العمران الإسلامي: قراءة في خصائص الـمدينة الإسـلامية


ذة. إلهام سته (*)

تقديم:

ارتبط الاهتمام بالمدن الإسلامية بحركة الاستشراق التي انصبت على دراستها دراسة دقيقة في العصر الحديث.  وقد تأثر الدارسون المسلمون بالمناهج وأنماط التحليل والمعالجة التي تبناها هؤلاء المستشرقون في هاته الدراسة.  فانقسموا كلهم بين مؤيد ومعارض حول وجود مدينة إسلامية أصيلة ذات خصائص حضارية.

سنعرض لآرائهم بشيء من التفصيل مستأنسين في ذلك بمراجع مختلفة وكذا بالنص: “الإسلام والمدن” الذي كتبه جوهيل في كتابه المعنون ب:  المدينة في القرون الوسطى.  ولكن قبل هذا، لا بد لنا من أن نعرف كلمة مدينة لأن في تعريفها دلالة حضارية تحسب لمن يؤيد الطرح القائل بخصوصية المدينة الإسلامية.

1- تعريف “المدينة“:

لقد اختلفت الآراء والنظريات حول التعريف بالمدينة. فمنهم من يستأنس بالبحث اللغوي الذي يرجع كلمة مدينة إلى كلمة “دين” المتعارف عليها في الآرامية والعربية.  وقد عرفت الكلمة عند الأكديين والأشوريين بالدين أي “القانون”. وكلمة “ديانات” تعني في اللغة الآرامية والعبرية “القاضي”. وتستعمل في الأرامية “مدينتنا” بمعنى “القضاء”. ويوافق هذا التفسير ما جاء به القرآن الكريم ويظهر هذا من خلال نص جوهيل حيث يقول إن: “المدينة (المكرمة)(1) التي تعتبر النموذج التمدني للمسلمين، والتي  يبدو أنها استطاعت أن تفرض أثرها اللغوي، استمدت مفهومها العربي من اسم  مدينة وأن جذر الكلمة دين يدل على الديانة”.

أما التعريف المادي للمدينة، فهو بالنسبة لابن منظور: “الحصن يبنى في أصطمة من الأرض وكل أرض يبنى عليها حصن في أصطمتها فهي مدينة”، والأصطمة معظم الشيء و تمامه. ومن منظور اجتماعي يقول الفيروزابادي إن: “المدينة تعادل الأمة”. في حين يذهب التعريف الاجتماعي النفسي إلى أن الكلمة  مدينة تعرف من حيث حاجة الناس إلى بعضهم البعض للتعاضد والتوازن.

2- الشروط المكونة للمدينة في الإسلام:

إن العمران الإسلامي يتحقق وفق شروط معينة.  ويأخذ الجانب السياسي والاجتماعي الحظ الأوفر فيه.

2-1- أهمية العمران في الإسلام من الناحية السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية :

إن على الحاكم المسلم اتباع سياسة العمران داخل المجتمع الإسلامي بحسب ما تمليه عليه الأطراف المسؤولة على تماسكه. ويوضح هذا كتاب الأحكام السلطانية للماوردي، وكتاب السياسة لابن حزم وغيرهما. وتعتبر هاته المصادر تكثير العمارة من أركان الملك. وذهب أحدهم إلى أنه الركن الخامس “بعد نصب الوزير وإقامة الشريعة وإعداد الجند وحفظ المال” (2). كما اعتبرت من مباني الملك وتقوية الاجتماع الإنساني.

أما من الناحية الاقتصادية، يعتبر العمران المحرك الأساس للحياة. قال الخليفة المعتصم: “إن العمارة فيها أمور محمودة، أولها عمران الأرض التي يحيا بها العالم، وعليها يزكو الخراج، وتكثر الأموال وتعيش البهائم، وترخص الأسعار، ويتسع المعاش، وكان يقول لوزيره: إذا وجدت موضعا متى أنفقت فيه عشرة دراهم جاء بعد سنة أحد عشر درهما، فلا تؤامرني فيه”(3).

ومن ناحية أخرى، فلقد حرص الإسلام على أن تكون المدينة منبع إشعاع قيمي وحضاري بعيدة عن كل أشكال الظلم.  يقول جوهيل في هذا الصدد:” إن علاقة الإسلام بالمدن تمكن من تقديم صورة واضحة حول الأبعاد الثقافية لوظائف العمران، ومدى تقارب الديانات الموحدة الكبرى، بحيث إن المدينة كانت تشكل بالنسبة لهم القاسم المشترك عبر القدس، وروما، والمدينة. كل ديانة تحمل حس الجماعة، والتعاون القيمي بين الأفراد والجماعات. كل هذا شكله عنصر المدينة. فاليهودية تعتمد على حضارة مدنية والمسيحية انتشرت وتطورت بفضل المدينة”(4).

ويعتبر ظهور الإسلام كقوة استطاعت أن تحافظ على الحضارة عند سقوط روما. ولكن من الخطأ أن نفسر هاته القوة على أنها نتيجة لنجاح الحياة الحضرية على الحياة البدوية. بل تعتبر الأولى مكملة للثانية كما جاء في نص جوهيل. يقول هذا الأخير: “فلو لم تكن للإسلام تلك النزعة في السيطرة والتأسيس لامبراطورية كبرى تكون دعاماته “المدينة”، لتراجع التطور الحضري مع أفول الامبراطورية الرومانية”.

إن موقع بناء المدينة والتفكير في كيفية حماية المواطنين كان ذا أهمية قصوى عند العرب والمسلمين.  يذكر ابن الأزرق نوعان من المضار التي يجب دفعها عن سكان المدينة: أرضية “ودفعها بإدارة سياج الأسوار على المدينة، ووضعها في مكان ممتنع، إما على هضبة متوعرة من الجبل، وإما باستدارة بحر أو نهر به، حتى لا يوصل إليها إلا بعد العبور على جسر أو قنطرة فيصعب منالها على العدو ويتضاعف تحصينها”. والنوع الثاني سماوي، ويدفع باختيار المواقع طيبة الهواء، بحيث إن ركوده يؤدي لا محالة إلى مرض الإنسان والحيوان.

وعلى صعيد آخر، يشترط في البناء أربعة شروط أساسية: المنفعة و المتانة والجمال والاقتصاد. وعدم الارتفاع بالبناء على الجيران. وعدم فتح نوافذ تطل على حرمهم.

2-2- مزاعم استشراقية:

بالرغم من كل هذا الذي عرضناه، فالمستشرقون ينفون على المسلمين امتلاكهم مدينة ذات خصائص إسلامية. وأن المدن التي تم فتحها من قبلهم لم يضيفوا إليها شيئا كمدن حلب ودمشق واللاذقية. إن للمسلمين بحسب رأي “سوفاجيه” و”بلانهول” الفضل في التقليد فقط للمدن الرومانية، ومدن أوروبا في العصور الوسطى. ولما كان لابد للمسلمين أن يضيفوا بعض الشيء لهاته المدن، شوهوا وحدتها وتركيبها الداخلي. ويزعمون كذلك أن المسلمين قلدوا الرومان حتى في طريقة بناء حماماتهم. والحق أن للمسلمين نظرية قوية في علم العمران تهم “النظرية الوظيفية” للعمران، ومفادها أن الشكل يتبع الوظيفة. فشكل المسجد مثلا يوحي لكل مسلم بأنه مكان للعبادة. إلا أن هناك من المستشرقين “كجويتاين” و”لابيدوس”  من أشاد بثورة الإسلام في تاريخ التمدن العالمي.

3- خـاتـمـة :

لا ينكر أحد حقيقة أن للمسلمين مدينة وعمرانا خاصا بهم. وتعتبر معظم الآراء التي تناقض هاته الفكرة استشراقية تود النيل من الإسلام والعروبة. ولهذا يجب علينا أن نقوم بمزيد من البحث في هذا المجال حتى يكون بإمكاننا رد كل هاته المزاعم عليهم.

—-

(*) جامعة محمد الأول بوجدة- كلية الآداب.

1. أضفت كلمة “مكرمة” حتى يتم التفريق بين التعريف العام للكلمة والمكان المقدس الموجود في السعودية.  كل هاته النصوص ترجمتها حرفيا من كتاب “جوهين”.

2. ابن الأزرق: بدائع السلك في طبائع الملك n تحقيق د. محمد عبد الكريم، نشر الدار العربية للكتاب، 1977، ج1، ص 344-231.

3. ابن رضوان: الشهب اللامعة في السياسة النافعة- تحقيق د. سامي النشار، نشر دار الثقافة، الدار البيضاء. 1984. ص. 232، ابن الأرزق: المرجع السابق، ج 1 ص. 223.

4- G. Jehel- La ville médiévale. Paris, Armond Cohin, 1996.

5. محمد عبد الستار: المدينة الإسلامية. سلسلة عالم المعرفة: الكويت 1988، عدد: 128.

6. القاموس المحيط، بولاق- القاهرة 1289 ه . ج 4 ص. 195.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *