مفاتيح إصلاح المجتمع ومجالاته


عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه”(1).

في هذا الحديث الشريف يذكر الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم سبعة أصناف(2) من السابقين إلى رضوان الله تعالى. وقد ذكرهم الحبيب صلى الله عليه وسلم بمزية يختصون بها  وبشارة يبشرون بها وهي أن الله تعالى يقربهم إليه ويدنيهم منه حتى يكونوا آمنين مطمئنين في ظل عرشه يوم يقف الناس في عرصات القيامة  ويشتد بهم الهول والكرب وتدنو الشمس من رؤوسهم فيلجمهم العرق على تفاوت بينهم.

وهذا العدد  لا يقصد به الرقم المحصور بين الستة والثمانية، فقد وردت روايات أخرى تبين أن هناك من يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، غير هؤلاء المذكورين في الحديث

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم بظلي يوم لا ظل إلا ظلي)).

وقال صلى الله عليه وسلم: ((من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله))(3).

وقد وردت أحاديث كثيرة تذكر أصنافا ممن يظلهم الله تعالى في ظله يوم القيامة منهم الغازي في سبيل الله تعالى، ومن جهز الغازي أو خلفه في أهله بخير، ومن أنظر المعسر إلى الميسرة، ومن تصدق عليه أي وضع عنه الديْن كلاً أو بعضاً، ومن أدى عن الغارم دينه وأراحه وخلصه من غريمه، ومن أعان المكاتب على كتابه فأدى  لسيده ما بقي عليه من ثمن المكاتبة أو بعض ذلك، والتاجر الصدوق في تجارته وغيرهم… وهؤلاء جمعوا في هذين البيتين:

إظلال غاز وعونه

إنظار ذي عسر وتخفيف حمله

وإرفاد ذي غرم وعون مكاتب

وتاجر صدق في المقال وفعله

 

واكتفاء النبي صلى الله عليه وسلم بذكر هؤلاء فيه بعض الإشارات الرائعة التي يمكن أن نجملها فيما يلي:

-لاشتماله على أصول الطاعات فقد جمع بين الطاعات البدنية والطاعات المالية، وجمع بين أعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال الجوارح، وجمع بين الأعمال التي يقتصر نفعها على فاعلها والأعمال التي يتعدى نفعها للآخرين وغيرها مما حواه هذا الحديث الشريف.

– تعددت الأعمال الصالحة التي تؤهل صاحبها، وتجعله ممن يحظى بالرضا الإلهي والقرب منه، والحماية من أهوال يوم القيامة، وتنوعت هذه الأعمال ليجد كل مؤمن عملا يناسبه، فلو كان صنفا واحدا لتعذر على كثير من الناس ولكن اختلافها وتنوعها جعلها تتناسب مع كل المدارك والمؤهلات، وهذا مظهر من مظاهر الرحمة الإلهية. ويمكن للإنسان أن يجمع كل هذه الخصال أو أكثرها فيكون مقدما على المظللين بظل عرش الرحمن جل ذكره، أي أن هؤلاء السبعة المذكورين في الحديث الشريف وغيرهم ليسوا على درجة واحدة كما جاء حديث أبواب الجنة وأن كل باب تُفتح لأصحاب عمل معيّن لا يدخل منها غيرهم وأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه سبق في هذه الأعمال كلها فيدخل من أي أبواب الجنة الثمانية شاء.

-إن هذا الحديث يضع منهجا متكاملا للبناء الاجتماعي ويرسم خارطة طريق لكل المهتمين بقضايا المجتمع حيث يذكر مقومات المجتمع المسلم الذي يصلح أن يكون نموذجا لكل المجتمعات كما يرسم الأهداف التي ينبغي أن يضعها المصلحون نصب أعينهم. فبإمكاننا أن نتصور:

– مجتمعا يسود فيه العدل : يعدل الإمام في رعيته كما يعدل كل من تولى شأناً عاماً  أو خاصا من شؤون الناس من القضاة والمسؤولين والآباء والأزواج…

– مجتمع شبابه مؤمن طائع يسخر كل طاقاته وكل أوقاته في طاعة الله جل شأنه…

– مجتمع تحظى فيه بيوت الله تعالى بالعناية الخاصة والمكانة الخاصة إيجادا وإمدادا  وعمارة، يملؤها الناس بأجسادهم فتمتلئ قلوبهم بميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يُـوزَّع فيها، فإن غادروها  بأجسادهم فقد علقوا بها قلوبهم…

–  مجتمع تُـبنى فيه العلاقات على أساس الحب في الله تعالى الخاص من كل الشوائب، علاقة تدوم بدوام الله التي اجتمعت عليه ولا تزول بزوال الدنيا وما يتعلق بها من متاع… علاقة ربانية  يباركها الله تعالى لأنه لا يُـراد بها إلا وجهه الكريم فلا تزيد مع الأيام إلا صفاء ومتانة وطمأنينة.. علاقة لا ترتبط بالأطماع فتسفر مع الأيام عن ضروب من الغدر والخيانة  فيفقد معها الإنسان الثقة فلا يشعر بالأمن ولا بالأمان…

– مجتمع عفيف طاهر، الفرد فيه دائم الطهر حريص عليه، لا يفرط فيه مهما كانت الإغراءات ولو عرضت عليه ومهما كانت مما تميل إليه النفس من الحسن والجمال ومن المنصب والجاه والمال، لأن خوفه من الله الجليل يمنع من ذلك…

– مجتمع يسوده الكرم والجود، أهله كرماء يجودون على المحتاج بالمال ويحفظون له كرامته لأنهم يعرفون قيمة الكرامة وتفاهة المال، فلا يعطونه متاعا قليلا ويهدرون منهم أعز ما يملكون فيُـبدلونهم بذلك “الذي هو أدنى بالذي هو خير”…

–  مجتمع يذكر فيه الله تعالى في الخلوات فتفيض العبرات، يذكر في السر فينشأ السر، سر يودعه الله تعالى في القلب فلا تطلع عليه الشياطين ولا يكتبه أحد ولو من الملائكة المقربين…

لا يمكن أن يكون كل أفراد المجتمع على هذه الشاكلة ولكنه مجتمع داخل مجتمع، إنه صفوة المجتمع وخلاصته.

-هذا الحديث يحمل المؤمنين على احترام الآخرين، كما يحمل على إحسان الظن بالمسلمين، فليس من الضروري أن نرى في الأمة الصلاح لنؤمن بوجوده فيها لأن كثيرا من الأعمال الصالحة الواردة في هذا الحديث لا يعلم بها إلا علام الغيوب سبحانه.

-إذا كان هناك من يعربد ويجاهر بالمعاصي ويتبجح بها، فإن هناك في المقابل من يأتي أعمالا حبيبة إلى الرحمن ولا يُـطلع عليها أحدا من الخلق. وإذا كان في المجتمع فجار يقومون بأعمال منكرة تُـغضب الرحمن فيهُـمّ بإنزال العقوبة على الجميع، فإن هناك عبادا  صالحين إلى جانبهم يقومون بأعمال تطفئ غضب الرحمن فيعمهم برحمته.

-هذه الأعمال الجليلة التي ورد ذكرها في الحديث على اختلافها تجمعها الأمور التالية:

– الصبر والمجاهدة كما هو الشأن بالنسبة للإمام العادل الذي يجاهد الظلم والظالمين  والنفس التي تنظر إلى الأقوياء فتخاف منهم وترهب، وتنظر إلى الأحباب والأغنياء  فتطمع فيهم وترغب، ومثله الشاب الذي يجاهد نفسه وشهواته الجامحة ويجاهد دعوات أقرانه إلى ما يأتون من المعاصي، وصبر الرجل الذي يتصدق بالصدقة فيجاهد نفسه التي تحب أن يراها الناس وقد فعلت ما تحمد عليه، وصبر الرجل الذي دعته المرأة الحسناء الحسيبة وعرضت عليه نفسها ومجاهدته لنفسه التي تميل إلى فتنة هي أضر الفتن في أصلها ينضاف إليها الجمال والمنصب فتصبح لا تطاق ولا تقاوم إلا ممن صدق في خشيته لله تعالى وامتلأ بها قلبه.

– الإخلاص لله تعالى الذي يظهر في جميع هذه الأعمال وإن كان ظهوره في الرجل الذي تعلق قلبه بالمساجد والرجلين الذين تحابا في الله تعالى  والرجل الذي أخفى صدقته فلم يسمح لأحد بالاطلاع عليها والرجل الذي ذكر الله تعالى في الخلأ  فبكى من خشيته.

> في الحديث الشريف وردت لفظة “الرجل” خمس مرات ووردت لفظة الشاب ولفظة الإمام وهذا يوهم بأن الفضل المتعلق بهذه الأعمال خاص بالذكور وهذا غير صحيح، لأننا إذا استثنينا الإمامة العظمى، التي يختص بتقلدها الرجال، فإن كل الأعمال الأخرى مشتركة بين الجنسين ذلك بان لفظ “الرجل”، في استعمال الوحي بشقيه القرآن الكريم والحديث الشريف، إذا أطلق فإنه يراد به الذكر والأنثى كما في قوله تعالى : {…لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المتطهرين}(التوبة : 109) وقوله تعالى : {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدوّ والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة…}(النور : 36)  وكذلك معظم العبارات النبوية التي جاء فيها قوله صلى الله عليه وسلم : “أيما رجل…” ولا يدل لفظ “الرجل” على الذكر إلا إذا كان في العبارة ما يدل على تخصيصه بالذكر دون الأنثى كما في قوله تعالى : {…فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}(البقرة : 281). ولولا هذا لما صح أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : “ألحقوا الفرائض بأصحابها فما فضل لأولى رجل ذكر ” لأن لفظ الرجل لو دل على الذكر دون المرأة لما كان من داع إلى تقييده بكونه ذكرا.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

يتبع بإذن الله تعالى.

—–

1- متفق عليه

2- هؤلاء ليسوا أفرادا بل أصناف أي من كل صنف ستوجد أعداد كبيرة.

3- رواه الإمام  مسلم في صحيحه  من حديث أبي اليسر مرفوعا.

 

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *