إطلالة على أحوال الأمة في ذكرى مولد رسولها صلى الله عليه وسلم


مقدمة

نعيش هذه الأيام ذكرى مولد الرسول ، التي تُذكِّرنا بميلاد هذه الأمة ونشأتها واستوائها على سوقها، هذه الأمةُ التي غيَّرَت مجرى التاريخ بقيادة الرسول الأمي، وحققت العدلَ والرحمةَ في المجتمع الذي كان يعاني من الظلمِ  والاستبداد والجور، وأزالتِ الجهل ونشرت العلمَ ورسَّختِ الإيمانَ في نفوس الناس وقضتْ على العصبيات والقوميات، و أنقذت أجيالا من الجاهلية و براثنها، وقادت البشرية نحو العزة والسؤدد، فكانت خير أمة أخرجت للناس، ملكت أزمة القيادة، ونالت درجات الريادة، وضربت للعالم أروع الأمثلة في كل المجالات، هزمت الكفار، وفتحت الأمصار وغرست منهج الله في النفوس ومكنت له في الأرض، فرضيَ الله عن السابقين الأُول الذين نشروا دين الله وعاشوا من أجله وماتوا في سبيله.

يا مولد المصطفى ذكراك تولعنا

بنار شوق إلى لقياك تشتعل

ذكَّرتْنـا ماضيـا نشتـاق عودتــه

وسادةََ َبأديـم النجـم تنـتعـل

إن ذكرى المولد النبوي مناسبة لمراجعة الذات والنظر في واقع الأمة الحالي، واستشراف المستقبل الرسالي لهذا الإنسان التائه الحائر فوق الأرض المنْحَطِّ في درك المتأخرين، وفرصة للتعرف على أدواء الأمة وأمراضها، ومحاولة لإيجاد الأدوية النافعة، والحلول الناجعة للمشكلات التي تتخبط فيها.

يا رسول الله :

ذكراك من عبث الهموم وِجاء

ولمــن ألمَّ بـه الشقـاء وِقـاء

مظاهر الخلل في أحوال الأمة

إذا نظرنا اليوم إلى حال أمة المصطفى نظرة موضوعية واطَّلعنا على واقعها المرير نجد أن هذه الأمة التي كانت في يوم من الأيام رائدة، قد تراجعت إلى الحضيض، استضعفها أعداؤها واستعمروها، ونهبوا كثيرا من خيراتها، واستفادوا من كثير من طاقاتها المادية والبشرية، وأذاقوها ألوانا من العذاب، وأصنافا من الإذايات وألحقوا بها الهزائم وجعلوها في المؤخرة تابعة لا متبوعة، وطائعة لا مُطاعة خاضعة لهم تنَفِّذ مخططاتهم وتعمل بقراراتهم المعادية للإسلام والمسلمين.

إن أمة المصطفى قُصِم ظهرها و تزعزع كيانها يومَ سقطت الخلافة الإسلامية بمقتل الخليفة سيدنا عثمان ] وتحولت الدولة الإسلامية من دولة الشورى والعدل  إلى دولة التسلط والاستبداد والرأي الواحد والملك المنفرد بالقرار المستعبد للرعية، ويوم دخل الاستعمار إلى أراضيها، حيث استنزف خيراتها  ورسم سياستها، وتحكم في مستقبلها واقتصادها وتعليمها وفتَّتَها إلى دويلات قومية متقاطعة ممزقة، ورسم لها حدودا جغرافية وجعلها فتائل يمكن إشعال نار الحروب بها متى شاء، وصنع حكاما عملاء ينوبون عنه في تحقيق أهدافه، وأصبحت بذلك أمتنا لا تملك من أمرها شيئا، تشتت شملها وذهب عزها وتوالت هزائمها وغدت أكلة سائغة لأعدائها كالقصعة يتداعى  ويتنادى عليها الأكلة من كل مكان، كل ينهش مما يليه بصغار اللُّقَم وكبارها، وإلى كل ذلك وغيره أشار الرسول بقوله المعجز: >يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل أو من قلة نحن يومئذ؟، قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزَعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهْن، فقال قائل يا رسول الله وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت<(1).

يا رسول الله:

شعوبك في شرق الأرض وغربها

كأصحاب الكهف في عميق سبات

بأَيْمَانِهِمْ نوران  قرآن  وسـنة

فما بالهم في حالك الظلمات

إننا نحيي ذكرى مولد الرسول بعيون دامعة، وقلوب جريحة وأجنحة كسيرة، وآمال محطمة، ذكرى تحمل معها هموم الإسلام والمسلمين.

إن أمتنا اليوم لا تُحسد عما آلت إليه أوضاعها، تخلَّت عن منهاج ربها الذي ارتضاه لها، أمة مستضعفة تنخر كيانها كل عوامل الهدم والتخريب والتغريب التي ابتكرها أعداء الإسلام تكالب عليها الأعداء في الداخل والخارج، فأزَّموا أوضاعها وضيعوا أبناءها، واستغلوا مواردها المادية والبشرية لمصالحهم الخاصة حتى رُتِّبت في مؤخرة المنهزمين، وسببوا لها في السقوط والهبوط.

أمة اشتغلت بالأمور التافهة تتفرج وتضحك على أحوالها، منهمكة في الشهوات والملذات والمحرمات مما يزيد من تأزم أوضاعها، أمة عاشت زمنا طويلا تحت وطأة الفتنة الداخلية والعدوان الخارجي، وتعيش اليوم تحت كابوس التآمر الأمريكي الصهيوني.

أمة كساها الذل قد غرقت في

حمأة الهــم والأحزان والكــُرب

تحمل الطبل في النكبات راقصة

تستبدل الجد في الأزمات باللعب

وتستجيب لصوت  الشرِّ لاهية

بين القيـان ذوات اللـهو واللعـب

تشخيص رسول الله  لواقع الأمة

فتعال يا رسول الله لتنظر إلى أحوال أمتك البئيسة، وهل يحتاج الرسول   ليطَّلع على أحوالنا؟، وهل نتوقع أن يخفى عليه شيء من أحوال أمته؟ لا، بل لقد أطلعه الله على أحوالها وأهوالها، وما سيبلغ ملكها في الأرض من بعده، وتُعرضُ عليه أعمالنا صباح مساء، كانت خيرا أو شرا، قال الرسول : >حياتي خير لكم تُحدِثون ويَحدُث لكم، ووفاتي خير لكم تُعرَض علي أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله و ما رأيت من شر استغفرت الله لكم<(2)، وقال  : >إني على الحوض حتى أنظر من يرد عليَّ منكم، وسيؤخذ أناس دوني، فأقول يا رب مني ومن أمتي، فيقال: أما شَعَرت ما عملوا بعدك، والله ما برحوا بعدك يرجعون على أعقابهم<(3)، وقال  : >ألا ليُذادَنَّ(4)  رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلُمَّ فيقال: إنهم قد بدَّلوا بعدك، فأقول سحقا سحقا<(5)، ليت شعري كيف القدوم على الله وهو سائلنا عن أمة رسوله كيف ساهمنا في هزيمتها بسكوتنا وتقاعُسِنا؟، وكيف يكون حال أقوام  منا يوم يقفون أمام رسول الله  طمعا في الشرب من حوضه فيطردُهم وقد كانوا في الدنيا يدَّعون أنهم من أتباعه وعلى سنته ودينه، وهم في الحقيقة من جعلوا أمته تتخبط في المشاكل والأزمات، وحوَّلوها من أعالي الدرجات إلى أسفلها،  فكيف يحلو لأمة هذه أوضاعها أن تحتفل بذكرى مولد قائدها الأعظم، وكيف لأمة هجرت القرآن الذي نزل على قلب رسولها وبدَّلت  سنة رسولها بسنن النصارى أن تحتفل بذكرى الرسول .

كيف يطيب  لهذه الأمة أن تحتفل وتفرح ودماؤها تنزف، وحقوق المسلمين منتهكة، والأخطار بها محدقة وقبلتها الأولى مغتصبة، وأمورها بأيدي أعدائها، وهي مستعمرة سياسيا واقتصاديا وثقافيا وهذا أشد من الاستعمار العسكري، فكيف يطيب لها الاحتفال في هذه الظروف؟، ومتى تحتفل الاحتفال الصحيح  وتكتمل فرحتها ؟ وتُكشف كُربتها وتزول نكبتها ؟ وتتحسن أوضاعها وتستقيم أمورها؟، ذلك ما نتمناه ونرجوه من الله، والله خير مأمول وأكرم مسؤول.

< من الخلل إلى الأمل والعمل

إذا كان حالنا كما نرى في واقعنا  بعيدا عمَّا تَرَكَنا عليه الرسول من استقامة وعزة ونصر وتمسك بهديه، فالأمل في الله  كبير، ووُعوده بانتصار أهل الحق كثيرة غزيرة، ومن ذلك قوله تعالى : {وكان حقا علينا نصر المؤمنين}(الروم : 46 )، وقوله جل شأنه: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ويوم يقوم الاشهاد}(غافر  : 51)،  وبشارات الرسول الخاتم بعودة أهل هذا الدين أعزاء منصورين منيرة، وامتلاء الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وعودة الخلافة على منهاجه بعد عصور العض والجبر قال الرسول : >لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة<(6)،  ولقد بشَّر  بأنه سيأتي من يُصلح أوضاع الأمة الفاسدة الكاسدة فقال: > طوبى للغرباء الذين يُصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي<(7)، و قال الشاعر يبشر بقرب النصر:

هَوِّن عليك أخا الإسلام إن لنا

في نصرة الدين نصرا ليس ينحسر

وكفكِفِ الدمع فالإسلام منتصر(8)

مهما طغى الهول أو حفَّت به النذُرُ

وها بوادره لاحـت بشائــرهـا

وصحوة الدين في الأكـوان تنتشـر

وليس أقرب من نصر ومن فرَج

وأقربُ النصر إذ يستفـحل الخـطر(9)

خـــاتـمــة

ألا لا يأس ولا قنوط ولا استسلام ولا انهزام، ولا قعود عن الدعوة لهذا الدين والتبشير بعودة عزه وانتصار المسلمين، لأن أمتنا أمة عظيمة، تمرَض ولا تموت وتنام وتستيقظ، ويتخدر أبناؤها ويصْحُون، جعل الله فيها من يجدد لها دينها وأمرَها قال  : >إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها <(10)، وأمتنا أمة خالدة مباركة، الخير منها ومن أبنائها لا ينقطع إلى يوم القيامة، ونبضُ الروح والحياة لم ولن يموت فيها، قال : > أمتي أمة مباركة لا يُدْرى أولها خير أو آخرها<(11)، ولن يُعدم منها المصلحون والمدافعون عنها إلى آخر عهدها، وإن الدين يبقى مطمورا في الفِطَر ومغروسا في القلوب ومؤصلا في النفوس وسرعان ما يظهر ويزهر ويثمر،  فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا.

———

1- رواه أبو داود في كتاب الملاحم عن ثوبان و أحمد

2- رواه البزار بسند صحيح عن ابن مسعود

3- رواه مسلم عن أسماء الصديقية

4- ليذادن : ليُبعدن

5-  رواه مسلم عن أبي هريرة

6-  رواه  مسلم عن جابر بن عبد الله كتاب الإيمان

7-  رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح

8- كَفْكَفَ الدمع إذا مسحه مرة بعد  مرة لِيَجِفَّ

9- مجلة الوعي الإسلامي ع  451 ص 95

10- رواه أبو داود والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة

11- رواه ابن عساكر عن عمرو بن عثمان بن عفان مرسلا ووثقه الذهبي وحسنه السيوطي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *