ضرورة العودة إلى العناية بالقرآن الكريم كما كان السلف الصالح يعنى به


1- عناية السلف الصالح من أمتنا بالقرآن وعلوم الشريعة:

لا ريب أن أمر النهوض بالقرآن الكريم وعلوم الشريعة حتى تعود إلى سالف عهدها وسابق أثرها في الأمة الإسلامية هَـمٌّ يجب أن يحمله المسلمون عامة، وعلماؤهم المخلصون خاصة، وأن تنهض به مؤسسات التربية والتعليم في المجتمع عامة ومؤسسات التعليم العتيق على وجه الخصوص .

وإن نهضة المجتمع الإسلامي سابقا وقيادة الأمة للناس وشهادتها عليهم إنما كانت بسبب اعتنائها بكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم وكذا بالعلوم الشرعية خاصة وبغيرها من العلوم النافعة عامة. ومما يدل على عناية المسلمين في العصور السابقة بالقرآن والسنة وعلومهما: كثرة حفظة القرآن والسنة، وكثرة حملة العلوم الشرعية من العلماء، ووفرة الراغبين من الطلاب.

والمتتبع لكتب التراجم المرتبة على الطبقات والأعصار يلاحظ كثرة العلماء ووفرة الطلاب الراغبين في حفظ القرآن ودراسة علوم الشريعة، فخذ مثلا: سير أعلام النبلاء وتذكرة الحفاظ وهما للذهبي، وقد غطى فيهما مدة طويلة، تقرب من ثلاثمائة سنة إلا خمسين عاما، تجد فيها هذه الكثرة العالمة والوفرة الراغبة في الطلب، يقول رحمه الله في نهاية الطبقة الثامنة وهي طبقة ابن معين وابن المديني وأحمد بن حنبل، وأبي بكر بن أبي شيبة وخليفة بن خياط وأضرابهم: (فهؤلاء المسلمون هم ثقاة الحفاظ … فإن المجلس في هذا الوقت كان يجتمع فيه أزيد من عشرة آلاف محبرة يكتبون الآثار النبوية ويعتنون بهذا الشأن، بينهم نحو مائتي إمام قد برزوا وتأهلوا للفتيا)(1).

ومما يدل على ذلك أيضا ما حكاه الحافظ ابن عدي في الكامل من أن مجلس الشيخ جعفر بن محمد الفريابي ببغداد كان يحضر فيه خمس عشرة ألف محبرة، ثم قال : (وكنا نحتاج أن نبيت في موضع المجلس لنتخذ من الغد موضع المجلس)(2).

ونقل ابن خلكان في الوفيات(3) : أن مجلس داود بن علي إمام الظاهرية كان يحضره أربعة مائة صاحب طلسان أخضر يعني: كبار الأئمة.

وكان الطيلسان الأخضر زي كبار العلماء وشعارهم فإذا كان هذا عدد الكبار من العلماء في مجلس واحد من مجالس العلماء فما الظن بمن دونهم من مجالس طلاب العلم وحفاظ القرآن والسنة.

لقد كان يجتمع في مجالس العلم من العلماء والطلاب مثل عدد ما تجمع ملاعب كرة القدم اليوم من المتفرجين، وغيرها من مجالس وتجمعات اللهو والعبث، لقد كان سلف هذه الأمة مقبلين على الجد إقبال خلفها في زمننا هذا وغيره على اللهو وضياع الوقت، فضاع بذلك المسلمون وتخلفوا بتخلف الجد فيهم،  والحاصل أن كثرة حملة علوم الشريعة ووفرة طلاب العلم كانت أمارة من أمارات نهضة أمتنا.

هذا فيما يخص اعتناء المسلمين عامة في مشارق الأرض ومغاربها بدراسة القرآن والسنة ودراسة علومهما.

أما فيما يخص عناية المغاربة- وهم جزء من أمة المسلمين- فإنها لا تقل عن ذلك، فإلى عهد ليس ببعيد كثيرا عنا وهو فترة ما قبل الاستعمار فلقد كان “المسيد” المحضن الأساسي  لتعلم القرآن ودراسة علوم الشريعة في البوادي والمدن، فكان المتعلم المغربي يتلقى فيه مبادئ القراءة والكتابة، ويحفظ فيه كتاب الله العزيز مع إتقان رسمه، كما يحفظ فيه متون بعض علوم اللغة، والفقه، والأصول، والرسم القرآني والتجويد…

ثم يرحل إذا أراد إتمام دراسته إلى بعض المراكز العلمية بالحواضر لتلقي العلوم التي يفتقدها “المسيد” وكانت هذه المراكز تقتصر غالبا على تدريس بعض علوم اللغة والشريعة، كالنحو والفقه وأحيانا علم البلاغة والتوقيت، وتؤهل الطالب لولوج القرويين لاستكمال دراسته العليا.

وإذا كانت هذه المراكز متسمة في عهودها الماضية ببعض السلبيات على مستوى طرق التدريس والمناهج فإنها -مع ذلك- كانت تصوغ الشخصية المغربية صياغة إسلامية متينة التكوين في تخصصها، متشبثة بالقيم الإسلامية التي تلقتها في مراحل تعليمها، عصامية في تحمل مسؤولياتها.

وهذا الطراز من الصياغة كاد أن يصبح مفقودا في مؤسساتنا التعليمية والتربوية على الرغم من تكاثر أعداد خريجيها، وتعدد اختصاصاتها، وسمو مستوى شهاداتها.

لذلك أصبحت الحاجة ماسة إلى إعادة النظر في مسيرتنا التربوية والتعليمية الأصيلة التي كان “المسيد” وبعده جامعة القرويين بفاس يغرسها في نفوس الناشئة.

ومن هاهنا فإنه لا بد من إعادة النظر في مسيرتنا التعليمية الحالية في جميع مستوياتها لربط الحاضر بالماضي من أجل بناء مستقبل على أسس متينة ضاربة بجذورها في عمق أصالتنا وهويتنا الحضارية الإسلامية.

2- واقع الأمة المشهود دليل شاهد على إهمال الأمة للرسالة القرآنية وعلوم الشريعة:

سبقت الإشارة إلى أن المسلمين الأوائل وخاصة في العصور الذهبية للأمة كانوا يعتنون بالقرآن والسنة وبعلومهما، فكيف هو حال المسلمين اليوم وما درجة عنايتهم بالقرآن والسنة وعلوم الشريعة؟

إن المتأمل في واقع المسلمين يلحظ:

أ- أن الأمة الإسلامية في عمومها هجرت كتاب ربها، أو على الأقل أخذت تقرأه على أنه تراتيل دينية كما تقرأ الأوراد العادية، فكانت النتيجة أنها فقدت صلتها بكلام الله تعالى مصدر شريعتها وهدايتها وخيريتها، وفقدت أيضا القدرة على تسخير ما في هذا الكون لصالح دينها ودنياها، مع العلم أن القرآن الكريم نوه بعظمة الله في كونه الفسيح. والسبب في هذا كله هو أننا ما أحسنا التلقي والتعامل مع القرآن أبدا، فالخطأ الكبير عندنا ألا يمد القارئ المد اللازم، أولا يغن الغنة، أو لا يخفي الإخفاء، وكل ذلك يمكن أن يكون وسائل لحماية الأداء القرآني ليكون محلا للنظر والتدبر… وأما وعي المعاني العظيمة، وإدراك الأحكام والتحقق بالعاطفة المناسبة من خلال تشرب معاني القرآن فقد اختفى من نفوسنا، أو كاد.

إن القرآن كتاب يصنع النفوس ويصنع الأمم، ويبني الحضارة، وهذا من أهم مقاصده التي جاء بها لتحقيق عبادة الله والاستخلاف في أرضه، فأما أن يفتح المصباح فلا يرى أحد النور لأن الأبصار مغلقة فالعيب في الأبصار التي أبت أن تنتفع بالنور، والله تعالى يقول: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام}(المائدة: 16).

ب -  أن المسلمين اليوم لم يتبعوا رضوان الله، ولا سبل السلام، ولا استطاعوا أن يقدموا سلاما للعالم، ولا أن ينقلوا هدايات القرآن للناس في العالم، فملايير البشر في عصرنا محجوبة عن أضواء القرآن، لا تعرف عنه شيئا والسبب أن المسلمين أنفسهم محجوبون عن نور القرآن، وفاقد الشيء لا يعطيه.

إن نظرة سريعة تلقي الضوء على مؤسساتنا التعليمية لتؤكد الإهمال الخطير بمسألة تربية الأجيال على العناية بالقرآن وتعاليمه تشير بحالها التساؤل عن وظيفتها أهي: التعليم والتربية أم التجهيل والانحراف؟ أهي الترغيب في طلب العلم أم التنفير منه؟ أهي تخريج أجيال حاملة للأمانة بعلم، قادرة على الاستجابة للتحديات بعلم، صانعة للمستقبل المنشود بانية له بعلم، أم إنها تفريخ خلوف يجهلون أين يتجهون، ويقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون(4).

3- ضرورة عودة الأمة إلى القرآن عودة منهاجية نصوحا:

انطلاقا مما تقدم فإن عودة الأمة للحياة من جديد تأثيرا وتوجيها وشهادة على الناس، رهينة بضرورة عودتها إلى القرآن الكريم فتصطلح معه، وتقوم بدراسته وتدريسه فهو كلام الله المعصوم من الزلل المحفوظ بعناية الله تعالى، المتعبد بتلاوته ولهذا وجب علينا جميعا حكاما ومحكومين آباء وأبناء، أغنياء وفقراء، علماء ومتعلمين، أن نعتني بالقرآن الكريم لأن فيه ملاذنا، وفيه هدايتنا {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} في كل شيء، وفي كل مجالات الحياة يهدينا للتي هي أقوم، وهو نور يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام.

وهو العاصم لنا من الضلال والانحراف لقوله صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي).

إن عودة الأمة الإسلامية إلى هدي السماء المتمثل في القرآن الكريم هو سبيل نجاتها في الدنيا والآخرة وسبيل عزتها وقوتها بدل الذل الذي تعيشه والضعف الذي ألم بها فنخر كيانها.

وإن هذه العودة اليوم لمن أوجب الواجبات، وأولى الأوليات، وإنها مسؤولية عظيمة وخطيرة لا يستثنى من حمل همها أحد من المسلمين المكلفين كل حسب طاقته ووسعه، فهي أمانة في أعناق الجميع.

4- ضرورة العناية بمؤسسات القرآن الكريم وتأهيلها لتنهض بالرسالة المنوطة بها

إن من أهم السبل المساعدة اليوم على عودة المسلمين إلى القرآن الكريم سبيل العناية بمؤسسات القرآن الكريم، وسبيل العودة الراشدة، إلى منهج الإسلام في طلب العلم والحث عليه والعناية بطلابه والرفع من مكانة العلماء داخل المجتمع ، وإن أول ما ينبغي العناية به في ذلك كله هو إعادة النظر في  هذه المؤسسات القرآنية، وصياغة مناهجها وبرامجها في ضوء تعاليم الشرع ومقاصده، وجعلهما هما المعيار الذي تعار به مناهج وبرامج التربية والتعليم فيها.هذا من جهة، ومن جهة ثانية لابد من تكثير مؤسسات تحفيظ القرآن الكريم ومؤسسات التعليم العتيق في المجتمع وتشجيعها والسهر على إنجاحها، فالمتخرجون منها هم أئمة المساجد وخطباء الجمعة في الحاضر والمستقبل، وهم الوعاظ والمرشدون, وهم كذلك العلماء والفقهاء والمربون والدعاة الذين وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله  :  “العلماء ورثة الأنبياء”(5). وهم بذلك المؤهلون  لقيادة الأمة وتدبير أمورها الخاصة والعامة إن شاء الله تعالى.

وأخيرا فإن دعم هذه المؤسسات التي جعلت مهمتها: تحفيظ كتاب الله تعالى ودراسته وتدريس علوم الشريعة والعلوم الخادمة للرسالة القرآنية هو أساس نجاحها والنهوض برسالتها في البناء والعمران البشري وفق الميزان القرآني.

والله عز وجل نسأل أن يوفقنا جميعا إلى ما فيه رضاه وإلى خدمة كتابه الكريم، وأن يوفق المحسنين لما فيه خير الدارين ويوسع في أرزاقهم، وأن يوفق الأساتذة والمعلمين الذين يسهمون في تربية وتعليم طلبة هذه المؤسسات، وأن يوفق خريجيها إلى الاستقامة والصلاح حتى يكونوا أعمدة صالحة للبلاد والعباد، وأن يوفق أيضا المسؤولين عليها لبذل مجهودات أكبر وأنفع، والله ولي التوفيق وهو القادر على ذلك

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

د. محمد الأنصاري

——-

1- تذكرة الحفاظ 2 /530.

2- الكامل في ضعفاء الرجال: 5/234.

3- وفيات الأعيان: 2/256.

4- مجلةالهدى المغربية: ع 33 ص 33 مقال للدكتور الشاهد البوشيخي.

5- البخاري في العلم باب العلم قبل القول والعمل رقم : 2606. وأبو داود في العلم رقم : 3157. وابن ماجة في المقدمة رقم : 219.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>