حقـوق الإنسان فـي الإسـلام


minbar

الخطبة الأولى

أما بعد : عباد الله : لقد بات موضوع حقوق الإنسان حديث الساعة حتى غَدَا الاهتمام به واضحا من خلال عقد المؤتمرات والندوات، وإبرام المواثيق والاتفاقيات، وذلك من أجل معالجة جميع الجوانب والظروف والحَيثيات التي تسهم في تعزيز حقوق الإنسان، وتهيئ السبل الكفيلة لحمايتها.

وقد أصبح معروفا أن تطبيق حقوق الإنسان يُعَدّ معيارا لمعرفة مدى التزام دولة ما بمبادئ العدل والإنصاف وحماية حقوق مُواطنيها وحرياتهم، كما أنه يُعَدّ أداة لقياس مدى إدراك ووعي تلك الشعوب بالتمتع بها. بل إن أهم عنصر في الأنظمة الديمقراطية -كما يقولون- هو رعاية حقوق الإنسان.

وأيّاً كانت أسباب ودوافع الاهتمام بحقوق الإنسان، فإنه يبقى للتشريع الإسلامي رونقه ووضوحه وعمقه وأصالته، لأنه ينطلق في تحليله لحقوق الإنسان من الشريعة الإلهية الربانية، بدليل قوله تعالى: {وما كان لمومن ولا مومنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان تكون لهم الخيرة من امرهم} والتاريخ الذي لا يحابي أحدا، ولا يكذب على أحد، يشهد لواقعية الإسلام في كيفية تعامله مع حقوق الإنسان.

ولا جرم أن المجتمع الإنساني اليوم حين أبعد شرع الله وتعاليم الإسلام، واستظل بظل النظم الوضعية، فقدْ ضيّع السند والنظام الذي يحمي تلك الحقوق ويُبقيها دون تَعَرّضٍ للتآكل. ولا أدلَّ على ما نقول من أن حقوق الإنسان لم توضع قطّ موضع التنفيذ في تاريخ الإنسانية إلا حين جاء الإسلام وانتشر الوعي الإنساني بين أفراد الأمة الإسلامية، فتأصلت هذه الحقوق ورسخت بين مختلف الطبقات الاجتماعية ولم يعد هناك أي مجال للتشكيك فيها، ولم يخضع أي مبدإ من مبادئها للنقاش، خاصة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفاءَه الراشدين، والرعيل الأول من المؤمنين والصادقين، قد جسدوا تلك الحقوق السامية في سيرهم، فَغَدَوْا النموذجَ المثالي والدائم للمسلمين وغيرهم، في تطبيقها ومراعاتها.

عباد الله: إن حقوق الإنسان في الإسلام قد تميزت بمجموعة من الخصائص والسمات حيث قامت على أساس الوحدانية المطلقة في العقيدة امتثالا لقول الله تعالى: {هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المومن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما يشركون}، فلا شريك لله عز وجل في حكمه وملكه، بل هو وحده الذي يُعبَد بحق، وهو وحده الذي يقصده القاصدون، ويلجأ إليه اللاجئون، وهو المقصود بقوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين}، فلا يُعبد إلا هو ولا يُستعان إلا به، وهو الذي يُعز ويُذل، ويعطي ويمنع، وما من شيء في الارض ولا في السماء إلا وهو في علمه، وعلى عينه، وتحت قدرته، وفي متناول قبضته، فالسيادة التامة والحكم المطلق لله عز وجل، مصداقا لقوله تعالى: {إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين}، وقولِه تعالى: {ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين}.

هذا السمو في فهم الوحدانية كان له أثر كبير في رفع مستوى الإنسان وتحرير الشعوب من طغيان الطغاة وتجبّر الأقوياء على الضعفاء، وهذه الوحدة في العقيدة تطبع كل الأسس والنظم التي جاءت بها حضارة الإسلام، فهناك الوحدة في الرسالة، وهناك الوحدة في التشريع، وهناك الوحدة في الغاية، وهناك الوحدة في الكيان الإنساني العام، وهناك الوحدة في وسائل العيش، والوحدة في أساليب التفكير والتدبير، وهناك الوحدة في القيم الفردية والنظم المجتمعية، وكل ذلك أساسه الوحدة في المنطلق والوحدة في المصدر والمرجع. ولنا بهذه المناسبة أن نتساءل: أين مفهوم الوحدة في شتى مجالات حياتنا اليوم؟

لقد احتال علينا الغرب فانتزع منا وحدتنا انتزاعا ليجعلها أساسا متينا لبناء مجتمعه الإنساني، وصدَّر لنا عوضها مفاهيم  مخالفة ومغلوطة لا تزيد المجتمع إلا تفرقا وتشتيتا وتمزيقا.

وثاني الخصائص والسمات التي تميز حقوق الإنسان في الإسلام أنها إنسانية النزعة والهدف، عالَمية الأفق والرسالة، وذلك واضح وملموس فيما أعلنه القرآن الكريم عن وحدة النوع الإنساني رغم اختلاف الألوان والأجناس في قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، فانتقلت الإنسانية من أجواء الحقد والكراهية والتفرقة إلى أجواء الحب والتآلف، والتسامح والتعاون، بدليل قوله تعالى: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا}، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمُنّ أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة))، وانتقلت الإنسانية كذلك من التمايز والتفاضل على أساس الطبقية والعصبية والانتماء العرقي إلى التساوي أمام الله عز وجل، وأمام القانون، تساويا لا أثر فيه لاستعلاء عرق على عرق أو فئة على فئة، أو أمة على أمة إلا على أساس شرعي، بدليل قوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}، وقوله صلى الله عليه وسلم : ((إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم، وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى)). وموقفه صلى الله عليه وسلم  من القوم الذين جاؤوا يستشفعون عنده للمرأة التي سرقت حتى لا يُقام عليها الحدّ وتنال العقوبة اللازمة، فكان ردّه صلى الله عليه وسلم : ((والذي نفس محمد بيده لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها)).

ولقد كانت مضامين خطبة حَجة الوداع إعلانا صريحا من حبيب الحق وسيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم  لأول ميثاق لحقوق الإنسان في تاريخ البشرية جمعاء حينما ارتفع صوته صلى الله عليه وسلم  أمام الجموع الغفيرة من المسلمين في مشهد عظيم وموقف جليل، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : ((أيها الناس: إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم)) ومنها قوله: ((إن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، فاتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا)).

عباد الله: تأملوا هذا الكلام من خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلكم يسمع بالقولة المشهورة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا))، وقارنوا بين كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم  وكلام عمر رضي الله عنه من جهة، وبين ما جاء به الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من جهة أخرى حيث ورد فيه : (يولد جميع الناس أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وُهبوا عقلا وضميرا، وعليهم أن يعامِل بعضهم بعضا بروح الإخاء)، إن هذا النص لم يأت بجديد، وإنما يزيد القارئ تأكيدا على أن ما جاء به الإسلام قد كان أعظم رافد من روافد إقرار الحقوق الإنسانية التي نهلت منها المجتمعات الغربية.

وعجبا أن تكون المبادئ التي طالما صدّرها المسلمون للناس كافة عبر العصور، يُعاد تصديرها إليهم على أنها اكتشاف إنساني جديد من صنع الغرب وإنتاجه، ونحن -المسلمين- نملك تراثا مليئا بالمبادئ الرفيعة والمثل العليا، ونخشى أن يأتي علينا يوم يصدر فيه الغرب إلينا أن غسل الوجوه والأيدي والأقدام هو نظافة إنسانية للأبدان، فإذا قلنا ذاك هو الوضوء الذي نعرفه في ديننا وشريعتنا، اتهمونا بالتعصب والتخلف والتطرف ورفض التقدم العلمي ورفض الآخر والتعايش معه، وأرغمونا على الاعتراف بأن ما يمليه علينا الآخر هو الصواب.

فاللهم ألهمنا رشدنا وفقهنا في ديننا وأصلح لنا أحوالنا ويسر لنا أمورنا وتقبل منا صالح أعمالنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، ويرحم الله عبدا قال آمين.

الخطبة الثانية

الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه

إن من مزايا الإسلام وخصائصه أنه يؤسس التكاليف الشرعية على أمرين هامين هما: الحقوق والواجبات، فالإسلام يقرر أن للإنسان حقوقا تُرعى، كما أن عليه واجبات تُؤدى، وكل واجب يقابله حق، كما أن كل حق يقابله واجب، وحق كل إنسان هو واجب على غيره أو على نفسه، فحق الأولاد في الرعاية هو واجب على الآباء والأمهات، وحق الآباء والأمهات في الطاعة والامتثال، وفي البر والإحسان، هو واجب على الأبناء، ولما أقر الإسلام حق الآباء في الإكرام والرعاية عند العجز أو الكبر والشيخوخة بيَّنه على شكل واجبات مفروضة على الأبناء، ليكون ذلك أشد وقعا على من فُرض عليه الواجب حتى يحرص على أدائه، دون أن يشقى صاحب الحق في المطالبة بحقه، قال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه، وبالوالدين إحسانا، إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا}، وكذلك حينما أقر حق الفقراء والمساكين وذوي الحاجة في كفايتهم من العيش فرض ذلك على أنه واجب على الأغنياء والميسورين، قال تعالى: {والذين في أموالهم حق للسائل والمحروم}، وهكذا أقر الإسلام حقوق الإنسان وأمر بالمحافظة عليها، وجعلها واجبات وفرائض ضمانا لتحقيقها، لأن حق الإنسان يمكن أن يتنازل عنه، ولكن واجبه المفروض عليه يلزمه أن يراعيه وأن يقوم به دون إهمال أو نسيان أو تفريط، وهذا هو الفرق البيّن الواضح بين فلسفة الإسلام في إقرار الحقوق، وبين غيره من القوانين الوضعية في ذلك، فالتعليم مثلا هو عند الغرب حق للفرد، ومعناه أن هذا الفرد له أن يتعلم وله أن لا يتعلم، ولكنه في الإسلام فرض وواجب، ومعناه أنه يلزمه التعلم، بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة”، ثم إن الأولى أن كل من تعلم شيئا يلزمه أن يُعلمه لغيره، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ((لا ينبغي للعالم أن يسكت على علمه، ولا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله)). وتوجيه المخطئ والمنحرف عند الغرب حق، وفي الإسلام واجب، ويدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق. ومقاومة الظلم حق من الحقوق التي يطالب بها الغرب، ولكن في الإسلام واجب فردي وجماعي، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : ((إن الناس إذا رأوا الظلم فلم بأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده)).

عباد الله: لو أننا -نحن المسلمين- انطلقنا من ذاتنا ومن أصولنا وثوابثنا وثقافتنا التي ينبغي أن نتمسك بها ونتربى عليها ومن مفاهيم شريعتنا لحقوق الإنسان، لسهل علينا فهم هذه الحقوق ثم العمل بها واحترامها حتى ولو نادى بها غيرنا، وإن من أولويات هذه الانطلاقة أن نقف على ما يتميز به الإسلام لحقوق الإنسان، وما يرتبط بها من مبادئ وقيم، لندرك الحاجة الماسة إلى ضرورة العودة إلى الله جل وعلا من خلال شرع الله لضمان حقوق الإنسان أيا كان، ولا سبيل للإقناع أفضلُ من تطبيقنا نحن المسلمين لما جاء به شرعنا الحنيف في هذا المجال، لأن الإنسانية في هذا الزمن لا تشكو قلة النصوص التشريعية والقانونية المنظمة لعلاقة الإنسان بالإنسان سواء على مستوى الأفراد والمجتمعات، وإنما تشكو سوء الفهم والتأويل لينعكس الأمر سلبا على التنفيذ والتطبيق، ويتحول الأمر من المطالبة بالقوانين الجادة التي تسعى إلى الرفع من مستوى الإنسان وصيانة كرامته وعزته، إلى المطالبة بالقوانين الشاذة التي تمس بكيان الإنسان وتقضي على مروءته، وهذا الذي يهدد حياة المجتمعات الإنسانية ويهدم صرح البشرية.

فاللهم نبهنا من غفلتنا، وأيقظنا من غفوتنا، وتب علينا توبة نصوحا، وأصلح فساد قلوبنا وانحراف سلوكنا وبعدنا عنك، اللهم ردَّ بنا إلى دينك ردا جميلا.

وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارض اللهم عن الخلفاء الراشدين، وعن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

 

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *