خطبة منبرية – دور الـمساجد في حياة الـمسلمين


الخطبة الأولى …..أما بعد : فيقول الله تعالى في محكم كتابه المبين {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} أشارت الآية الكريمة إلى فضل المساجد، وهذا الفضل يرجع إلى أنها بيوت لله، وفيها تؤدى الصلوات والعبادات، وفيها يوطد الإنسان علاقته بربه، ولذلك كان للمسجد تأثير بالغ في حياة الناس. ونتكلم في هذه الخطبة عن أنواع تأثير المسجد في حياة الناس: > التأثير الديني: المسجد هو أول مكان اتصلت فيه السماء بالأرض وذلك في غار حراء حينما كان يأتي النبيَّ صلى الله عليه وسلم جبريل \ فيتعبد فيه الليالي ذوات العدد، ففيه نزلت الآيات الخمس الأولى من سورة العلق وهي من أول ما نزل من القرآن الكريم، فهذا الغار جدير بأن يعد في المساجد وإن سبق عصر المساجد وإن لم يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فيه إلا أنه يجوز اطلاق المعبد عليه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعبد فيه، ومن المعروف فقهيا جواز تسمية المسجد بالمعبد كجواز تسميته بالمركع، ولكن لفظ المسجد غلب عليه تسمية، ولهذا الغار فضل على أمة الإسلام. ففيه جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم وفيه التقى بجبريل عليه السلام، فأصبح للمسجد الأثر البالغ في حياة الناس الدينية. ففيها يصطف الناس لرب العالمين، قال تعالى: {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} وفيه يتعلم الناس أمر دينهم ويوثقون صِلاتهم بربهم ويستمعون لكلام ربهم ويؤدون صلاة فرضهم، فهو مكان الطهر قال صلى الله عليه وسلم: “وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا” وهو مكان الحب، قال صلى الله عليه وسلم: “أحب البلاد إلى الله مساجدها”، وهو مكان الفرح قال صلى الله عليه وسلم: “أعلنوا النكاح في المسجد” وهو مكان الأمن قال صلى الله عليه وسلم: “إن الله ضمن لمن كانت المساجد بيته الأمن”. لكل هذا كان جزاء من يبني المسجد الجنة.

> الدور السياسي: كما أن للمساجد دورا سياسيا بارزا. فهي من أنقذت دولا كثيرة من الانهيار السياسي حينما فقدت الدولة مؤسسات الحكم والإمارة والقضاء رجعت إلى المساجد فصيرتها أماكن قضاء وحكم بين الناس، وما عهد العراق عنا ببعيد حينما سقطت الدولة وانتشرت السرقة فتدخلت المساجد وأرجع الناس المسروقات ووضعوها في بيوت الله تعالى حتى يسترجعها أهلها، والمساجد هي من حولت المغول من بشر يخربون البلاد ويهلكون العباد ويهدمون المساجد إلى قوم يبنون البلاد وينصرون العباد ويشيدون المساجد، فالمساجد هي من جعلت أحفاد هولاكو يخرجون بأنفسهم مجاهدين في سبيل الإسلام حاملين رايته بعد أن كانوا يحاربونه، وما رمز الهلال فوق المنائر والصوامع إلا دليل على حبهم للمساجد ودفاعهم عنها بالغالي والنفيس .

> التأثير العمراني: فالمساجد أجمل ما تقع عليه عين الإنسان في عالم الإسلام. فسواء كنت في قرية أو في مدينة فهي تضيف إلى المنظر عنصرا من الجمال والجلال الروحي لا يتأتى له بدونها، فهي تزيل الوحشة عن تواضع مباني القرية وصغرها وتنفي الجمود عن غرور مباني العواصم وتطاولها فهي كالقلب النابض بالنسبة للإنسان . الخطبة الثانية عباد الله: > التأثير الاجتماعي: ففي المساجد يتعارف الناس ويتعلمون ويتداوى المرضى، فالمساجد قديما كانت تضم مدرسة ومستشفى وسبيل ماء، فهي دار لابن السبيل وفيها يتعارف الغرباء، يكفي أن نقرأ كتب كبار الرحالة المسلمين مثل أحمد بن محمد المقدسي البشاري وابن جبير والعبدري وابن رشيد السبتي وابن بطوطة، فنلاحظ أن هؤلاء الرجال كانوا إذا نزلوا بلدا لا يعرفون فيه أحدا اتجهوا إلى المساجد، ويحكي العبدري وكان شيخا شديد الحياء مرهف الحس أنه ما نزل بلدا إلا قصد الجامع. وهناك يتعرف على الشيوخ وطلبة العلم فيجد فيهم الصاحب والأهل، وعرف في تاريخ المساجد أن المسلمين كانوا يبعثون بالطعام إلى المساجد ليستفيد منه غرباء المساجد ويستعينون به على طلب العلم وعلى قيام الليل وعلى الرحلة، فكان الذي يقصد المسجد لا يفكر في طعام ولا شراب ولا نوم ولا غطاء. ويحكي أحمد بابا التمبكتي أن بلاد المسلمين التي مر بها في أقاليم السودان تميزت بوفرة طعام أهلها فلا تجد فيها جوعا ولا مسغبة لأن الناس قديما كانوا لا يرمون الطعام المتبقي منهم، بل يأخذونه إلى المساجد ويجعلونه على حصر نظيفة فيصيب منها كل محتاج، وفي المساجد كان يتداوى الفقراء. وفي سيرة أحمد بن إبراهيم الجزار وهو من أعظم أطباء المسلمين وكان قيروانيا أنه كان يخرج بعد صلاة العشاء ويقف على باب الجامع ليداوي المرضى من الفقراء وكان يصطحب عبدا يحمل أصناف الأدوية فيعطيهم منها ما ينفعهم، وقد أثرت المساجد حتى في ألبسة المسلمين حيث تمثل المسلمون قوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} فقد حرصوا في شهودهم الصلوات الجامعة على أن يكونوا في أحسن ملابسهم وقد نوه ابن بطوطة بهذه الناحية فذكر في مواضع كثيرة من كتابه كيف كان الرجال يتخذون أحسن ملابسهم ويتطيبون عند ذهابهم إلى المساجد لصلاة الجمعة. وفي كلامه عن المسلمين في جزيرة الملديف قال ك إنهم يعتقدون هناك أنه لا جمعة لمن لم يتخذ أغلى ما لديه من الثياب في ذلك اليوم، وحكى ابن جبير الرحالة أن الناس في بعض قرى العراق يمنعون ذا الثياب الخلقة أو الرثة من شهود الجمعة، أما المسعودي فقد أطال الوصف عند حديثه عن أزياء الناس وحسن منظرهم عند شهود الجمعة في بلاد إيران. ويذهب لسان الدين بن الخطيب في هذا المجال إلى حد تفصيل أنواع الثياب التي كان أهل غرناطة يرتدونها أيام الجمع . أيها الإخوة : إن مما يجب أن يعلم أن المساجد تخوض حروبا بالرغم عنها. فهي من أهم حصون الإسلام على حدوده وأطرافه لذلك لا نزيدها إنهاكا بكثرة خلافاتنا ومشاكلنا. فالمسجد مكان يجمعنا وما سمي الجامع جامعا إلا لأنه يجمعنا وهو المكان المناسب لحل مشاكلنا فلا نجعل المسجد مشكلا من مشاكلنا. لذلك لا بد من التعامل بنوع من الحذر معه، ولكل هذه الأدوار التي يلعبها المسجد كان كل من يساهم في بناء المساجد وخدمتها وتعميرها ينال دعوة النبي صلى الله عليه وسلم التي خصها لتميم الداري، فعن أبي هِندٍ الداري قال: “حملَ تميمُ الدَّاريُّ معهُ من الشَّامِ إلى المدينةِ قناديلَ وزيتًا ومُقطًا، فلمَّا انتَهى إلى المدينةِ وافق ذلكَ يومَ الجمُعةِ فأمرَ غلامًا له يقالُ له أبو البرَّادِ فقام فشدَّ المُقطَ وهو بضمّ الميمِ وسكونِ القافِ وهو الحَبلُ وعلَّق القناديلَ وصبَّ فيها الماءَ والزَّيتَ وجعل فيها الفَتلَ، فلمَّا غرَبتِ الشَّمسُ أسرجَها، فخرَجَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى المسجِدِ فإذا هو يَزهرُ، فقال: “مَن فعلَ هذا؟ قالوا تَميمٌ يا رسولَ اللَّهِ، قال: نوَّرتَ الإسلامَ نوَّرَ اللَّهُ عليكَ في الدُّنيا والآخرَةِ، أما إنَّهُ لو كانَت لي ابنَةٌ لزوَّجتُكها، فقال نوفَلُ بن الحَرِثِ بنِ عبدِ المطَّلِبِ: لي ابنَةٌ يا رسولَ اللَّهِ تُسمَّى أمَّ المغيرةِ بنتَ نَوفلٍ، فافعَل فيها ما أردتَ، فأنكَحهُ إيَّاها على المكانِ”. فقال علماؤنا كل من اهتم بالمساجد تلحقه دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم. جعلنا الله من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه —– (ü) خطبة الجمعة بالمركز الإسلامي بمدينة زايست بهولندا بتاريخ : السابع من شهر مارس عام 2014م.

ذ. امحمد رحماني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>