“القراءة” : ذلك الركن الـمُضَيع(الأخيرة)


لقد أضاعت المجتمعات العربية وكذا العديد من المجتمعات الإسلامية ما كان سائدا عند السلف إلى عهد ليس ببعيد، حيث كان الإقبال على القراءة والتعلم أمرا معهودا. ومما هو وارد في بعض الوثائق أنه عند الاحتلال الفرنسي للجزائر كانت نسبة الأمية لا تتجاوز 5% فقط حسب تقدير الفرنسيين سنة 1830.

يقول الرحالة الألماني “فيلهلم شيمبرا” حين زار الجزائر في دجنبر 1831: “لقد بحثتُ قصداً عن شخص واحد في الجزائر يجهل القراءة والكتابة، غير أني لم أعثر عليه، في حين أني وجدت ذلك في بلدان جنوب أوروبا، فقلما يصادف المرء هناك من يستطيع القراءة من بين أفراد الشعب”.

وإذا كان هذا في الجزائر فلا يستبعد أن يكون مثله في المغرب، أرض جامع القرووين، وفي غيره من بلدان العالم الإسلامي، كما سيتبين من خلال الفقرات التالية.

ولقد رأينا فيالعدد السابق جوانب من مظاهر إعمال القراءة عند السلف، وسنحاول في هذا المقال إلقاء نظرات أخرى على بعض مظاهر إعمال القراءة عندهم أيضا:

1 – كثرة الدكاكين الخاصة بالوراقين :

كان الدور الرئيسي لهذه الدكاكين هو بيع الكتب التي يؤلفها العلماء والكتاب، بعد نسخها من قبل الوراقين، وهي دكاكين كانت تنسب إلى الوراقين أنفسهم، فيقال “دكاكين الوراقين”، حيث إنه مع انتشار مجالس الإملاء ونمو حرفة الوراقة، وإقبال الناس على العلوم، كان العلماء والمؤلفون يملون على الوراقين ما كتبوه وصنفوه، فازدهرت صناعة الوراقة، وعمَّ النقل والنسخ، وكثرت هذه الدكاكين، إلى درجة أنه كان في بغداد عاصمة الخلافة العباسية، خلال القرن الثالث الهجري، سوق كبيرة للوراقين، كان بها أكثر من مئة حانوت للوراقة، وكان أصحابها ينسخون الكتب ويصححونها ويجلدونها ويبيعونها للناس، فتنتشر في كافة الأقطار. وذكر اليعقوبي (ت278هـ) أنه كان في عصره أكثر من مئة وراق في بغداد، بينهم علماء مجيدون. ولم تكن هذه الحوانيت مجرد أمكنة للنسخ والتجليد بل كانت مكانا إن لم نقل مكتبات لطلاب العلم يقرأون فيها الكتب، كما كانت أيضا مجالس للشعراء والعلماء، وملتقى للطبقات المثقفة. ولقد ذُكر في سيرة العديد من العلماء أنهم كانوا في مرحلة الطلب، يكترون هذه الدكاكين ويبيتون فيها للنظر. وبذلك يمكن القول: إن هذه الدكاكين كانت مركزاً للنشاط العقلي، ومستودعاً لما أنتجته الثقافة الإسلامية في مختلف صنوف المعرفة، ومصدراً من مصادر انتشارها.ولقد انتشرت هذه الدكاكين مع مرور الزمن، حتى أصبح في كل حاضرة إسلامية سوق يحمل اسم الوراقين، أو ما يرادف هذا الاسم.

2 –  كثرة العلماء المُملين.

كان من عادة العلماء الإملاء على طلبتهم ما يتعلق بالعلوم المُدرَّسة. ولقد كانت العادة في الإملاء أن يملي العالم في حلقة العلم بالمسجد أو في منزله، لكن مع ازدياد رغبة الناس في الاستماع والكتابة، ضاقت حلقات المساجد ومنازل العلماء المملين عن استيعاب الأعداد الغفيرة التي تؤم مجالسهم، فانتقلت مجالس هؤلاء العلماء خارج المساجد والجوامع والدور، لتنتشر في ما جاورها من الأزقة والأحياء، ويروى أن ابن الجعابي(1) (ت 355) حين يجلس للإملاء، كانت تمتلئ السكة التي يملي فيها والطريق. ويروى أيضاً أن جعفر القريابي (ت 301) حين قدم إلى بغداد، استقبل بحفاوة بالغة، وحضر مجلسه نحو ثلاثين ألفاً، وربما بلغ عدد الحضور نيفاً ومائة ألف.

وقد يستغرب الإنسان في العصر الحاضر هذا العدد الضخم من الجمهور، كيف يصل صوت العالم المحدث المُمْلي إلى السامعين الكاتبين دون أن يكون له في ذلك الوقت مكبرات صوت. ولقد كان الحل فيما عُرف ب  “المستملين”، الذين كانوا يتلقون كلام المملي ثم ينقلونه إلى الجمهور برفع الأصوات، ولقد كان عددهم يزيد بحسب ازدياد المستعمين وانتشار الحلقات وبعد المسافات، فقد كان للقاضي المحاملي(2) أربعة مستملين، منهم يوسف بن عمر القواس، وكان لأبي مسلم الكجي(3) سبعة مستملين، وبلغ عدد الكتاب الذين كانوا يكتبون عنه ما يملي في مجلسه نيفاً وأربعين ألفاً، يقول الخطيب البغدادي: لَمَّا قدم علينا أبو مسلم الكجي أملى الحديث في رحبة (غسان)، وكان في مجلسه سبعة مستملين يبلغ كل واحدٍ منهم صاحبه الذي يليه، وكتب الناس عنه قيامًا بأيديهم المحابر، ثم مسحت الرحبة، وحسب من  حضر بمحبرة فبلغ ذلك نيَّفًا وأربعين ألف محبرة سوى النظارة، وحضر مجلس أبي الحسن عاصم بن علي الواسطي(4) أكثر من مئة ألف، وذُكر أن الفرّاء(5) حين قعد للإملاء، ازدحم الناس على مجالسه، وغصت بالقضاة والعلماء، وكان ممن اجتمع لإملاء كتابه “المعاني” ثمانون قاضياً، وروي أن الخليفة كان يحضر هو الآخر مجالس الإملاء.

ومن هذه المجالس أيضامجلس الإمام الحافظ الثبت القاضي أبي بكر جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض، الفريابي، ولد سنة سبع ومائتين، كان في مجلسه من أصحاب المحابر من يكتب حدود عشرة  آلاف إنسان، قال أبو أحمد بن عدي: كنا نشهد مجلس جعفر، وفيه عشرة آلاف أو أكثر، وكان الواحد يحتاج أن يبيت في المجلس، ليجد مع الغد موضعًا، مات رحمه الله ليلة الأربعاء في  محرَّم، وهو ابن أربع وتسعين سنة.

ولم يكن هذا الأمر قاصرا على المشرق دون المغرب، فلقد انتشرت مجالس الإملاء في الحواضر الإسلامية كلها، ومما يدل على ذلك ما ذكره ابن بسام في (الذخيرة)، حيث قال : إن لهذه المجالس الشرقية مثيلا في الآندلس، منها مجلس الفقيه أبي مروان عبد الملك الطيبي(6)، ومجلس أبي علي القالي وغيرهما.

3 – من حصاد هذه المجالس:

أ- غزارة الإنتاج :

من ذلك ما روي عن أبي الوفاء ابن عقيل(7) أنه ألف كتابه “الفنون” في فنون الإسلام من فقه وتوحيد وتاريخ وسير وتفسير، في أربعمائة مجلد وقيل بل ثمانمائة مجلد.

يقول الإمام بن جرير الطبري مكثت أربعين عاماً أؤلف في اليوم 40 صفحة. ويروى أنه أملى على تلامذته كتاب التاريخ في ثلاثة آلاف صفحة من ذاكرته، وبعدها أملى عليهم تفسير كتاب الله في ثلاثة ألاف صفحة

ب – تعليم المكفوفين:

مما هو معروف ومتداول في زمننا الحاضر أن أول من اخترع طريقة  تعلم المكفوفين هو الفرنسي “لويس بريل” (1809ـ 1852)، وهي طريقة تنسب إليه. إلا أن هذا الابتكار لم يكن وليد زمانه، فلقد كان معروفا عند أسلافنا في الأندلس على الأقل. ولقد ذكر ابن حزم رحمه الله كيف كان الناس في الأندلس يعلمون المكفوفين، يقول: “ولقد أخبرني مُؤَدبي أحمدُ بن محـمد بن  عبد الوارث ـ رحمه الله ــ أن أباه صور لمولود كان له أعمى وُلــد أكمـه -أي أعمى- حروف الهجاء أجراماً من قير (زفت) ثم ألمسه إياها حتى وقف على صورها بعقله وحســه، ثم ألمسه تراكيبها وقيام الأشياء منها حتى تشكل الخط، وكيف يستبان الكتاب، ويقرأ في نفســه، ورفع بذلك عنه غمة عظيمــة”.

—————

-1 أبو بكر محمد بن عمر الجعابي، قاضي الموصل، ولد في صفر سنة 284، كان حافظاً مكثراً، يقال: إنه كان يحفظ أربعمائة ألف حديث بأسانيدها ومتونها، ويذاكر بستمائة ألف حديث ويحفظ من المراسيل والمقاطيع والحكايات قريباً من ذلك، ويحفظ أسماء الرجال وجرحهم وتعديلهم، وأوقات وفياتهم ومذاهبهم، حتى تقدم على أهل زمانه، وفاق سائر أقرانه.

2-هو القاضي الإمام العلامة المحدث الثقة مسند الوقت أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل بن محمد البغدادي المحاملي، مصنف السنن، ولد في أول سنة خمس وثلاثين ومائتين .  كان فاضلا دينا , شهد عند القضاة , وله عشرون سنة , وولي قضاء الكوفة ستين سنة .

3-أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله البصري الكجي , صاحب “السنن”، كان عالما بالحديث وطرقه, عالي الإسناد. مات رحمه ببغداد في سابع المحرم, سنة 292.

4-علي بن عاصم بن صُهيب الواسطي. قال عن نفسه: دفع إلي أبي مئة ألف درهم، وقال: اذهب فلا أرى لك وجها إلا بمائة ألف حديث. وقال يحيى بن جعفر: كان يجتمع عند علي بن عاصم أكثر من ثلاثين ألفا، وكان يجلس على سطح، وله ثلاثة مُسْتَمْلين. توفى سنة 201، رحمه الله تعالى.

5-أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الأسدي النحوي. عن ثمامة بن شرس : رأيت الفراء ، ففاتشته عن اللغة ، فوجدته بحرا ، وعن النحو فشاهدته نسيج وحده ، وعن الفقه فوجدته عارفا باختلاف القوم ، وبالطب خبيرا ، وبأيام العرب والشعر والنجوم.  ومقدار ما ألفه ثلاثة آلاف ورقة. توفي رحمه الله سنة 207.

6-الحسين بن محمد بن عبد الله الطيبي ، كان ذا ثروة من الإرث والتجارة فلم يزل ينفق ذلك في وجوه الخيرات إلى أن كان في آخر عمره فقيراً. كان كريماً متواضعاً شديد الحب لله ورسوله كثير الحياء، ملازماً لأشغال الطلبة في العلوم الإسلامية بغير طمع، بل يعينهم ويكرمهم، ويعير الكتب النفيسة لأهل بلده وغيرهم من أهل البلدان ممن يعرف ومن لا يعرف.

7-أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري ، الإمام العلامة البحر ولد سنة 431.  كان يتوقد ذكاء ، وكان بحر معارف، وكنز فضائل، لم يكن له في زمانه نظير وجمع في كتابه “الفنون” ، كل ما كان يجري له مع الفضلاء والتلامذة ، وما يسنح له من الدقائق والغوامض، وما يسمعه من العجائب والحوادث. قال ابن الجَوْزِيّ : قرأت بخطّ ابن عَقِيْلِ : إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري ، فإذا تعطّل لساني من مذاكرة ومناظرة ، وبصري من مُطَالَعَةٍ ، عملت في حال فراشي وأنا مضطجعٌ ، فلا أنهض إلا وقد يحصل لي ما أسطره ، وإني لأجد من حرصي على العلم في عشر الثمانين ، أشد مما كنت وأنا ابن عشرين .

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *