عيد الـمدرسة: أي دلالة؟ وأي واقع؟


ذ. محمد الـمـرنيسي

 رحم الله أبا الطيب المتنبي الذي استهل داليته المشهورة متسائلا:

عيد بأية حال عدت ياعيد     ***     بما مضى أم بأمر فيك تجديد

ولم يكن في عهده -رحمه الله- غير عيدين، وأعيادنا اليوم -ولله الحمد- تتناسل وتتكاثر، متعددة المشارب عميقة المآرب،منها الثقيل القاهر، ومنها الخفيف العابر، منها ما هو عام ممدود، ومنها ما هو خاص محدود.وعيدنا من الصنف الأول.يرهق كاهل الآباء الذين يتحملون تكاليف الحقيبة،وحامل الحقيبة، ويرهق كاهل الأبناء وخاصة الصغار الذين يحملون مرغمين ما لا يطيقون.

فما هو توقيت هذا العيد السعيد؟وما مصدر تسميته ؟وما هي مظاهر الاحتفال به؟

انطلاقا من المادة  109 الخاصة بتدبير الوقت من الميثاق الوطني للتربية والتكوين التي تنص في بعض فقراتها على مايأتي:

– تبدأ السنة الدراسية، في التعليم الأولي والابتدائي والإعدادي والثانوي يوم الأربعاء الثاني من شهر شتنبر، و بالنسبة لتعليم ما بعد البكالوريا في 15 شتنبر على أبعد تقدير.

– يعد يوم افتتاح المدرسة يوم عيد يطلق عليه اسم “عيد المدرسة”. وينبغي لرؤساء المؤسسات والمدرسين والأسر والمتعلمين، وشركاء المدرسة من الأوساط الاقتصادية والإدارية والاجتماعية أن يعملوا على إنجاح الاحتفال به وإبراز معانيه .

–   يتميز يوم افتتاح المدرسة لأبوابها في كل مكان بما يلي :

> استقبال المتعلمين وأسرهم؛

> الاطلاع عبر ملصق بارز على الجدول السنوي الذي يحدد سلفا أوقات التعليم وتواريخ الامتحانات، والأنشطة الموازية والخرجات الاستكشافية، ومدد العطل بما فيها أيام العطل الرسمية إضافة إلى كل معلومة مفيدة.

> الزيارة المنظمة لأقسام المدرسة ومرافقها في شكل مجموعات مصغرة تقدم لها جميع التفسيرات الضرورية.

>  توزيع استعمالات الزمن وتقديم المدرسين والمؤطرين لتلامذتهم داخل كل قسم .

>  التوقيع على الالتزامات الخلقية والسلوكية المقررة في القسم الأول من هذا الميثاق وتسليم الوثائق المتعلقة بها بصورة رسمية وعلنية.

هكذا يحدد الميثاق الوطني للتربية والتكوين تاريخ ومناسبة ومظاهر الاحتفال بيوم عيد المدرسة.

ويحق لنا أن نتساءل عن هذا العيد الذي يجهله كثير من آباء التلاميذ وأوليائهم وخاصة في العالم القروي هل يتحقق فيه ما سطر من مهام،وما اختير له من أهداف؟

وسوف أقتصر في هذا الموضوع على مسألة تدبير الوقت والجدول الزمني المشار إليه في المادة المذكورة أعلاه.

فبالنسبة للدخول المدرسي ألا توجد مؤسسات لم يلتحق بها الكثير من المدرسين والمدرسات في التعليم العام  في مختلف مراحله وأخرى لم تنته بعد من عمليات التسجيل وإعادتها؟ وأخرى لما تتضح بنيتها المدرسية بعد. كما أن التلاميذ يبدون غير مستعدين لانطلاق الدراسة في هذا التوقيت، أو لأعذار أخرى، ولذلك يؤجلون حضورهم إلى بداية الأسبوع الموالي،أو الذي بعده.

وبالنسبة لنهاية الموسم الدراسي ألا نلاحظ أن كثيرا من المؤسسات في الحواضر والبوادي على السواء  تنهي الموسم قبل موعده بأيام؟! فمع إنجاز آخر فروض المراقبة المستمرة في الدورة الثانية  تختفي أنشطة التدريس،ولا تكاد تجد في المؤسسات غير الإداريين وبعض الزوار.

ألا نلاحظ أن الوقت يهدر دمه قبل العطل وبعدها،وخاصة في المؤسسات ذات النظام الداخلي،ومن النادر الشاذ أن يستمر التدريس بانتظام إلى آخر حصة قبل عطلة ما؟! وقد يساهم بعض المسؤولين في هذا الهدر بطريقة أو باخرى؛إذ يرفض بعض المدرسين مثلا  أن ينجزوا دروسهم في غياب أكثر تلاميذ القسم.

في بعض مناطق  العالم القروي نجد كثيرا من آباء وأولياء التلاميذ يشتكون من غياب بعض المدرسين والمدرسات  في بداية الموسم الدراسي وأثناءه، ولا يستمع أحد إلى شكواهم، ولا يلتفت إلى مطالبهم، وفي نهاية السنة ينتقل الجميع إلى المستوى الموالي، وهكذا يستمر السير الدراسي إلى السنوات الإشهادية التي يكثر فيها الضحايا، فمنهم من يغادر المدرسة للانخراط في الشغل، ومنهم من يواصل مثقل الخطوات، مترددا حائرا لا يرى في الأفق ما يشجع على متابعة المسير، ولا يرى في واقعه ما يدعو للتوقف والانصراف. والنتائج المحصل عليها في مختلف المراحل تؤكد ضعف مستوى المتعلمين هناك، وخاصة عند انتقالهم للمؤسسات الحضرية  واحتكاكهم بتلامذتها.

إن احترام الوقت والحرص على الحضور في مختلف المهام المنوطة برجال ونساء التربية والتكوين أمر لا يمكن التساهل فيه؛لأنه العمود الفقري في النظام التربوي،ولا يمكن إنجاز المطلوب بالشكل المرغوب فيه إلا في الوقت الذي عين له.والذين يمارسون المهام التربوية على اختلاف مجالاتها يدركون مدى صعوبة إنجاز العاجل والمؤجل في نفس الوقت.

إن  احترام الوقت لا يعني الحضور الجسدي فقط للمعني بالأمر،سواء كان تلميذا أو مدرسا أو إداريا إنما يعني القصد السليم،والإخلاص في المهمة، والحرص على تحقيق الهدف المنشود، ولا يتحقق ذلك إلا لمن يقدر مسؤوليته، ويدرك موقعه في العملية التربوية المعقدة.

بهذا المفهوم في التدبير نعطي النموذج المثالي للآخرين ليحسنوا سلوكهم،وينظموا حياتهم،وتلك مهمة تحتاج إلى إرادة وعزم وتقدير لقيمة الزمن الذي يعتبر أغلى شيء في الوجود لطلاب الدنيا والآخرة على السواء.

المشكلة عندنا في نظامنا التعليمي هي البعد الشاسع بين التنظير والواقع،بين المسطور والمنظور.فالذي يقرأ رزنامة التشريعات والتقارير والإحصائيات والمشاريع يرى أننا نسير في الاتجاه السليم، ولكن من يتابع عمليا ويعيش في واقع المؤسسات ومحيطها يقتنع بأننا لم نعد نمتلك الزمام،فالمركب تتقاذفه الأمواج، ولا يدري أحد أين ومتى يرسو ويستقر؟!

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *