مفاتيح إصلاح المجتمع ومجالاته :(2)


مـفـتـاحـا الـعـدل والعـبـادة

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه))(1).

إن هذه الصفات كلها شرُفت باختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ليكون المتصفون بها من أهل الكرامة عند الله، وأنهم في حمى الرحمن من الحرور الذي يعاني منه الناس في يوم النشور، غير أن تقديم رسول الله صلى الله عليه وسلم للإمام العادل على بقية المكرمين ينبغي أن يُلحظ لأن من أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقدم ما حقه التأخير أو يؤخر ما حقه التقديم. وتقديم الإمام العادل على غيره، وإن كانوا مشاركين له في الفضل يوم القيامة، لأنه -بعدله- من موقعه، ضامن لوجود ما بعده، وكأنه الأصل وما بعده أثر له.

إن العدل ليس الشيء الوحيد الذي يلزم توفره في الإمام، بل ينبغي أن يكون تقيّاً، صادقا، رحيما، حريصا على المؤمنين ومصالحهم…وذكر العدل ها هنا هو ذكر اختصاص لأن الصفة الضامنة لحقوق المجتمع هي العدل، وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه بالذهاب إلى الحبشة عندما اضطهدوا بمكة المكرمة ومنعوا من أداء شعائر الإسلام وعلل رسول الله صلى الله عليه وسلم اختياره للحبشة بقوله: ((…فإن بها ملكاً لا يظلم عنده الناس…))(2) وقد وجد الصحابة المهاجرون الفارون بدينهم في ضيافة هذا الملك فضاء يتسع لهم ولغيرهم.

إن العدل عندما يكون سلوكاً في الإمام بما يمثله من سلطة تعلو على الجميع يُشعر المظلوم بالقوة ويُشعر الظالم بالضعف وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في خطبة تولّيه الخلافة بعد انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملأ الأعلى : ((…القويّ فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم قويّ عندي حتى أرد إليه الحق…))(3) ولا شك أن كلمات أبي بكر كانت في غاية الدقة : فقد ذكر القوة والضعف دون غيرها من الصفات والمقصود القوة التي تحمل صاحبها على الاعتداء على الناس فتتوجه إليه قوة الإمام وسلطانه فتضعفه حتى يعدل عن ظلم الآخرين، والمقصود بالضعف الصفة التي تُغري الظالم بصاحبها فتحمله على الاعتداء عليه وعلى حقوقه فتقف قوة السلطان إلى جانبه فيتقوى بها فيستعيد حقوقه وكرامته التي سُلبت منه ظلما. وهذا من مقوِّمات وركائز المجتمع المسلم : قال الشيخ الغزالي رحمه الله : “إن الوقوف مع المظلوم مهما هان والوقوف ضدالظالم  مهما عزّ مبدأ أصيل من مبادئ الإسلام”(4).

إن الإمام إذا بسط على الرعية رداء العدل أصبح الناس آمنين على أنفسهم وأهليهم وأموالهم… وذلك شرط من شروط التنمية والازدهار، قال أحد الأمراء لأحد الحكماء : “عظني” فقال له : “…واعلم أنه لا حكم بدون علم  ولا علم بدون رجال ولا رجال بدون مال ولا مال بدون عمل ولا عمل بدون عدل : فالعدل أساس الحكم”.

إن الإسلام كما جاء به الرسل الكرام جميعا عليهم السلام يقوم على التوحيد قال تعالى: {وما أرسلنا قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} (الأنبياء : 25) فالتوحيد هو جوهر الدين والإشراك عكسه وهو ظلم عظيم، ومن هنا تظهر مرة أخرى أفضلية العدل على غيره من وجوه البر والخير كإشارة إلى أن الإسلام إنما جاء ليبسط العدل قبل أي شيء آخر، عدل يتجلى في المساواة بين الناس في الواجبات والحقوق، فالذمم تملؤها الواجبات والزيادةعليها تمنعها الحُرمات وهذا من أجلّ وأبرز تجليات العدل.

إن عدل الإمام، وإن كان عليه من الأجر ما عليه مما ذكر  الله تعالى في وحيه ليس مما يفعله الإمام باختياره وإنما الأجر فيه لصعوبته ولما تتحقق به من المصالح وما يُدفع به من المفاسد.

إن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة..))(5) يشير إلى أن الإمام يجمع الله تعالى به الكلمة، وهو مقصد ينبغي أن نسترخص في سبيله كل غال.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ((من رأى من أميره ما يكرهه فليصبر فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية))(6)..

من هذه الحديث يظهر أن الإمام إن لم يكن عدلا فإن الرعية تقع بين مطرقة ظلمه وسندان خطر سوء الخاتمة والعياذ بالله  تعالى وعليه فليس للإمام خيار بين أن يعدل أو يجور.

ثم إن الإمام إذا عدل في رعيته فإنهم يحرصون عليه ويعرضون عليه الإمارة فيعينه الله تعالى عليها لقوله صلى الله عليه وسلم : ((…لا تسأل الإمارة فإنك إن أُعطيتها عن مسألة وُكِّلت إليها وإن أُعطيتها عن غير مسألة أُعِنت عليها.))(7).

وإن الذي يعدل في الإمامة يجد فيها من المتاعب ما يزهده فيها، بينما الذي يجور فيها ويستغلها لمصالحه الخاصة ومصالح أقربائه يشتد حرصه عليها فيندم على ذلك يوم القيامة قال صلى الله عليه وسلم : ((…إنكم ستحرصون  على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة فنعم المرضعة وبئست الفاطمة))(8).

إن الإمامة وتولي شؤون الرعية ليس فيها حياد، فإما أن يحسن فيها ويتقي الله تعالى ويأخذها بحقها ويؤدي الذي عليه فيها فيكون له من الأجر والثواب ما تضافرت وتظاهرت بذكره النصوص وإما أن يجور فيها ولا يتقي الله في رعيته ويشق عليهم فيتحمل من الأوزار والآثام ما تظاهرت بذكره النصوص أيضا قال صلى الله عليه وسلم: ((…ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا حرم الله عليه الجنة.))(9).

إن الإمام ليكون عدلا بين رعيته يحتاج إلى قواعد اجتماعية أهم مكوناتها أصحاب الصفات الستة المذكورة في هذا الحديث:

قال صلى الله عليه وسلم : ((إنما أنا بشر مثلكم وإنكم تحتكمون إليّ ولعل بعضكم أن يكون ألحن في حجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه إنما هي قطعة من نار))(10) واللحن في الحجة لا يغير الحقيقة ولكن يجعلها تظهر أقوى من حجة الخصم وإن كانت في حقيقتها أضعف منها. وقد قرر علماؤنا أن حكم الحاكم لا يُحِلّ حراما ولا يحرم حلالاً.

إن الإمام العدل لا يكفي أن يكون هو عدلا في نفسه ويكون مُحِبا للعدل، ولا يخاف في الله لومة لائم في إقامة العدل…لأن الإمام والقاضي وكل من يحكم بين الناس يستند في أوقات كثيرة إلى شهادات غيره، إن القاعدة التي لا يخطئها من حكم بين الناس هي “البيِّنة على من ادعى واليمين على من أنكر ” ومن أبرز البينات:

– الشهود ولذلك وردت نصوص كثيرة من الوحي الشريف تحث على إقامة الشهادة لله تعالى أمرا وتنويها وتوضيحا وتأكيدا وتحذيرا…

– أمراً قال تعالى: {…وأقيموا الشهادة لله…}(الطلاق : 2):

– تنويها في جانبه الإيجابي قال تعالى : {والذين هم بشهادتهم قائمون}(المعارج : 33) وفي جانبها السلبي قال تعالى : {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما}(الفرقان : 72).

– توضيحا قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً}(النساء : 134) وقال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله كان بما تعملون خبيرا}(المائدة : 9).

– تحذيرا قال الله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه…}(البقرة : 282).

– ومما يُضاف إلى الشهود اليوم الخبراء الذين يقدمون خبرات في مجالات تخصصاتهم المختلفة والتي يستند إليها القاضي في البتّ في الخصومات كخبرة الطبيب الذي يغيّـر  نسبة العجز أو ينكرها حسب ما تقتضيه رغبات المتحاكمين وكذا خبرة المهندسين والمحاسبين وأهل الصنائع والمهن وغيرهم…

– ويدخل في هذا الشأن  محررو المحاضر ممن يعاينون مواضع النزاع ومسارح الجرائم ويحررون تقارير تكون في الأصل هم الحكم…

لا شك أن الإمام يحتاج إلى المجتمع الذي يقيم فيه العدل وفي المقابل ينبغي أن يفرض الرقابة على هؤلاء وعلى عملهم ليكون على درجة عالية من المهنية والدقة والنزاهة ولتكون تقاريرهم ومحاضرهم صالحة لانبناء الأحكام العادلة عليها.

إن في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إمام عادل…)) إشارة إلى أن العدل هي مسالة مجتمع وأن المجتمع إذا أحب العدل أقامه في نفسه ومهد بشهادته للإمام ليفرضه على من شذ من قومه. والإمام هو الذي يبسط العدل ويجعله ثقافة ودينا وسلوكا وخلقا.

قال صلى الله عليه وسلم : ((…وشاب نشأ في عبادة الله…)),

إن مكانة الشاب العابد وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم له مباشرة بعد ذكر الإمام العادل تنويه بالشباب وناهيك به من سيد الخلق. والأسباب في ذلك كثيرة منها:

– أن الشباب المطيع لله تعالى هو سبب من أسباب أحبية المجتمع إلى الله تعالى قال سبحانه : ((أحب ثلاثا وحبي لثلاثة أشد… أحب الغني الكريم وحبي للفقير الكريم أشد، وأحب الفقير المتواضع وحبي للغني المتواضع أشد، وأحب الشيخ المطيع وحبي للشاب المطيع أشد…)).

– لأن فترة الشباب هي فترة قوة بين ضعفين قال تعالى : {الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة…}(الروم : 53) وفيها يبلي الإنسان أعظم البلاء سواء في الخير أو في الشر ولذلك جاء التعبير النبوي بالتنصيص على البلاء فيما يتعلق بفترة الشباب قال صلى الله عليه وسلم : ((لن تزول قدما ابن آدم من عند ربه يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به))(11).

– لأن الشباب المؤمن حجة على أقرانه لأن فترة الشباب فترة اندفاع، وللشباب نظرة للحياة يغلب عليها طول الأمل الذي ينسي الموت وتغلب عليه الصحة والعافية… وكأن كثيرا من الناس يرون هذه فترة لهو ولعب واستمتاع بلذات الحياة، تليها فترة الشيخوخة التي هي فترة مراجعة وتوبة واستعداد للآخرة ذلك بأن فترة الشيخوخة هي فترة مرض وضعف وقلة اهتمام بلذات الحياة… وعليه عندما نجد الشباب ينظر إلى الآخرة فإننا نستبشر لأن الشباب الصالح لا ينبغي أن نتصوره جالسا في زوايا الشوارع بل هو الشباب الواقف على الثغور في الإدارة والتعليم والصحة والتجارة والقضاء وغيرها من المواقع  التي تصلح بصلاحه.

– وقد نوّه القرآن الكريم بالشباب فذكر أصحاب الكهف بقوله تعالى: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى…}(الكهف : 13)  وذكر إبراهيم عليه السلام وهو يغار على التوحيد ويروغ على الآلهة المزعومة ضربا بالحديد : {قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم}(الأنبياء : 60)  وذكر يوسف عليه السلام في عفافه وطهره وقوته وأمانته : {قال اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ علي}(يوسف : 55) وذكر من قوم موسى عليه السلام الشباب الذين تحدوا الخوف من فرعون على خلاف الشيوخ قال تعالى : {فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم…}(يونس : 83)…

– والملاحظ أن النبي صلى اللهعليه وسلم قال : ((…وشاب نشأ في عبادة الله…)) ولم يقل شاب متدين لأن التعبير بعبادة الله دقيق لأنها لا تكون إلا بالتدين الصحيح أما التدين بإطلاق فقد لا يكون طاعة لله تعالى أصلاً.

– لكن ما العلاقة بين الإمام العادل والشباب الصالح؟ الجواب، في تقديري والله تعالى أعلم، أن الإمام إذا كان جائرا فإن الشباب قد يلجأ إلى التدين ليس حبا في الدين وإيمانا به وتطبيقا لأحكامه وسعيا إلى مرضاة الله ولكن قد يلجا إليه للتعبير عن المعاكسة والمشاكسة والمعاندة والتمرد على الحاكم الجائر، وكأن الدين، وقتئذ، يكون مرتبطا بالعداوة للظلم وأهله وليس اقتناعا بفعل ما يجب فعله.أما الإمام العادل فإنه يوفر للناس العدل ويضمن لهم الحقوق ويهيئ لهم السكينة… وهي أجواء تشترطها نشأة الأفكار الصحيحة…

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

—-

1- متفق عليه

2-الرحيق المختوم لتقي الرحمن المباركفوري  “الهجرة إلى الحبشة”

3-  سيرة ابن هشام 240/4 وعيون الأخبار لابن قتيبة 234/2.

4- فقه السيرة الشيخ محمد الغزالي  : حلف الفضول.

5- البخاري كتاب الأحكام  عن أنس بن مالك.

6- البخاري كتاب الأحكام عن عبد الله بن عباس.

7- البخاري كتاب الأحكام عن عبد الرحمن بن سمرة.

8- البخاري كتاب الأحكام  باب ما يكره من الحرص على الإمارة عن أبي هريرة.

9- البخاري كتاب الأحكام عن عبيد لاالله.

10- الإمام البخاري كتاب المظالم عن عبد الله بن مسعود

11- أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة.

 

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *