شرح الأربعين الأدبية(20)


في أن الشعر بمنزلة الكلام

 روى الإمام البخاري ((عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الشعر بمنزلة الكلام: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام))(1).

مدار الحديث النبوي الشريف على خمسة أمور: الشعر، والكلام، والعلاقة بينهما، والحسن والقبح، وتلك الأمور مرجعها في النهاية إلى ثلاثة: الكلام، وأنواعه، وصفاته..

ولما كان الكلام قد أفرد بكتاب، وخُص بحديثين (9، 10)، فإننا سنكتفي هنا بما له علاقة بالشعر.

وأول ما يُلاحظ في النص أن الموضوع المركزي للحديث النبوي الشريف هو الموقف مِن الشعر، وهَذا يُسعفنا في تصنيف هذا الحديث ضمن أحاديث المرحلة المدنية؛ لأن الأمر هنا يَتعلق بحكم الشعر، والمرحلة المذكورة هي مرحلة الأحكام.

وأمر آخر له علاقة بتلك الملاحظة هي أن الشعر صار أمرا ملحا إلى درجة أنه اقتضى جوابا نبويا، ولا يمكن أن يكون الأمر كذلك إلا إذا كانت هناك أسباب، وقد يكون منها عاملان قويان:

أولهما كثرة الشعراء بالمدينة المنورة (حسان بن ثابث، وعبدالله بن رواحة، وكعب بن مالك…).

وثانيهما دخول الشعر المعركةَ بين الكفر والإيمان، ولاسيما بعد انتصار المسلمين في معركة بدر، وما أحدثته الهزيمة من صدمة لدى مشركي مكة.

لكل ذلك يمكننا أن نقول بكل اطمئنان: إن حديث الباب من الأحاديث التي ارتبطت أسباب ورودها بدور الشعر في الحياة الجديدة للمسلمين بالمدينة المنورة، ثم بالقتال بين المسلمين والمشركين.

هذا عن السياق العام الذي ورد فيه الحديث، وأما نصه فيلاحظ أنه من قسمين:

أولهما قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الشعر بمنزلة الكلام)).

وثانيهما قوله صلى الله عليه وسلم: ((حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام)).

أما القسم الأول ففيه أربعة أمور:

أولها أن الموضوع هو الشعر، وتقديمه دال عليه، ومنه يُفهم أن الحديث ورد في صيغة فتوى وجواب عن نازلة، وأن موضوع النازلة أو السؤال أو طلب الفتوى هو: ما حُكْم الشعر؟

وثانيها أن الأصل هو الكلام، وأن الشعر فرع من فروعه، أو نوع من أنواعه.

وثالثها أن العلاقة بين الشعر والكلام علاقة فرع بأصل، وجزء بكل، وخاص بعام.

ورابعها أن الحديث عبَّر عن طبيعة تلك العلاقة بالمنزلة، ومنه يُفهم أن الأمر يتعلق بإثارة انتباه السائل/المخاطب إلى تبعية الشعر للكلام في الحكم بحكم العلاقة التي تجمعهما.

ومن تلك الأمور الأربعة يظهر أن ما يَسري على الكلام يَسري على الشعر، وأنه إنما ربطه بالكلام؛ لأن أمْره أظْهر وأبْيَن، وأنه مما يَعلمه الخاص والعام، والشاعر وغير الشاعر.

وأما القسم الثاني من الحديث النبوي وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام)) فيُفهم منه:

أن الكلام قسمان: حسن وقبيح.

وأن الشعر لما كان بمنزلة الكلام صار -هو أيضا- قسمين: حسنا وقبيحا.

وأن حسن الشعر شبيه بحسن الكلام، وقبيح الشعر شبيه بقبيح الكلام.

والموقف من الشعر بناء على الحديث النبوي شبيه بالموقف من الكلام، إذ لا يمكن فيهما التعبير عن موقف حاسم قبل المعاينة، ولذلك كان الجواب عاما، وهو أن حسنهما حسن، وقبيحهما قبيح.

وكون الحسن والقبح في النص عامين يفيد أنهما يشملان المعنى والمبنى، ولا يكون الشعر -مثلا- حسنا إلا إذا كان حسنهما، كما لا يكون قبيحا إلا إذا كان قبيحهما.

بقيت مسألة، إذ ثمة سؤال يواجهنا هنا هو: ما عيار الحسن والقبح في الشعر؟

والجواب أن القول المطلق للرسول صلى الله عليه وسلم  عن الحسن والقبح يُفيد أمرين اثنين:

أولهما أن عيار الحسن والقبح في المعنى مَرده إلى الشرع.

والآخر أن عيار الحسن والقبح في المبنى مَرده إلى العُرف.

وعلة ذلك أن الرسولصلى الله عليه وسلم  يَتحدث عَن حَسَن الشعر وقبيحه باعتباره أولا رسولا، وثانيا عربيا نشأ في بيئة علمها الأول والأهَم هو الشعر، ولذلك فالشرع يؤطر المعنى، وأعراف الشعر تؤطر المبنى، فلا يكون الشعر حسن المعنى إلا إذا كان مُخلّقا بأخلاق الشرع، ولا يكون حسن المبنى إلا إذا كان مراعيا لعناصر الحسن المتعارف عليها في مجال الشعر.

———

(1)- صحيح الأدب المفرد(حديث رقم 664/865)، باب الشعر حسن… وقد رواه الهيثمي في مجمع الزائد(8/122) وقال: ((إسناده حسن))، وأورده الألباني في (صحيح الأدب المفرد، م.س) وقال: ((صحيح لغيره))، وعلق عليه في (الصحيحة، حديث رقم 447) بقوله: ((وهذا إسناد حسن رجاله ثقات… فالحديث بمجموع الطريقين صحيح)).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>