مواقف وأحوال


 اللهم إني أسألك بحق صبر فلان على زوجته

في رحلة سفر جمعتني خلال الأسبوع الماضي بالأستاذ الدكتور سيدي محمد بن عبد الوهاب أبياط حفظه الله، تجاذبنا أطراف الحديث حول وضع الأسر في بلادنا والمشاكل التي تتخبط فيها، والتخريب والتدمير والإفساد الذي يستهدفها ويرمي لقويض بنيانها، وهدّ أركانها، وما الذي يجب فعله لإنقاذها، وكيفية ذلك…

واستمر الحديث بيننا إلى أن ذكرنا من سبل العلاج صبر الزوج على زوجته، وصبرها عليه، فأخبرته أني كنت قرأت قديما قصة مؤثرة لابن اللباد رحمه الله، ذكرها القاضي عياض في مداركه، قصة فيها عبرة وموعظة، ونصها:

قال محمد بن إدريس: وكانت له -يعني أبا بكر بن اللباد، فقيه مالكي من أهل الدين والورع والزهد، كان من الحفاظ المعدودين، والفقهاء المبرزين- امرأة سليطة، تؤذيه بلسانها، فحكى أنها قالت له يوماً: يا زانِ! فقال: سلوها، فبمن زنيت؟ قالت: بالخادم، قال: سلوها لمن الخادم؟ قالت: له. فقال له أصحابه: طلقها، ونحن نؤدي حقها، فقال: أخشى إن طلقتها، أن يبتلى بها مسلم، ولعل الله دفع عني بمقاساتها بلاءً عظيماً، ثم قال: بل حفظتها في والدها، فإني خطبت إلى جماعة فردّوني، وزوجني هو لله تعالى، وكان يفعل معي جميلاً، أفتكون مكافأته طلاقها؟ وكان يقول: لكل مؤمن محنة، وهي محنتي”.

فلما سمع مني -أي الدكتور أبياط- ذلك أخبرني أنه سمع من الفقيه العلامة سيدي عبد السلام الطاهري رحمه الله أن أحد العلماء ابتلي بزوجة ذات أخلاق شديدة السوء، كانت تؤذيه كثيرا، وظل يصبر على أذاها خشية أن يطلقها فيبتلى بها مسلم لا يصبر على ذلك، ثم بعد أن صبر عليها مدة، ضاق به الحال، واشتد عليه الأمر، فرأى أنه لا خلاص له من الجحيم الذي يعيشه إلا بأحد أمرين: طلاقها أو الرحيل عنها، فاختار الرحيل حتى لا يؤذى بها مسلم(1).

خرج الرجل يمشي في الأرض إلى أن وجد كهفا فآوى إليه، وبعد أيام قليلة جاء رجل آخر إلى الكهف نفسه، فاستأذن ودخل، وبعد فترة قليلة قام الرجل الثاني يصلي لله ركيعات، فسمعه العالم الفارّ من زوجته يقول في سجوده: اللهم إني أسألك بحق صبر فلان على زوجته، للعالم الموجود في الكهف – ولا يعرف أحدهما الآخر-، فبكى ذلك العالم بكاء شديدا، وهو يقول في نفسه: هل أكرمني الله ورفع مكانتي إلى درجة أنه سبحانه يسأل بي.

فخرج من الكهف ورجع إلى بيته وأحضر العدول وطلب منهم أن يكتبوا ما يفيد تنازله عن حقوقه الواجبة له على زوجته، وأنها مهما فعلت فلن تسمع ولن ترى منه ما يغضبها أبدا، فردت الزوجة وقد سمعت ما قال: اكتبوا عني أني لن أوذيه أبدا.

هما قصتان -لا نستطيع الجزم بثبوتهما- بيد أننا نستطيع الجزم بأن باب الصبر بين الأزواج اليوم ضعف بشكل كبير، ونحن نرى أن الطلاق يقع لأتفه الأسباب، وقد أظهرت إحصائيات حول نشاط أقسام قضاء الأسرة خلال سنة 2011 أنجزتها وزارة العدل والحريات أن مجموع حالات الطلاق والتطليق بلغ 56 ألف و198 برسم سنة 2011، وفي سنة 2010 : 56 ألف و16 حالة، وفي سنة 2009 : 55 ألف و255.

————

1 ترتيب المدارك 5/289.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *