الإسوة الحسنة مفتاح البناء


هذه كلمة تستنهض الهمم، وهي نابعة من القلب إلى القلب لتكون ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد. وتتضمن فيما تتضمن حديثا عن مسوغات الأسوة، ودلالتها، وحكمها، ومقتضياتها، ومجالها… فأما مسوغاتها فكثيرة منها: أولا: أن النبي صلى الله عليه وسلم، الرحمة المهداة والأسوة الحسنة، ما عادت له المكانة اللائقة به في قلوب كثير من المؤمنين به، وما عاد إيمانه ويقينه، وصبره وجهاده، وعلمه وعمله… معالم في الطريق إلى الله عز وجل. وحتى الذين يدعون حبه، ويحيون ذكراه أحدثوا عن جهل جملة من البدع والضلالات ما أنزل الله بها من سلطان، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، أو يتقربون بذلك إلى الله زلفى، وما علموا أن من أحدث بدعة فقد أعان على هدم الإسلام {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}(النور :61). ثانيا: الهجمة الشرسة الممنهجة التي يقودها الغرب، ومن يسير على سننه من أبناء جلدتنا من أجل التشكيك في عقيدة الأمة، مرسلا، ورسولا، ورسالة مما يستدعي الوقوف في وجه هذا الزحف، والتنبيه على حقيقة ناصعة هي: {إن الدين عند الله الإسلام}(آل عمران : 19) {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين}(آل عمران 84). ثالثا: أن الشخصية المسلمة ما عادت كما كانت حاملة للأمانة حق الحمل، وخير أمة أخرجت للناس، وأرضا نقية تمسك الماء وتنبت الكلأ والعشب الكثير… اجتالتها الشياطين عن الصراط المستقيم، فأصابها ما أصابها من الدخن، والغثائية، والوهن، والذلة بعد أن أعزها الله عز وجل بالإسلام، فغدت طيرا مقصوص الجناح كما قال الشاعر: أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد تجده كالطير مقصوصا جناحاه. وغدا كثير من المسلمين كما قال الشاعر: “فطن بكل مصيبة في ماله فإذا أصيب بدينه لم يشعر” (المدخل لابن الحاج 2/11). فإلى الله المشتكى {قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله}(يوسف 86) مقالة بليغة حكاها القرآن الكريم عن يعقوب عليه السلام، وأثرت في عمر رضي الله عنه حتى أبكته، ذلك أنه صلى الصبح فلما انتهى إلى قوله تعالى: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} أخذ في البكاء حتى سمع نجيشه من وراء الصفوف. بكى عمر رضي الله عنه وهو يشكو بثه وحزنه إلى الله عز وجل والأمة تائبة، عابدة، حامدة، سائحة، راكعة، ساجدة، آمرة بالمعروف، ناهية عن المنكر، حافظة لحدود الله جل وعلا. فماذا عساها تقول اليوم وهي على هذه الحال من الفرقة والضعف؟! يهدم دينها، وتستباح كرامتها، ويخرب عمرانها… و{إنا لله وإنا إليه راجعون}!! ورغم كل ذلك، فالرجاء في الله عز وجل كبير، والأمل في الرواحل المعقود في نواصيها الخير. وإن الطيور وإن قصصت جناحها تسمو بهمتها إلى الطيران. رابعا: حاجة الشخصية المسلمة إلى إعادة إحيائها وبعثها من جديد وتأسيس بنيانها على تقوى من الله ورضوان {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم، والله لا يهدي القوم الظالمين}التوبة 110) لتستأنف مسيرتها كما بدأت أول مرة. إن مهمة البناء هي أخطر مهمة على وجه الإطلاق، فهي وظيفة الأنبياء والمرسلين والتابعين لهم إلى يوم الدين. وبها لا بغيرها تسمو الشخصية المسلمة وترتقي في : “منازل إياك نعبد وإياك نستعين” يبني الرجال وغيره يبني القرى شتان بين قرى وبين رجال ولذلك قضى الرسول صلى الله عليه وسلم حياته بعد بعثته كلها في بناء المسلم: بناء عقيدته، وأخلاقه، وسلوكه… بناء لا ترى فيه عوجا ولا أمتا، بناء جعل أولئك الصحابة قدوة حسنة، وبتلك القدوة والاستقامة بنيت حضارة الأمة وكان لها وجود في الشارع، ولما تخلت عن بناء القدوة تخلفت وخرجت من التاريخ. فعلى سننه صلى الله عليه وسلم يلزم أن يسير السائرون، ووفق منهجه يجب أن يسلك السالكون.

د. زكرياء المرابط

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *