الشيخ عبد السلام الهراس ابن شفشاون البار 1


لقد استطاعت جهة الشمال(المغرب) أن تنجب كثيرا من العلماء، والشعراء، والشخصيات الذين عرفوا بحسن الطباع، وكرم النفوس، وقد تمكنت جريدة “الشمال” أن تنفض الغبار عن عدد لا بأس به من أعلام المنطقة.. والشيخ عبد السلام الهراس واحد من هؤلاء الذين تربوا في أحضان الشمال، وقد ظل الشيخ عبد السلام الهراس وفيا، ومخلصا، وبارا بمسقط رأسه شفشاون، ذلك البر الذي يجوز مفهومه الضيق إلى مفهومه الشامل لكل العلاقات الصادقة التي تربط الإنسان بغيره من الأشخاص والأشياء والأحداث، وفي هذه الكلمة لمحات من حياة الشيخ عبد السلام الهراس الابن البار. شفشاون عبق التاريخ استقر رأي أغلب المؤرخين على أن اسم شفشاون مركب من كلمتين:
– الأولى هي”شف” بمعنى أنظر.
-والثانية “إشاون” جمع كلمة “أش” الأمازيغية التي تعني القرن وتطلق في العادة على قمة جبل حادة. وعليه يكون اسم شفشاون “اُنظر إلى القرون”، وبمعنى أدق “أنظر إلى قمم الجبال”(1).
وشفشاون مدينة توجد في شمال المغرب، وهي مركز إقليم شفشاون يحوطها جبلان، تأسست على يد مولاي علي بن راشد سنة1471م لإيواء مسلمي الأندلس بعد طردهم من لدن الإسبان حيث كانت بمثابة قلعة للمجاهدين ضد الاستعمار -خصوصا- للدفاع عن سبتة السليبة، وتحرير أصيلة عندما احتلها البرتغاليون. وتعود فكرة تأسيس شفشاون إلى مولاي عبد السلام بن مشيش (2)، كما شيد الشرفاء العلميون ومنهم مولاي علي بن راشد قلعة سموها “قلعة ترغة”. شفشاون مهوى القلوب الأندلسية في العصور المتأخرة من العصر الوسيط بدأت الهجرة الأندلسية إلى المغرب، وقد احتضنت شفشاون أعدادا هائلة من الأندلسيين الذين أجبروا على الخروج من مدنهم، وقراهم وجازوا البحر إلى العدوة المغربية، ولعل موقعها المتميز هو السبب الذي جعل المهاجرين يحطون رحالهم بها ولا يغادرونها إلى مكان آخر، فهي أقرب منطقة إلى الأندلس، وبلاد “جبالة ” هي أول ربوع المغرب التي يطؤها الأندلسي القادم.
أســـــرته: عرفت قبيلة أنجرة بشفشاون هجرتين أندلسيتين هامتين:
ـ الأولى هي الهجرة الإشبيلية في أواسط القرن السابع الهجري. ـ
والثانية جاءت بعيد سقوط غرناطة عام1422م، تلاهما ورود موجات من الموريسكيين إلى المنطقة. وفي بحث دقيق للباحث الطنجي: رشيد العفاقي “الأندلسيون في بلاد جبالة والهبط” أشار إلى كثير من الأسر الأندلسية التي استوطنت قبيلة “أنجرة “، وهذه الأسر من “إشبيلية”،و”غرناطة”، و”مالقة”، و”الجزيرة الخضراء”. وكانت أسرة الشيخ عبد السلام الهراس من ضمن الأسر التي عدها الباحث الطنجي ومنها: “…حجاج ـ قنجاع ـ النوينوـ البياري ـ الهراس ـ شابوـ بروحوـ أغزيل (ومن علماء هذا البيت الفقيه أحمد بن عبد الكريم أغزيل)..”، كما ذهب آخر إلى أن “عائلة الهراس قد غادرت مقرها بمقاطعة البسيط في الهجرة الأندلسية الثالثة واستقرت بالشمال سنة1502م”(3). وكانت أسرة الهراس تسكن في “حي الأندلس” الذي بني على أساس إيواء الفوج الثاني من المهاجرين الأندلسيين الذين قدموا إلى شفشاون سنة (897هـ / 1492م).
والعلامة عبد السلام الهراس حين يدرس الأدب الأندلسي، يدرسه من حيث إنه يمثل قطعة منه، ومن حياته، ومن دمه، ومن لحمه، فهو أحب تراث الأندلس بالمعنى الواسع. وقد ارتبط اسمه بالدراسات الأندلسية على مدى خمسة عقود زمنية، فكتب مقالات أدبية وفكرية رائدة، وألف كتبا، وقدم محاضرات علمية رصينة، بل اعتنى بتراث الأندلس تحقيقا ودراسة، فهو المحقق المدقق النزيه، والدارس الباحث النبيه، واهتمام الدكتور الهراس بالأدب الأندلسي ينطلق من قناعته بأن هذا الأدب من ناحيته الحضارية تفيد في تجنيب المسلمين كارثة أخرى مستقبلا. وقد كان للشيخ الهراس الفضل في التعريف بتراث ابن الأبار القضاعي البلنسي (595 ـ 658هـ/1198ـ 1260م) وقد أتحف المكتبة العربية الأندلسية بديوان ابن الأبار، إذ ذهب بعض الدارسين إلى أن ابن الأبار لم يخلف ديوانا ؛ ولكن الشيخ الهراس عثر على نسخة وحيدة نادرة وفريدة من هذا الديوان، شكلت القسم الثاني من الأطروحة التي حصل عليها من “جامعة مدريد” سنة 1966م، (وهو ديوان مطبوع بطبعتيه:المغربية، والتونسية). والحقيقة أن الشيخ الهراس قد نفض المكتبة الأندلسية نفضا ـ على حد تعبير النقادة أمجد الطرابلسي ـ وكان وسيبقى أحد شيوخ الدرس الأدبي الأندلسي..أليس معرفة العلماء مدرجة إلى العلم ومراقيه؟ أليس العلماء هم القوم لا يشقى بهم جليسهم؟ أليس العلماء هم منارة هذه الأمة وسراجها؟ أليس من العدل أن ننصف الرجل و نعترف بجهوده الجبارة في خدمة تراثنا العربي الأندلسي الإسلامي؟.وصدق عندليب الكون سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، حين قال:”.. ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه” (أحمد وأبو داود وصححه الألباني). من طفولتة في شفشاون أـ بين آلام الاحتلال الإسباني: ولد عبد السلام الهراس في فترة كانت فيها مدينة شفشاون تئن تحت آلام الاحتلال الاسباني وكان يشاهد الجيش الإسباني صباح مساء يمرح، و يتجول، ويتدرب ويستعرض عضلاته، وقوته أمام أطفال شفشاون، يقول الشيخ الهراس عن مخلفات الاحتلال الاسباني: “ومما لا أنساه أيضا عن طفولتي أننا كنا نعايش مشاهد بشعة للمنازل المدمرة بالقنابل في شفشاون أثناء الاحتلال من لدن الاسبان، وكان منها بيتنا وعلى الرغم من أننا رممناه إلا أن جزءا منه (حوالي ربعه) بقي أطلالا تقريبا، ومن أطرف ما أذكر في هذا الشأن أن شطرا من الغلاف الحديدي للقنبلة التي قصف بها بيتنا بقي عندنا وحولناه إلى مزهرية نضع فيها الزهور والورود والحبق..”(4)، كما يضيف :”..ومن أبشع ما رأيت أيضا في طفولتي، منظر طالب علم من عائلة الأشراف العلميين (نسبة إلى مولاي عبد السلام بن مشيش) وقد أحرقته قنابل الإسبان التي ألقيت على الأشراف بجبل العلم وشوهت رجله ووجهه..”(5). ب ـ نشأة في أحضان الوطنيين: لقد نشأ عبد السلام الهراس منذ نعومة أظافره بين الوطنيين المجاهدين حيث يقول:” لما كان عمري حوالي الخامسة أو السادسة، كان أبي يحرص على أن يجمعني بالعديد من الوطنيين المجاهدين، وكان كلما رأى مجاهدا أو عالما وخصوصا من أبناء الجبل يقدمني له ويسأله أن يدعو لي، وأبي ـ رحمه الله ـ كان له ارتباط قوي بالمجاهدين”.
كما عاصر الأستاذ الهراس في طفولته بداية عمل الحركة الوطنية:” بادر السلفيون مثل علال الفاسي والفقيه الغازي والحاج بوعياد رحمهم الله إلى جمع الناس على قراءة القرآن واتخذوا ذلك وسيلة لبث الوعي في نفوس الناس بوطنيتهم وقوميتهم وانتمائهم الإسلامي كما أنه (خالي) أول من أسس نواة للكتلة الوطنية بشفشاون”(6). من شعره في شفشاون(مسقط الرأس): في مصيف”قب إلياس” بلبنان سنة1955م، تذكر الأستاذ عبد السلام الهراس مسقط رأسه”شفشاون” في شوق، وحنين إلى الأهل والأحباب، “لعل هذا الحنين فيوض في الوجدان الذاتي يقارن ما سلف بما يحدث، فيتبرم من راهنية الراهن مفضلا ماضوية الماضي”(7).
وكان يعيش وقتئذ مأساة فلسطين والشرق، ويشاهد مؤامرات على منبع عزتنا: الإسلام، فأثار كل ذلك في نفسه أشواقا، وأحزانا، وأنشد مخاطبا روحه(8): حطمي القيد بعنف، واذهبي واسكب الشوق على قلب أبي واتركيه جثة هامدة تتلاشى في حنايا السبسب واحملي نحو بلادي عبرتي وانثريها فوق خلد المغرب والثمي الزهر الذي بادلته روعة الحب..بأحلام الصبي رتلي أغنية الشوق على ربوة “الوافي”(9) بلحن اللهب واسبحي في منبع من كوثر اترعي كأس المنى من “مشربي”(10). واكحلي بالنور عينيك فلي ست ترى إلا ظلام الكرب…… هكذا تعتبر شفشاون في شعر الشيخ عبد السلام الهراس رمزا للجهاد والمقاومة، ورمزا للطفولة، فالأستاذ الهراس وهو في لبنان مهاجر في سبيل العلم يخاطب “شفشاون” من خلال شعره، فيقول: أنت حاضرة يا شفشاون في وجداني، حتى وإن كنت بعيدا عنك، فإنني لن أنساك، ولن أنسى أهلك، وتاريخك..فأين ما ذهبت إلا وفي نفسي شيء منك يا شفشاون. وبعد، أليس من حقنا أن نتساءل؟، فنقول(11): فكيف أسلم تاريخي لهرطقة يصوغها قلم بالحقد قد زفرا؟ أليس لي قمم للعلم شامخة ما زال يرنو إليها الغرب منبهرا؟ فكيف أهجر تاريخا له ألق وكيف أطمس جهلا هذه الدررا؟
محمد حماني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)_ عن “جريدة إلكترونية شاملة مستقلة تصدر من تطوان”، من مقال:”موجز عن تاريخ شفشاون” ـ هيئة التحرير.
(2)_ هو العابد عبد السلام بن مشيش(بالميم، وقيل بالباء)،المعروف ب:”إبن جمعة”، تفقه في الدين، وأقام بسبتة يعلم القرآن الكريم، استقر بقرية “الحصن” بجبل ” العلم”(إقليم تطوان) يعبد الله فيه، وهناك تصدى له أحد الفتانين يسمى ـ كما قيل ـ أبا الطواجين الكتامي، فقتله سنة622ه/موافق1225م؛ لأن هذا الأخير كان قد دعا إلى ” شريعة فاسدة “، فجاهده مولاي عبد السلام بن مشيش؛ غير أن أبا الطواجين بعث بجماعة قامت باغتياله بجبل ” العلم “. وقال صاحب ” الياقوتة ” مثنيا على إبن مشيش: عن ابن مشيش قطب دائرة العلى عبيد السلام ذي العلوم الرفيعة إشتهر هذا القطب الناسك المغربي برسالة له تدعى “الصلاة المشيشية” شرحها كثيرون، ولأبي محمد عبد الله بن محمد الوراق رسالة في مناقب ابن مشيش.(إشارة: ترجمنا له من مرجعين مختلفين، وانظر: مرجع آخر” القطب الشهيد سيدي عبد السلام بن مشيش”، تأليف الدكتور عبد الحليم محمود (من شيوخ الأزهر الشريف).
(3)_أطلس مأساة الأندلس (من سنة1483 إلى سنة1609) بمناسبة ذكرى مرور400 سنة على طرد آخر فوج من المسلمين الأندلسيين، الكاتب: محمد ابن عزوز حكيم شفشاون 2009م.
(4)_صحيفة التجديد، بتاريخ :2003/11/03، الكاتب : د.عبد السلام الهراس.
(5)_ نفسه.
(6)_ نفسه.
(7)_ الغربة و الحنين في الشعر الأندلسي، فاطمة طحطح، ص: 7، مطبعة النجاح الجديدة ـ الدار البيضاء.
(8)_من قصيدة ” أشواق وأحزان “، دعوة الحق،ع: 9/10، س:11، ص:89ـ90
(9)_ ربوة سيدي أحمد الوافي مشرفة على شفشاون.
(10)_ يقصد ” رأس الماء ” بنفس المدينة.
(11)_ من ديوان ” سنابل الشهادة ” للشاعر الفلسطيني محمود مفلح، المنشور ضمن العدد 25، من مجلة “المشكاة” (1997) التي يديرها الشاعر والناقد: د.حسن الأمراني، من وجدة بالمغرب


اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

One thought on “الشيخ عبد السلام الهراس ابن شفشاون البار

  • جبالة شمال المغرب

    جبالة شمال المغرب بأكملها من طنجة إلى قبائل صنهاجة و مرنيسة عبق التاريخ و الحضارة..

    من استشهد في سبيل الوطن و جاهد بكل ما أوتي من قوة ، بدمه و روحه و حارب ضد المستعمر عقودا
    من السنين وحارب الظلم وساح في البلاد هم أبناء المجد جبالة صناع مجد الشمال المغربي..

    أجمل تحية لجبالة أبناء عمومتي أينما كنتوا في جميع أنحاء العالم ، أجمل تحية لبسطائها لكبارها لعقلائها و مثقفيها لكم مني أجمل تحية صباحية عطرة مع الفجر الجميل على حلو المعاني و الشوق الأصيل..