التقوى : مفهومها ومنزلتها وأثرها في الاستقامة 2/1


التقوى : مفهومها ومنزلتها وأثرها في الاستقامة 2/1 392

د. لخضر بوعلي

عن أبي ذر جندب بن جنادة، وأبي عبد الرحمن معاذ بِن جبل رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن”(1).

 

قيمة التقوى ومكانتها

هذا الحديث الشريف له قدر عظيم في توجيه سلوك المؤمن ويتضمن ثلاثة عناصر :

– حق الله الكريم وبه البدء وهو وصية بلزوم تقوى الله تعالى

– حق النفس ويتجلى في مداومة تصحيح الأخطاء

– حق العباد ويتجلى في معاملتهم بالخلق الرفيع.

وحُق للتقوى أن تتصدر كل وصية، ومن واجب المؤمن أن يتقبلها بغض النظر عن مصدرها لأنها حق في ذاتها لا تتغير بتغير الزمن والمكان والأحوال ولا يستغني عنها أحد من الخلق كائنا من كان، ولو افترصنا وجود مخلوق بإمكانه الاستغناء عن التنبيه إليها أو التذكير بها أو الأمر بالمداومة والثبات عليها لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن الله تعالى قال له : {يا أيها النبئ اتق الله …}(الأحزاب : 1).

إن تقوى الله تعالى هي خير الزاد قال تعالى : {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى}(البقرة : 196).

والتقوى هي وصية  الله تعالى للأولين والآخرين قال تعالى : {ولقد وصينا الذين أوتواالكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله …}(النساء : 130).

والتقوى هي أيضا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أمته وتأكدت مركزيتها في دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما جعلها وصية الوداع : عن العرباض بن سارية (ض) قال :” وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت لها العيون ووجلت لها القلوب فقلنا كأنها موعظة مودع يا رسول الله فأوصنا قال صلى الله عليه وسلم : “عليكم بتقوى الله والسمع والطاعة))(2).

وهي وصية السلف الصالح بعضهم لبعض : عن الحسن رحمه الله قال : كان بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبين رجل كلام في شيء، فقال له الرجل : اتق الله يا أمير المؤمنين، فقال له رجل من القوم : أتقول لأمير المؤمنين اتق الله، فقال له عمر  رضي الله عنه : دعه فليقلها لي، نِـعْم ما قال . ثم قال عمر : لا خير فيكم إذا لم تقولوها ولا خير فينا إذا لم نقبلها منكم”(3) وروى أبو بكر بن عبد الله الهذلي عن الحسن البصري أن رجلا قال لعمر بن الخطاب : اتق الله يا عمر (وأكثر عليه) فقال له قائل : اسكت فقد أكثرت على أمير المؤمنين . فقال له عمر : دعه، لا خير فيهم إن لم يقولوها لنا، ولا خير فينا إن لم نقبل(4).

فما هذا السر العجيب الذي حظي في الإسلام بهذه المكانة؟

تعريفات للتقوى

لقد وردت تعريفات كثيرة للتقوى وهي مع ما فيها من الحق وما تكتسيه من الأهمية لم تعْدُ كونها محاولات لتقريب المعنى لهذا المفهوم الإسلامي العظيم من ذلك:

– ما ورد عن الإمام علي رضي الله عنه قال : “التقوى هي  الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعدادُ ليوم الرحيل)).

– وعرفها بعضهم بقوله : “تقوى الله هي أن يُـطاع فلا يُـعصى، ويُـذكر فلا يُـنسى، ويُـشكر فلا يُـكفر)).

والحق أن تقوى الله تعالى هي سر بين العبد وربه جل في علاه يجعل للمتقي شعورا مرهفا بمعاني الجمال والجلال التي يتصف بها الباري سبحانه وما دامت هذه الصفات دائمة فإن المتقي يديم التعبير عن الإجلال والتعظيم والطاعة … بدوام عبوديته.

قال الإمام القشيري رحمه الله(5) :”التقوى لجامٌ يكبحك عمَّا لا يجوز، وزمامٌ يقودك إلى ما تحب، سوطٌ يسوقك إلى ما أُمِرْتَ به، شاخصٌ يحملك على القيام بحقِّ الله، حِرْزٌ يعصمك منْ توَصل أعدائك إليك،…

التقوى وسيلةٌ إلى ساحات كَرمه، ذريعةٌ تتوسل بها إلى جوده”(6).

أثر التقوى في استقامة السلوك

على مستوى السلوك  تتجلى تقوى الله تعالى في حمل المتصف بها على فعل الطاعات واجتناب المعاصي وهذه سيرة تعكس انقياد صاحبها لأمر الله والبراءة  مما يمليه عليه هواه. وبتعبير آخر “يحرص المتقي أن يراه الله حيث يحب أن يراه، وحيث لا يحب لا يراه”.

ومن تجليات التقوى أيضا أن المتصف بها لا يقتصر على البيِّـن من حكم الله تعالى بل يتعداه إلى ما ليس به بأس في ذاته ولكن قد يكون ذريعة إلى ما به بأس وهو ما عبر عنه الحديث بالمشتبه في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : >… فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه …))(7).

من فضائل التقوى وفوائدها

وكل عمل إنما يؤمر به لثمرته وكل ثمرة مهما كانت ومهما لذت.. فلا وجه لمقارنتها بثمار التقوى : تيسير وفرج ومخرج وأرزاق من غير احتساب(8)، دوام الخُلّة في الآخرة : {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدوّ إلا المتقين يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون}(الزخرف : 67- 68)، دخول الجنة  : {إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا وكأسا دِهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كِـذّابا جزاء من ربك عطاء حسابا …}(النبأ : 31- 36) وفوق ذلك كله محبة الله الكريم : {إن الله يحب المتقين}(التوبة : 4).

إن النظر إلى ما ذُكر من فوائد التقوى في هذا المقام، وهو غيض من فيض،  يجعل الإنسان يُـسرع بالجزم أن من فاتته التقوى فاته كل شيء ومن حصل التقوى لم يفته أي شيء.

دلالات  الحديث  و مستفادات

إن الرسول الكريم أمر بتقوى الله عز ذكره أمرا مطلقا :”اتق الله حيثما كنت…)) ويمكن أن نستخلص من هذا الإطلاق فوائد منها:

– إن كلمة ” حيثما”  الدالة في أصلها على  المكان،  في هذه الصيغة تغني عن ذكر الزمان لأن ظرفي المكان والزمان متلازمان فلا يكون الإنسان في مكان إلا ظرفه زمان، وعليه فهو أمر بالدوام على تقوى الله جل وعلا، لأن لباس التقوى، خير لباس،  ليس كأي لباس ينزعه الإنسان متى شاء ليعيده متى شاء. وقول الله تعالى : {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون…}(الأعراف : 201) لا يعني أنه ينسلخ من التقوى ثم يعود إليها وإنما دوام التقوى هو الذي ضمن العودة ولولا التقوى لما شعر ولا تذكر ولا أبصر، بل يُستدرج.

– إن كلمة “حيثما” يبدو أنها تتسع  ليس للزمان والمكان فحسب  بل لتشمل المواقع والأحوال لأن الإنسان يتقلب فيها أيضا ولها تأثير على سلوكه …فكم من فقير استغنى بالمال فاستغنى عن التقوى وكم من مسكين مكن له الله تعالى فطغى، وكم من غني افتقر فكفر، وكم من صاحب سلطان عُـزل فذل وزل… إن تقوى الله الجليل أجل من أن تزيلها نعمة زائلة أو تزول بزوال ما هو زائل {قل اللهم مالك الملك توتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير}(آل عمران : 26).

– إن كلمة “حيثما” الدالة على وجوب التزام التقوى مهما تغيرت الأزمنة والأمكنة والأحوال لا تعني العصمة…لأن الأصل في الإنسان أنه يخطئ وينسى ويضعف وتلتبس عليه الأمور فيؤدي ذلك به إلى الوقوع في المحظور، وقد أشار القرآن الكريم في مواضع متعددة إلى وقوع المعاصي من المتقين منها قوله تعالى : {سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والارض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون…}(آل عمران : 133- 135) وفي قوله تعالى : {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما…}(الحجرات : 9). إن الآية الثانية واضحة في دلالتها على أن المؤمنين اشتبه عليهم الحق فكانت، على الاقل، ضحية شبهة وأما الآية الثانية فأن المتقين ظلموا أنفسهم وظلم النفس أوسع لأنه تعدٍّ لحدود الله : {ومن يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه}(الطلاق : 1)، وهذا هو السر في الجمع بين الأمر بالتزام التقوى والأمر بإتباع السيئة الحسنة .

قال صلى الله عليه وسلم : “… وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن)).

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

-يتبع-

———

1- رواه الترمذي وقال: حديث حسن .

2- هذا الحديث رواه  البخاري في أول كتاب الاعتصام بالسنة عن عبد الرحمن بن عمرو وثور بن يزيد .

3- قال ابن الجوزي في “مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ” ص 155 :

4- هذه القصة ذكرها أبو يوسف القاضي في كتابه ” الخراج ” ص 12

5- أبو القاسم، عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة بن محمد القشيري، عالم بالفقه والتفسير والحديث والأصول والأدب والتصوف.

6- لطائف الإشارات للقشيري.

7- رواه مسلم عن النعمان بن بشير.

8- الإشارة إلى مجموعة من النصوص القرآنية من سورة الطلاق.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *