من حقوق الطريق في الإسلام(*)


maredi
ذ. عبد المجيد المرضي (**)

minbar

الخطبة الأولى

….وبعد:
فإن الإسلام قد نظم حياة الناس من خلال التشريعات والأحكام التي جاء بها ومن خلال منهجه ودعوته المعينين على ضبط سير حركة الحياة وانضباط أفراد المجتمع الإسلامي بتوجيهاته وإرشاداته، لأن الحياة في الإسلام حياة منضبطة، ومن جملة ما تناوله التشريع الإسلامي آداب وسلوكيات الطريق، فلا بد إذن من معرفة هدي الإسلام وتوجيهه في هذا المجال الذي يبدو هينا لكن أمره خطير وعظيم، نعم، أمر الطريق وكيفية السير عليها والآداب التي ينبغي للمسلم الالتزام بها هو أمر في غاية الأهمية، لأنه يتعلق بمرفق عام، والمطلوب من المسلم أن يحترم آداب هذا المرفق.

ذلكم لأن الإسلام أعطى لكل شيء حقه، وأمر المسلمين أن يؤدوا تلك الحقوق، ومن بينها حق الطريق.

هناك صور عديدة نراها: لها علاقة بهذا الموضوع فهذا شخص يلقي النفايات والقاذورات في قارعة الطريق، وتلك امرأة تسكب الماء المستعمل من نافذتها على المارة، وآخر يعاكس النساء والفتيات دون حشمة وحياء، ودون مراعاة للآداب العامة، وآخرون يتخذون الأرصفة مكانا للبيع والشراء وقطع الطريق، وتلك امرأة أخرى تخرج في لباس فاتن يغري الرجال ويدعوهم إلى الفاحشة، وسائق طائش يقود سيارته بسرعة جنونية قاتلة، إلى غير ذلك من الصور السلبية التي أصبحنا نتعايش معها كل يوم.

ولقد وضع الإسلام قواعد عظيمة ليسير المسلمون عليها ويلتزموا بتطبيقها والعمل بمقتضاها تجنبا للحياة الفوضوية، ومن بين هذه القواعد أنه لا يجوز للمسلم أن يؤذي أخاه المسلم بأي نوع من أنواع الإيذاء، فقد قضى التشريع الإسلامي بذلك كتابا وسنة، قال تعالى: {والذين يؤذون المومنين والمومنات… }، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “يا معشر من أسلم بلسانه ولم يُفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم”(رواه الترمذي).

كما علمنا الإسلام كيف نصون حرمة الآخرين في الطرقات والشوارع، فقال صلى الله عليه وسلم: “إياكم والجلوس في الطرقات”، فقالوا : يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، فقال صلى الله عليه وسلم: ((إذا أبيتم إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقه))، قالوا : وما حقه يا رسول الله؟ قال: ((غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))(رواه البخاري). وزاد مسلم رحمه الله في صحيحه، وحسن الكلام.

إن المسلمين اليوم مطالبون بالعودة إلى التأدب بهذه الآداب الإسلامية الرائعة، والناس في حاجة حقيقية إلى هذه الآداب والتوجيهات، فهذا الحديث الشريف يضع بين أيدينا هذه الآداب فيجب أن نراعيها في طرقاتنا، إذ أن الطريق هي المرفق العام الذي يجمع جميع شرائح المجتمع، وهو ضرورة لا غنى لأحد عنه، ولذلك لا حق لأحد تملكه أو استغلاله لمصلحته أو العبث فيه أو خدش الحياء العام بسلوك أو موقف لا يحترم الآداب العامة، فالمسلم يمشي في الطريق قصدا دون تبختر أو اختيال لا يتكبر، ولا يدافع ولا يضايق الناس، قال تعالى على لسان لقمان موصيا ابنه: {ولا تصاعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا…} ويقول أيضا: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا…}.

ومما أوجبه الإسلام على المسلم غض البصر أثناء وجوده في الطرقات، فلا ينظر إلى حرمات الناس وعوراتهم قال تعالى: {قل للمومنين يغضوا من ابصارهم…} وفي الآية الكريمة إشارة إلى أنه لا يجوز خدش الحياء العام في الطريق فعلى كل من المسلم والمسلمة أن يراعي ذلك فلا يجوز للمسلمة أن تفتن الناس بلباس يكشف سترها ويظهر عوراتها، أو إثارتهم برائحة تفوح منها قال تعالى:  {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}.

كما ينبغي للمسلم أن يكف الأذى عن الطريق، وذلك بعدم إلقاء الأوساخ والقاذورات وفضلات الأطمعة، وبعدم التخلي في طريق الناس أو في مكان يجلسون فيه، لما في ذلك من الإذاية العامة والخاصة، عن حذيفة بن أسيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم”(رواه الإمام الطبراني وقال: حديث حسن صحيح)، والحديث عام في كل إذاية فعلية أو قولية، عامة أو خاصة، مادية أو معنوية، وقال صلى الله عليه وسلم: : ((اتقوا اللاعنين، قالوا وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: “الذي يتخلى في طريق الناس وظلهم))(رواه مسلم).

فيجب على المسلم أن يحرص كل الحرص على تجنب الإذاية بكل أشكالها وأنواعها جاء في الحديث الشريف عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا مر أحدكم في مجلس أو سوق وفي يده نبل فلا يخدش به مسلما”(رواه مسلم)، ففي إذاية الناس جلب للآثام والذنوب وتضييع للأجر والثواب وإسهام في نشر الأخلاق السيئة حتى قال صلى الله عليه وسلم: “إن من ضيق منزلا أو قطع طريقا فلا جهاد له”(رواه أبو داود)، فالأصل في المسلم أن يميط الأذى عن الطريق لا أن يضع الأذى فيه فإن رأى حجرا أو نفاية أو أي شيء مما يتأذى منه الناس فعليه إماطته وإزالته وله الأجر العظيم عند الله، بل قد يكفر عنه سيئاته ويغفر له بسبب فعل شيء من ذلك.

قال صلى الله عليه وسلم: “نزع رجل لم يعمل خيرا قط غصن شوك عن الطريق إما كان في شجرة فنزعه وألقاه وإما كان موضوعا فأماطه فشكر الله له فأدخله الجنة”(رواه أبو داود).

هذا أيها المسلمون بعض مما جاء به التشريع الإسلامي، ودعا إليه وحث الناس على الالتزام به فلنستجب لهذه المبادئ الربانية والتوجيهات النبوية علنا نسعد بها في هذه الحياة، وفي الأخرى إن شاء الله تعالى، جعلني الله وإياكم ممن يستعمون القول فيتبعون أحسنه، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه والحمد لله رب العالمين …

الخطبة الثانية

….وبعد:

فإن المسلم إنما يتميز عن غيره بأخلاقه وآدابه فينبغي ألا يصدر منه سلوك شاذ مناف للأخلاق والمبادئ التي يؤمن بها ويحملها، فانتسابه للإسلام يجعله قدوة ومثالا للآخرين فعليه أن يتحلى بمكارم الأخلاق وفضائلها ومحاسنها، وهو يسير في الطريق العام ومن الظواهر السلبية الشائعة المتعلقة بالطريق التي تكشف بعد المسلمين عن دينهم وعن الأخلاق التي دعا إليها، ما نعيشه ونشاهده من سلوكات طائشة تدل على انعدام تأثر كثير من أفراد المجتمع  بهذه الأخلاق الإسلامية، فأينما ذهبت ووليت وجهك تجد ما يؤلمك، وتسمع ما لا يعجبك من السباب والشتم والعبارات النابية من الراجلين والسائقين على حد سواء، من الرجال والنساء من الكبار والصغار، قال صلى الله عليه وسلم: ((ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان، ولا الفاحش ولا البذيء))(رواه الترمذي).

كل هذه الأخلاق السيئة سببها انعدام أو ضعف الوازع الديني وغياب التربية الإيمانية وتنميتها في النفوس والأفئدة، فمن تربى على مراقبة الله تعالى في سره وعلانيته فلا يفعل ولا يقول ولا يتقدم ولا يتأخر إلا بتوجيه من الإيمان والدين، قال تعالى {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}.

——-

(*) خطبة ألقيت في اللقاء التواصلي لخطباء الجمعة بمدينة فاس بتاريخ 20 ربيع الثاني 1434هـ- 2013/03/03م.

(**) إمام وخطيب مسجد القرويين بفاس.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *