خواطر من وحي ذكرى مولد الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم


كما يعود فصل الربيع بعد مخاض الفصول، لينشر طيلسانه البديع على الأكوان فتهتز له أعطاف الكائنات وتتنفس الصعداء، تعود ذكرى مولد الرسول  لتهز أعماق أمة الإسلام وتذكي في قلبها الأمل وتجدد صلتها بهذا الرسول العظيم الذي عرفها ربها وخالقها وقادها إلى رحاب الإيمان.

– تعود الذكرى العطرة لتهز النفوس النائمة وتحرك الأجسام الخاملة، لتنتظم من جديد في صف العمل لنصرة هذا الدين، وبعث أمجاد المسلمين، ورفع راية التحدي بكل قوة وشموخ، ضدا على أعداء الإنسانية الذين ابتذلوها ومرغوها في الأوحال.

– تعود الذكرى السنية: ذكرى مولد خير الأنام، لتؤكد للعارفين والجاهلين بأن قدر هذه الأمة هو أن تبقى، فهي تتمنع على الزوال، بأن قدرها هو أن تتجدد باستمرار، لأن تجددها هو مناط استمرار الوجود على هذه الأرض.

– فمولد الرسول الكريم  ميلاد أمة، وإحياء ذكراه إحياء لقيم رفيعة، وبعث لحضارة شامخة، وفي هذا أبلغ جواب لمن يجادلون في شرعية الاحتفاء بمولد هذا الرسول العظيم.

– تعود الذكرى بما تحمله من رموز ضخمة ومعاني جمة، لتلقي في روع هذه الأمة أن رسالة الإسلام هي رسالة كل القيم النبيلة والسامية، من عدل ورحمة وصدق وإخلاص ووفاء، ودفع لعوامل الظلم والطغيان وكل ما يخدش كرامة الإنسان.

– تعود الذكرى لتذكر أمة الإسلام بوظيفة الشهادة على الناس، وأن وضع الاستضعاف الشنيع الذي لصق بها وتتجرع مرارته منذ أمد بعيد، وضع شاذ يتنافى مع موقعها في هذا الكون ورسالتها في هذا الوجود، رسالة الريادة إلى الخير، والقيادة إلى الحق، التي تملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا.

– لقد مرت علينا الذكرى تلو الذكرى،فماذا دهانا حتى غفلنا عن معانيها الكبرى ودلالاتها العميقة. أي داء ينخر عظامنا؟، أية لوثة أصابت عقولنا حتى حولنا الذكرى إلى محطة لممارسة الشعوذة والدجل وطمس معالم التوحيد؟.

– ألم يسمعوا إلى كلماتك المضيئة وهي تجلجل في أعماق الكون، وتزهو بها السماوات العلا؟: >تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك<. ولكنه الهوى عندما يستبد بالنفوس، والران عندما يرين على القلوب، فتزل به الأقدام وتنساق إلى المهالك. ألم ينصتوا إلى ما أبلغتهم من قوله تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان، إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم}(يس : 60).

ولكنه الصمم الذي يولد العناد، والعمى الذي يصحبه الضلال، ويح نفسي ما هذا الارتكاس الذي أصابك يا أمة خير الأنام؟ فرحت تمعنين في الانهزام وتنقضين عرى الإسلام؟

ما هذا الخبال الذي اعترى عقلك فرحت تستجدين صناديق اللئام، وتحت أقدامك نفائس الكنوز والدرر، وفي خزائنك قد انطوت أسرار الحكمة وينابيع العرفان؟!

أي سحر هذا الذي استطاع أن يشل أعصابك؟ أي علة هذه التي نخرت عظامك فأورثتك هذا الكساح الوبيل؟

– ويح نفسي، كيف أمكن لهذه الأمة أن تتيه وتختار طريق التعاسة والهوان، وأن يطيش وزنها بين الأمم وكانت خير الأمم؟!

لقد كنت يا سيدي يا رسول الله تنظر إلى ما وراء حجب الغيب وأنت ترسم لهذه الأمة لوحة قاتمة لا مناص لها من ارتداء لونها الكالح جزاء تفريطها ونكوصها عن منهج الهداية والفلاح: >يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: أومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن.  فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت<(أبو داود باب في تداعي الأمم على الإسلام).

أجل هو هذا الداء الذي نخر العظام، وحطم الأجسام، وجرأ الناس على الحرام.

ألا ما أعظمك يا سيدي يا رسول الله وأنت تؤدي الأمانة وتبلغ رسالة التوحيد الخالدة وتنصح للأمة، لقد أودعتها المنهج وما يحمل من قواعد القوة وأسرار العزة، ولكنها فرطت فكان أمرها فرطا.

– لقد أعطيتها يا سيد الأنام صمام الأمان الذي يحميها من التآكل والانحدار، ويصد عنها غوائل الأخطار: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأضاعته فأصبحت فيما هي فيه من خلل فظيع وضعف مريع، واستمرت في الارتكاس حتى رأت المعروف منكرا والمنكر معروفا، وتمادت في الانحدار، فها هي تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف، فيا له من ضياع يحيق بخير أمة أخرجت للناس…!

– ألا ما أفدحها خسارة هذه التي تكبدتها يا أمة الإسلام -وتكبدتها معك الإنسانية جمعاء- حينما نكصت على عقبيك وأشحت بوجهك عن نور الفلاح يخرج من مشكاة النبوة الخالدة، وانطلقت في شعاب الغواية والضلال، يملأ سمعك نعيق الغربان، فأصبحت رحابك الفيحاء قاعا صفصفا تثير المدامع والأحزان!

– نكصت على عقبيك فغابت من رحابك نعمة الأمان، وعربد الخوف في ثنايا النفوس يجرعها مرارة القلق والشقاء، وأقفرت مرابعك ومحقت بركة الأنفس والأرزاق وتحول الغثاء إلى دماء رخيصة تجري بها الأنهار، وضاعت الأعراض وعاث فيها الأوغاد، وتعكر مجرى الحياة وتكدر جوهرها الأصيل، وعاثت فيه الجراثيم وانتشر الوباء.

وضاعت الأوطان وديست المقدسات من طرف أخبث خلق الله.

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد حصدت هذه الأمة ما أنذرتها به، وحذرتها من مغبته إن هي جانبت السبيل واتبعت السبل.

دعوتها إلى العدل فظلمت وجارت فنال عمرانها الخراب.

ودعوتها إلى التراحم والتعاطف، فتدابرت وقست، فعمها البغض والانتقام.

ودعوتها إلى الوفاء فخانت، ودعوتها إلى الجهاد فقعدت… ودعوتها إلى معالي الأمور فاختارت سفاسف الأمور…

– ولكن قدر هذه الأمة أن تتجدد وتؤوب، فلتكوني يا ذكرى مولد حبيب الله شلالا باردا يغسل هذه الأمة من أدرانها ويحررها من عقدها ويطهرها من أمراضها، ويفيض عليها القوة والجلال ويقدح فيها زناد الغيرة وجذوة الإيمان، فتمسك بالعنان وتقود الإنسانية إلى بر الأمان.

فصلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله في ذكرى مولدك ما تعاقب الحدثان وتاق المؤمنون إلى أعلى الجنان.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *