ، وحَبِجَ يَحْبَجُ حَبَجاً وهو حَبِجٌ.
وقد يجيء الاسم (أي اسم الفاعل، أو ما يقوم مقامه في بعض الأمثلة وهو الصفة المشبهة) فعيلا نحو مَرِض يَمْرَض مرَضاً وهو مريض، وقالوا : سَقِم يسقَمُ سقما وهو سقيم. وقال بعض العرب سَقُمَ…»(1)
2 – «هذا باب فَعْلان ومصدره، وفعله :
أما ما كان من الجوع والعطش فإنه أكثر ما يُبْنى في الأسماء (ويعني أيضا اسم الفاعل أو ما يقوم مقامه كما تمت الإشارة إليه أعلاه) على فَعْلان، ويكون المصدر الفَعَلُ ويكون الفِعْل على فَعِل يَفْعَلُ، وذلك نحو ظَمِئَ يظْمَأُ ظَمَأً وهو ظَمْآن، وعطِش يعْطَش عَطَشاً وهو عَطْشان.. وغِرثَ يَغْرثُ غَرَثاً وهو غَرْثان، وعَلِه يَعْلَهُ عَلَهاً وهو عَلْهان : وهو شدة الغَرَث والحرص على الأكل…»(2)
3 – «هذا باب ما يبنى على أفْعَلَ :
أما الألوان فإنها تُبنى على أفْعل: ويكون الفعل على فَعِل يَفْعَل، والمصدر على فُعلةٍ أكثر، وربما جاء الفعل على فَعُل وذلك (قولك) أدِم يأدَمُ أُدْمَة، ومن العرب من يقول: أدُم يأدم أُدْمَة، وشهِب يَشْهَبُ شُهبة…»(3).
4 – «هذا باب أيضا في الخصال التي تكون في الأشياء :
أما ما كان حُسْنا أو قُبْحا فإنه (مما) يُبنى فِعْلُه على فَعُل يَفْعُل، ويكون المصدر فَعَالا، وفَعالة وفُعلا، وذلك قولك : قَبُح يقْبُحُ قَباحة، وبعضهم يقول قُبُوحة فبناه على فُعولةٍ كما بناه على فعالة، ووسُم يَوْسُم وَسامة وقال بعضهم وساماً فلم يُؤنث..
وتجيء الأسماء (…) على فعيل وذلك : قبيح، ووسيم وجَميل، وشقيح، وذميم…»(4).
نقف عند عناوين هذه الأبواب الأربعة التي نرى أن ما نقصده بالدلالة العامة أي الدلالة التي تعني مجالا معينا واضح في عناوينها. فثمة الداء الذي عنوانه الوجع. ثم الجوع والعطش. ثم الألوان، ثم الخصال. وكل مفهوم من بين هذه المفاهيم يمثل الدلالة العامة في مجاله.
لكننا عندما نتابع الأمثلة الواردة في كل باب مما يرمز لهذا المعنى العام بشكل من الأشكال، فإننا نلاحظ أن موادها متنوعة، فالأدواء مثلا فيها الحَبط، والحَبَحُ، والمَرَض والسقم، وكل منها داء، وباب فَعْلان الخاص بالجوع والعطش فيه : الظمأ والظمآن، والعطش والعطشان، والغَرَث والغَرْثان، والملاحظة نفسها واردة بالنسبة للبابين الأخيرين (3-4) لكن اللافت للانتباه أكثر هو ورود شكلين متنوعين من الكلمات مع اتحاد في المادة للدلالة على نفس المفهوم مثل «أَدِمَ يَأْدَمُ» بالوجهين في الماضي والمضارع أي الكسر والضم في الماضي «أدِم» و»أدُم»، والفتح والضم في المضارع «يأدَم» و»يأدُم». ويتضح الأمر أكثر على خصوصية الدلالة في تنوع أمثلة الباب الواحد في دلالتها على ذلك المعنى العام كتنوع مصادر الباب الرابع الدالة على الخصال بين فَعال، وفَعالة، وفُعْلا، وكذلك تنوع الاسم في الباب الأول بين فَعِل وفعيل، ولكل شكل ميزة دلالية يتميز بها، وإن كان يشارك غيره في دلالة المجال العام وفيما يعني تميز كل شكل «بنيبة» بدلالته الخاصة ضمن المفهوم العام لتلك الدلالة. يقول سيبويه في موضوع آخر: «اِعلم أن كل بناء كان لأدنى العدد فإنك تُحَقِّْرُ ذلك البناء لا تجاوزه إلى غيره، من قبل أنك إنما تريد تقليل الجمع، ولا يكون ذلك البناء إلا لأدنى العدد، فلما كان ذلك(5) لم تجاوزه»(6).
والذي يعنينا من هذا النص هو قوله : «من قبل أنك إنما تريد تقليل الجمع» وقوله: «ولا يكون ذلك البناء إلا لأدنى العدد» فأشكال الكلمات التي يقال إنها لأدنى العدد (وهي أفْعِلَة، وأفْعُلُ، وفِعْلَة، وأفْعَال) تعبر بأشكالها الخاصة عن المعنى العام الجامع بينها جميعا هو : تقليل العدد، وهذا هو الذي نسميه بالمعنى العام في هذا السياق ثم يأتي بعده المعنى الخاص مضمن في كل كلمة تدل بشكلها «بنيتها» أو مادتها (كما سنوضح) على ذلك المعنى دلالة مباشرة. فمادة فِعْل حبج غير مادة حبط فيما يدل على الوجع، ومادة فِعل ظَمِئَ غير مادة عطش فيما يدل على الاحتياج للماء. وفعل قبُح غير فعْل وَسُم فيما دل على خصلة، والألوان تشترك في صيغة أفْعَل، ولكل لوْن مادته، وعليه نرى أن كل كلمة ذات شكل معين مما يصح أن يطلق عليه بِنْية على وزن فِعْلة يتضمن نوعين من الدلالة : الدلالة العامة، ثم الدلالة الخاصة في نفس المجال. والله أعلم.
د. الحسين كنوان
(يتبع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) – الكتاب : 4/17 – 21
(2) – نفسه : 4/21 – 25
(3) – نفسه : 4/25 – 28
(4) – نفسه : 4/28 – 35
(5) – هكذا وردت في النص الذي نقلنا، ونرى أن كلمة «ذلك» تعني «كذلك»، والله أعلم.
(6) – الكتاب 4/35.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>