التعليم والإجابة عن حاجة الذات


{قال له موسى هل اتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا} اللهم انفعنا بما علمتنا وعلمنا ما ينفعنا وزدنا علما. التعليم تلقين للعلم لأن “تعلم” مطاوع لـ “عَلِم” ، وبذاك فالتعليم وسيلة لإشاعة العلم، ومن زاوية أخرى لا علم بدون تعليم لأن العلم بالتعلم، ولا خير في علم لا يصنع عملا ولا خير في عمل غير نافع، ولا يكون نافعا إذا لم يُجِب عن حاجة الأمة أفرادا وجماعات في أخراهم ودنياهم.. فالرسول صلى الله عليه وسلم كان يعلم العلم للعمل، وذاك بين في أقواله وأعماله وإرشاداته: قال صلى الله عليه وسلم : ((اللهم انفعنا بما علمتنا، وعلمنا ما ينفعنا، وزدنا علما)). فالحديث يدفعنا إلى العمل بما نعلم أولا قصد جلب المنفعة. ثم بعد ذاك الاستزادة من العلم الذي يدر النفع على الأمة، وبعدها الاستزادة من العلم مطلقا بما لا يتعارض وروح الشريعة. فالمدار في الحديث العلم للمنفعة، وهي سد لحاجة من حاجات الذات. وتأمل إن شئت بداية حديث الاستخارة المفتتح بقوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك…)) فمن إيحاءات هذا الافتتاح أن قضاء الحاجات يحتاج إلى علم وإلى قدرة وإمكانات لتنزيل ذاك العلم. فالتعليم الذي يصنع حضارة يجب أن يوظف إمكانات الأمة قلَّت أو كثرت، بشرية أو طبيعية؛ للإجابة بها عن حاجات الأمة الكبرى ذات البعد الاستراتيجي أو الآني أو الصغرى للأفراد والجماعات والمناطق والبلدان. ومن الحاجات التي يجب على التعليم الإجابة عنها : 1- حاجة الحفاظ على هوية الأمة: إن من أهم أولويات التعليم أن يحفظ هوية الأمة ويحافظ عليها، وذاك يتجلى في السعي إلى تربية أفراد الأمة على الدين لتخريج أجيال تأتمر بأمر الله تعالى وتنهج نهج رسول اللهصلى الله عليه وسلم، وبذاك يكون الإنتاج نافعا والبحث العلمي خادما للحاجات، والتعليم منزلا لها. 2- حاجة التعليم لإنتاج البحث العلمي والتقدم التقني: يجب أن يكون التعليم رائدا في البحث العلمي الرصين وذاك في توظيف الطاقات البشرية القوية والنيرة لتحقيق أحلام الأمة، فلا معنى للبحث العلمي الرصين إذا لم يُغْننا عن استيراد التقنية كليا أو جزئيا، أو السعي الحثيث نحوها. للأسف الشديد إن بحثنا العلمي يجيب عن حاجات غيرنا، فكثير من الأبحاث تمول بأموالنا ويشتغل بها طاقات علمية رائدة لصالح جهات أجنبية وذاك في العلوم المادية والإنسانية، ولنمثل لذاك بمثال واحد، فباسم العلم يبحث وينبش في التاريخ لكل ما يشتت الأمة، من اختلاف في اللغة والجغرافيا والتاريخ، ويبعد كل ما يقوي لحمتها ويوحد عناصرها، فانظر إلى بعض المقررات التي تنبش في ما وقع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، ولم تشر من قريب أو بعيد ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم من إخاء بين المهاجرين والأنصار، ولا ما كان منه ولا من صحبه من معجزة نشر دين الله تعالى بسرعة فائقة، ولا ما كان من التجار الذين فتحوا أصقاع المعمورة بأخلاقهم وآدابهم. إن البحث العلمي الذي يجيب عن حاجة الذات منوط به كشف غمة كل ملهوف مهما صغر؛ من مثل حل المشكلات التقنية لكل المهن، فالفلاح مثلا الذي يجد صعوبة في جني التمور والحفاظ عليها وكذلك الزيتون وسائر الفواكه، فالواجب على البحث العلمي في التعليم العالي أن يبتكر ما ييسر به مشكلات التصبير للتمور والجني والجمع للزيتون، فيعفيه من المصروف الباهظ للجني، وقد تكون هناك طرق جديدة للجني تحافظ على الأشجار فتثمر سنويا. والخلاصة فإن التعليم العالي يجب أن يكون رائدا في البحث العلمي الذي يتجاوب مع حاجات الأمة في أمورها الدينية والدنيوية؛ وتتجلى الأمور الدينية في إبداع الطرق والوسائل التي تغرس الأخلاق وتنبت الدين وتحصن الأمة من الضياع والاستلاب… وتتجلى الأمور الدنيوية في تمكين أفراد الأمة وتهيئتهم للإنتاج وذلك بإعداد طاقات بشرية تتسابق إلى الواجب قبل الحق، وإلى العام قبل الخاص، وإلى الإنجاز بإحسان وجودة تفاديا للإنجاز السيئ، ويحتاج هذا إلى مناخ تربوي يرفع فيه العاملون بعلم ويوضع فيه دونهم. 3- الحاجة إلى تنزيل نتائج البحث العلمي: فإذا كان التعليم العالي منوطا به الإبداع بإحسان تبعا لحاجات الأمة فإن التعليم الثانوي والابتدائي منوط به تعميم نتائجه بوسائل مناسبة للمخاطب. فقد نستفيد من البحث العلمي في كيفية تلقين اللغة العربية بطرق سهلة للتلاميذ، وقد نستفيد منه في كيفية تنمية الإبداع عند الأطفال، وقد نستفيد منه في إشاعة نتائج علمية ذات خصوصية لمنطقة ما للحفاظ على ثروات تلك المنطقة، فبرنامج التدريس في مناطق معينة، يجب أن يوظف المعطيات الجغرافية والتاريخية والبشرية في العملية التربوية قصد الإسهام في الإدماج الإيجابي للأفراد في محيطهم الديني والثقافي والاقتصادي. والخلاصة : إن العملية التعليمية الناجحة لها تأثير أفقي وعمودي؛ أفقيا في التأثير والتأثر بالمحيط إذ به تسعى للإجابة عن حاجة الذات عن طريق البحث العلمي الرائد، ويتم إشاعة ذلك من خلاله بمناهج تعليمية ملائمة للمخاطب. وعموديا بالانتقال بالطاقات البشرية إلى مستويات عليا يبنى بها العباد والبلاد.

ذ. عبد اللطيف عباسي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>