مفهوم التجديد و شروط الـمجدد


عن أبي هريرة  أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد

هذا خبر من الصادق المصدوق الذي : “لا ينطق عن الهوى” والذي قال عن نفسه لعبد الله بن عمرو بن العاص: ((اُكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا الحق))(2).

ومضمون هذا الحديث هو من خصوصيات هذه الأمة ولم يكن هذا في الأمم السابقة لأن تلك الأمم كان يُـبعث فيها الرسول برسالة محدودة في الزمان والمكان فيؤمن به من شاء الله له أن يؤمن وهم حواريوه الذين ينقلون عنه الدين إلى الأجيال التالية وهكذا ينتقل الدين من جيل إلى جيل وخلال هذا الانتقال يعرف نقصا متواصلاً في الفهم وفي التطبيق  حتى يمّحي وتندرس معالمه، فيرسل الله تعالى نبيا يُحيي تلك الرسالة أو رسولاً برسالة جديدة ينسخ بها تلك الرسالة، وقد يمر وقت يطول أو يقصر بين اندراس معالم الرسالة وبعثة الرسول الجديد وهي “الفترة”  كما جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى : {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبيِّــن لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير} (المائدة : 21) وقوله تعالى: {لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون}(يس : 5).

لكن هذا الأمة الشريفة لا تجري عليها هذه السنة، لأن نبيّها محمد صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء، وكتابها هو خاتم الكتب  والمحفوظ بحفظ الله من دون الكتب والمهيمن على كل ما بين يديه من الكتب،  وشريعتها هي خاتمة الشرائع والناسخة لها، فهو الدين الكامل والمرتضى والباقي إلى يوم يبعثون، فلا نبي بعد رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ولا كتاب بعد القرآن العظيم ولا شريعة بعد الشريعة العصماء {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}(آل عمران : 84). فلا بديل عن هذا الدين لأن  الله تعالى شاء له أن يتجدد إلى يوم الدين : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}(المائدة : 4) بئس للظالمين بديلا عن الكامل والتام والمرضي.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ((لهذه الأمة…)) إشارة إلى أن هذا الأمر خاص بأمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واسم الإشارة القريب للتنويه والتشريف .

أولا : من هو المجدد؟

إن كلمة ((من)) اسم موصول يفيد الإطلاق وتدل على المفرد كما في قوله تعالى : {ومنهم من ينظر إليك}(يونس : 43) وقد تدل على الجمع كما في قوله تعالى: {ومنهم من يستمعون إليك}(يونس : 42) وعليه فالتعبير يحتمل أن يكون المجدد فردا أو جماعة، فلا داعي إذن إلى تتبع أسماء أفراد من العلماء في كل قرن والمفاضلة بينهم لمعرفة المجدد منهم… ولا يخفى على ذي لب ما يمكن أن يحدثه هذا النوع من التفضيل، وبالخصوص في الزمن الذي يستفحل فيه التعصب للمذاهب الفقهية والكلامية والتعصب للأقطار وللأجناس واللغات وما إلى ذلك من الانتماءات… أو تكون المفاضلة بين العلماء وبين الدعاة وبين المحسنين وغيرهم .. فقد يكون كلهم ساهم في تجديد هذا الدين وبعثه في الأمة.

إن ما نشاهده من عودة مباركة إلى هذا الدين من قِبل الشباب والنساء ومن مختلف شرائح المجتمعات الإسلامية والذي يتجلى في عمارة بيوت الله تعالى والعناية بها والمدارس القرآنية  والمشاريع العلمية والإعلامية والمكتبات الإسلامية المطبوعة والرقمية وكل ذلك ليس في البلاد الإسلامية فحسب بل في أوروبا وأمريكا وغيرها… وما نشاهده من إقبال على الإسلام من أبناء الأمم الأخرى ودخولهم فيه ودفاعهم عنه وما إلى ذلك من بشائر النصر والخير لا يمكن أن يُنسب كله إلى شخص واحد مهما كانت الجهود التي بذلها في خدمة الإسلام ومهما كانت مرتبته العلمية ومهما بلغت أخلاقه من الحسن… إن هذه الثمار الطيبة  هي  بالتأكيد آثار جهود كثيرة وحثيثة  لجيوش من العلماء والدعاة والمحسنين والمؤسسات… تضافرت  وتفاوتت فيما بينها وتكاملت  فكان منها هذا الخير.

قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله : “…لا يلزم أن يكون في رأس كل مئة سنة واحد فقط لأن اجتماع الصفات التي نحتاج إليها في تجديد أمر الدين في هذه الأمة لا ينحصر في نوع واحد، ولا يلزم أن جميع خصال الخير في شخص واحد..”.

أقول إن صفات الخير كلها وبالقدر الذي يبلغ الكمال لم تجتمع إلا في رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده تفرقت في أبناء الأمة وتفاوتوا فيها وتفاضلوا بها فكانت مقياسا للتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم والنفع لهذه الأمة والخدمة لهذا الدين.

قال ابن حجر : “… وبعده قيل إنها اجتمعت في عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه” على رأس المائة الأولى لأنه رضي الله عنه جمع بين العلم والحُـكم فكان عالما وكان قائما بالعدل.

إن الأمة ليست بحاجة إلى رجل واحد وخصوصا عندما تضعف ويسوء فهمها للدين وتنحرف عن الصراط المستقيم، عندما تضعف مناعتها وتصبح قابلة لكل أمر سيئ، ورافضة كل أمر صالح … عندما تُسلم قيادتها للجهال والمتنطعين … وقتئذ يبعث الله تعالى فيها -رحمة بها وإكراما لنبيها صلى الله عليه وسلم-  طائفة من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى  يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور كتاب الله أهل العمى..

فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه  وكم من ضال تائه قد هدوه  فما أحسن أثرهم على الناس وما أقبح أثر الناس عليهم…”(3).

هؤلاء العلماء هم ورثة الأنبياء لأن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا ولكنهم ورّثوا العلم … هؤلاء العلماء هم أعلم عباد الله بمراد الله من كتابه وهم أعلم عباد الله بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الأقدر على التنزيل السليم للوحي على واقع الأمة وما يجري فيها من أحداث…

إن من حق الأمة أن تلتفّ حول علمائها  لأنهم صانعوا أمجادها وكاتبوا تاريخها.

وإن من صفاتهم أن الله تعالى يبعثهم  كما بعث الأنبياء صلى الله عليه وسلم، وما بعث الله تعالى نبيا إلا من قومه(4)  قال تعالى : {لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم…}(آل عمران : 164) وقال تعالى : {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم…}(الجمعة : 2) وقال تعالى : {كما أرسلنا فيكم رسولا منكم..}(البقرة : 151) وقال تعالى : {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمومنين رؤوف رحيم}(التوبة : 129).

فالعلماء هم الأبناء البررة للأمة  صفاتهم من صفات الأنبياء،  ومن أبنائها الشرعيين هم الذين يبعثهم الله تعالى ليجددوا لها أمر دينها، وعليه  فإن التجديد لا يكون من غير أبناء الأمة ولا من اللقطاء ولا من الهجن …

لأن هذه الأمة بعضها من بعض لا يفرق بين أجيالها طول  الزمن ولا بعد الشقة

إن من حق العلماء أن يحتفى بهم ومن حق الأمة أن تحتفي بعلمائها وأن تُسلم إليهم قيادتها، فهم أعينها التي بها يبصر الناس  والتي تسهر عندما ينام الناس وتحرس عندما يغفل الناس

وهم قلب الأمة الذي ينبض بالحياة ويشعر بآلام الأمة وهمومها وفيه تزدحم مع آمالها وتطلعاتها وفيه تصاغ مشاعرها

وهم لسانها الذي يعبر بصدق عن ذاتها ورغباتها وعن مواقفها تجاه كل ما ومن يحيط بها

وهم عقلها اليقظ الذي يفكر في همومها ومشاريعها وكيف يوصل الخير إلى كل فرد من أفرادها وكل مؤسسة من مؤسساتها.

وهم حراسها الذين يعرفون المخاطر التي تحدق بها، يقفون المواقف التي تتعين عليهم شرعا فتنتفع الأمة كلها بذلك ويتحملون وحدهم تبعات ذلك.

ويرحم الله تعالى أحد علماء هذه الأمة العاملين  الذي قال حين قيل له : “ألا تستريح” قال :” نحن وقف على مصالح هذه الأمة”.

قال الإمام علي رضي الله عنه :

الناس من جهة التمثال أكفاء

أبوهم آدم والأم حواء

فإن يكن لهم في أصلهم شرف

يفاخرون به فالطين والماء

ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم

على الهدى لمن استهدى أدلاء

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين))(5).

هذا الثلاثي المكون من الغالين والمبطلين و الجاهلين “الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب، مخالفون للكتاب، مجمعون على مخالفة الكتاب

يقولون على الله تعالى وفي الله تعالى وفي كتاب الله تعالى بغير علم

يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون الجهال بما يشبهون عليهم…”(6)

إن التشدد والغلوّ، والتسيب والانحلال، وغيرها من الانحرافات إنما تنشأ وتنتشر بتأييد من المجتمع وقبوله لها واحتضانه لأصحابها الذين يعملون بها ويدعون إليها، ولا شك أن المجتمع لا يقبل هذه الرذائل والأخلاق السيئة إلا إذا ابتعد أو أُزيح عن المحجة البيضاء وما عاد يميز بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، فإذا وقع ذلك فمن الذي يرد الأمور إلى نصابها ويضع الميزان الذي توزن به الأفكار والأعمال؟ إنها الطائفة التي يبعثها الله تعالى لتجدد للأمة أمر دينها. يُحسنون قيادة الأمة إلى الفهم الجيِّـد للذكر الحكيم والتطبيق الجيِّـد لما فيه من الأحكام والتعاليم بالحكمة والموعظة الحسنة…

ثانيا : ما هو الأمر الذي يجدد للأمة؟

إن الحديث ينص على “أمر الدين” وهي كلمة تطلق في التعبير النبوي على الإسلام والإيمان والإحسان كما في حديث جبريل عليه السلام : ((…إنه جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم))(7).

ومعلوم أن الدين من حيث مصدره الذي هو الوحي بشقيه كتاب الله تعالى  وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم محفوظ بحفظ الله الكريم قال تعالى : {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(الحجر : 9) وقال عز من قائل في حفظ السنة التي هي بيان القرآن الكريم : {إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه}(القيامة : 16- 18).

إن الذي يتغير ويتجدد هو الأمة، فهي تتغير في الاتجاه السلبي كما في قوله تعالى : {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات…}(مريم : 59) وقال تعالى : {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب  يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله ياخذوه ألم يوخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولون على الله إلا الحق…}(الأعراف : 169) كما أنها تتغير في الاتجاه الحسن قال  تعالى: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}(محمد : 39).

إن التجديد هو تجديد الأمة بالوحي

إنه تجديد فهم الأمة للوحي

إنه تجديد تنزيل الوحي على واقع الأمة

إنه تجديد تجلي الوحي في حياة الأمة

إنه تجديد العلاقة بين الأمة والوحي وتنشيط الأمة بالوحي

وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الإيمان يخلـَق في جوف أحدنا كما يخلـَق الثوب وأمرنا بتجديده بلقاء الأحبة وبقول لا إله إلا الله، وتجديده -يقينا- لا يعني تغييره وإنما تنشيط القلب به  وتجديد الدين يعني المحافظة على أصله وتجديد تجلياته.

إن هذا الحديث هو مظهر آخر من مظاهر كرم الله تعالى وعنايته بهذه الأمة، كما أنه دليل آخر على شرف هذه الأمة، وهو دعوة إلى الافتخار بالانتماء لهذه الأمة والاعتزاز بها

والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

——–

1- هذا الحديث رواه أبو داود في سننه عن سليمان بن داود المهري قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن شراحيل بن يزيد المعافري، عن أبي علقمة

2- أخرجه الإمام الدارمي في سننه في المقدمة باب من رخص في كتابة العلم.

3- الإمام أحمد من خطبة  عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه

4- إلا ما قيل إن نبي الله شعيب عليه السلام لم يكن من مدين لقوله تعالى في سورة الشعراء “… كذب اصحاب الايكة المرسلين إذ قال لهم شعيب ألا تتقون ..” وفي جميع الأنبياء  المذكورين في السورة ورد قوله تعالى : {…غذ قال لهم أخوهم…”

5- رواه البيهقي، وصححه الشيخ الألباني في مشكاة المصابيح

6- ابن وضاح عن الإمام أحمد

7- حديث جبريل المشهور الذي رواه الشيخان وأصحاب السنن عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقد سأل فيه جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان…

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *