رسالات الهدى الـمنهاجي في سورة “الذاريات”(4) من صفات الـمتقين


قال الله جلت حكمته : {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون وفي أموالهم حق للسائل والمحروم}

 الهجوع : نوم الليل خاصة(1). وقد روى الإمام الطبري بسنده عن الحسن البصري رحمهما الله كلمات في تفسير هذه الآية، قال :”كابدوا قيام الليل، لا ينامون من الليل إلا أقله ثم مدوا في

الصلاة ونشطوا، حتى كان الاستغفار بسحر”(2)، وروى أيضا عن التابعي الكبير الأحنف بن قيس(3) رحمه الله ورضي عنه أنه كان يقرؤها فيقول متحسرا : “لستُ من أهل هذه الآية”(4) كذلك كان الصحابة والتابعون رضوان الله عنهم يجتهدون ويجتهدون، فإذا نظروا إلى معارج الآيات ومنازلها، لم يروا أنفسهم أنهم صنعوا شيئا وهم الركع السجد كما وصفهم القرآن، الخشع الخضع، لكنهم مع ذلك لوامون لأنفسهم، مستصغرون لها، بكاؤون أواهون قد كوى الخوف جنوبهم فهجروا المضاجع فزعا، وانتصبوا بين يدي ربهم يجأرون إليه بطلب الجوار وألطاف الأمان كما قال في السجدة : {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون}(السجدة : 16). ذلك سر قلة نومهم، وما كان لمن سكنه الخوف أن يجد للنوم سبيلا، إلا قليلا. قال صلى الله عليه وسلم : “من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة(5).

وما أجل سبحات الاستغفار بالأسحار، حيث يسكن الليل ويهجع كل شيء، فلا يبقى إلا الله الواحد القهار.. تلك نزهة الروح في خلوات الوصال، وتمتعها العميق بمناجاة الرحمن. والاستغفار بالسحر قد يراد به معناه الظاهر، من ترديد عبارات الاستغفار، وطلب المغفرة من الله، والترنم  بأدعية التوبة إليه تعالى، وقد يراد به صلاة التهجد في ثلث الليل الآخر، الموافق لوقت السحر، وكأن في ذلك تنبيها على أهمية الاستغفار في السجود والركوع عند الأسحار، كما تواترت به الآيات والأخبار.

ومن أجل الأحاديث الصحيحة في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال  صلى الله عليه وسلم : “ينزل ربنا – تبارك وتعالى – كل ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول : من يدعوني فأستجيب له؟ ومن يسألني فأعطينه؟ ومن يستغفرني فأغفر له”(6)، والمقصود بالدعاء والاستغفار إنما هو أثناء صلاة الليل وخلالها، كما بينه حديث جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من خاف أن لا يقوم من أخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر أخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل”(7)، وفي رواية أخرى لمسلم  “فإن قراءة آخر الليل محضورة”، وكلاهما بمعنى واحد.

كذلك حالهم مع الله، وأما حالهم مع خلق الله فهو مراعاة أهل الحقوق، والتصرف فيما رزقهم الله من أموال، على قاعدة أن : “المال مال الله، والبشر مستخلفون فيه”، فيؤدون لله حقه، كلما جاءهم ساعيه، من سائل أو محروم، قال تعالى : {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم}. وحق الله متبوع في كتاب الله بحق عباده، لأن ذلك من حقه. تماما كما ارتبط إقام الصلاة بإيتاء الزكاة في الإسلام. ولا يصح دين عبد ولا يستقيم حتى يعبد الله بجوارحه وماله، ويرعى حقوق الله وحقوق عباده.

والسائل هنا هو : الفقير الناطق بحاجته، المعبر عن فقره بالمسألة والتكفف. وأما المحروم فهو : الفقير المتعفف، الذي لا يسأل الناس إلحافاً، رغم حاجته وفقره، فلا يُعطَى الصدقة، لظن الناس أنه غير محتاج، بما أخفى من حاله. على ما قال الله  عز وجل في سورة البقرة : {يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافا}(البقرة : 273). وهو ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : “ليس المسكين الذي يطوف على الناس، ترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يُفطَن فيُتصَدق عليه، ولا يقوم فيَسأل الناس”(8).

وحقيقة المحروم أنه : من سأل الناس فمنعوه وحرموه لكن ذلك غير مقصود هنا. وإنما سمي محروما باعتبار مآل حاله، إذ يُتصدق على غيره ممن ظهرت حاجته بنطقه وسؤاله، لكنه هو يُغفل عنه ويُنسى، بسبب خفاء حاله وصمته فيُحرَم ما كان يمكن أن يُعطى. ويجوز أن يشمل وصف “المحروم” أيضا، كل من فقد ماله بسبب جائحة، أو مصيبة أتت على كل ماله، حتى صار إلى الفقر، فكان بذلك محروما.

فأصحاب مقام الإحسان يعطون السائل، ويتحسسون هم بأنفسهم من أهل الحرمان، ويبحثون عن الصابرين على ما ابتلاهم الله به من الفقر، فيطرقون عليهم الأبواب في خفية عن الناس، ويؤدون لهم حق الله الذي جعل لهم، يواسونهم بالمال والاحتضان والعطف والسلام.

وقد قصر بعض المفسرين معنى “حق” في هذه الآية، على الزكاة المفروضة فقط، وبعضهم صرفه إلى صدقة التطوع فقط. والحقيقة أنه شامل لهما معا. فالمحسنون في أموالهم يجعلون على أنفسهم حقا للسائل والمحروم، تقربا إلى الله عز وجل. فيدخل فيه حق الزكاة الذي فرضه الله، ويدخل فيه ما يرتبونه على أنفسهم من صدقات التطوع الثابتة على الدوام، بقدر معلوم، يجعلونه حقا على أنفسهم للفقراء والمساكين، فيلتزمون به التزامهم بالنذور. وذلك نحو ما يجعله المؤمن لأقاربه الفقراء من راتب ثابت، يخرجه من ماله حتى ولو لم يتحقق فيه نصاب زكاة، سواء كان صاحب فلاحة، أو ماشية، أو تجارة، أو صناعة، أو مهنة، أو غير هذا وذاك من أسباب الرزق وموارد المال، فإنه يجعل للسائل والمحروم حقا مما سوى الزكاة وإن قل. وهذا هو الذي فسرته سورة المعارج بقول الله تعالى : {والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم}(المعارج : 24-25).

—–

1- ن. مادة : “هجع” في المحيط في اللغة لابن عباد، والقاموس المحيط للفيروز آبادي.

2- روى الطبري كلمات الحسن البصري متفرقة، حسب الشواهد عند تفسير هذه الآيات، بينما ساقها ابن كثير هكذا مجتمعة.

3- الأحنف بن قيس تابعي جليل، كاد أن يكون صحابيا اشتهر بالحلم والحزم والجهاد والورع. جاء في التهذيب : (الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين التميمي السعدي، أبو بحر البصري. واسمه الضحاك، وقيل : صخر، والأحنف لقب. أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلم، ويُروى بسند لين أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له. روى عن عمر، وعلي، وعثمان، وسعد، وابن مسعود، وأبي ذر، وغيرهم. وعنه الحسن البصري، وأبو العلاء ابن الشخير، وطلق بن حبيب، وغيرهم، قال الحسن : ما رأيت شريف قوم أفضل من الأحنف. ومناقبه كثيرة، وحلمه يضرب به المثل وذكره محمد بن سعد في الطبقة الأولى من أهل البصرة، قال : وكان ثقة مأمونا، قليل الحديث. وذكر الحاكم أنه الذي افتتح مرو الروذ، وقال مصعب بن الزبير يوم موته : ذهب اليوم الحزم والرأي. قيل : مات سنة (67هـ)، وقيل : سنة (72 هـ). قال ابن حجر : وقيل : إن اسمه الحارث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال أحمد في الزهد : حدثنا أبو عبيدة الحداد، ثنا عبد الملك بن معن عن خير بن حبيب أن الأحنف بلغه رجلان دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (يعني له) فسجد). تهذيب التهذيب(1/167).

4- أورده الطبري عند تفسيره للآية.

5- رواه الترمذي وحسنه، ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي. كما صحح الألباني في تحقيق سننه، وفي صحيح الجامع، والسلسلة الصحيحة.

6- متفق عليه

7- رواه مسلم.

8- رواه البخاري.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *