الإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر: مقالات ودلالات


أولا فـي الإشـكـالات:
أول ما يواجهنا من الإشكالات في هذا المجال هو إشكالات التعريف : فما هو الفكر الإسلامي المعاصر؟ أهو الذي أبدعه المسلمون في فهم الدين والواقع؟ أم هو كل ما أُبدع عن الإسلام والمسلمين من قبل المسلمين أنفسهم ومن قبل غيرهم من مستشرقين ومستعربين؟ أم هو ما أبدعه المسلمون الملتزمون بالإسلام من أبناء الحركات والتيارات الإسلامية أم يدخل فيه كل ما كتبه العلمانيون واليساريون وغيرهم من مواطني المنطقة العربية والإسلامية؟… وبأي معنى يكون الإصلاح ؟ أهو بمعنى الثورة والانقلاب الجذري على كل الفكر الإسلامي التراثي والبحث عن أسس جديدة معاصرة؟ أم هو إصلاح ينطلق من الذات ومقوماتها ويكتفي بها؟ وهل الإصلاح ينصب على الوافد المكاني (العلوم والمعارف الواردة من الغرب) أم ينصب على الوافد الزماني (التراث)؟ أم عليهما معا؟ وماذا يقصد بالتراث الإسلامي؟ أهو كل ما وصلنا من التاريخ الإسلامي وحيا إلهيا واجتهادا بشريا ؟ أم هو فقط ما أسسه المسلمون من علوم ومعارف ومناهج في فهم الدين وتنزيله على الواقع؟ وكيف تتم عملية الإصلاح والاستصلاح؟ هل بالمقاييس الغربية الوافدة أم بالمقاييس الشرعية؟ وهل انطلاقا من رؤية الذات لذاتها أم انطلاقا من رؤية الغرب لها ؟ ولقد كان السعي المعاصر للإصلاح مثقلا بآثار هذه الصعوبات والإشكالات، ولم يكن من السهل مباشرة الإصلاح دون استحضارها، ودون التفاعل معها والتأثر بجهة من جهاتها؟ لذلك وجدنا تعدد المقالات واختلاف المصلحين. وبناء عليه نتساءل: ما هي المقالات التي ظهرت في سياق التنظير لإصلاح الفكر الإسلامي؟ وما هي سياقاتها ودلالاتها؟
ثانيا فــي الـمـقالات: مهما تعددت هذه المقالات وتنوعت وتفرعت إلا أنه بالإمكان إرجاعها إلى أصلين اثنين، هما:
> الأول مقالات ذات مصدر إسلامي: تنطلق من الذات ومقوماتها، وترتكز على الثوابت الشرعية والأصول الإسلامية المرعية قواعد ومقاصد، أصولا وفروعا. وهذه المقالات على ما يجمعها من وحدة المصدر والاجتماع على الأصول فإن المصلحين تباينت أنظارهم في الإصلاح لتباين مواقفهم من العلوم والمعارف والمناهج الوافدة من الغرب، وما المقبول منها وما المردود؟ ولتباين موقفهم في مجال الإصلاح: أهو السياسة أم الاقتصاد أم التربية والتعليم أم الإعلام؟ أهي من فوق أم تحت؟ وبأية وسيلة؟ أهو بالعنف والقوة أم بالمشاركة السياسية والحزبية أم بالتربية السلمية والتغيير الثقافي والاجتماعي الطويل المدى؟… كما تباينت الأنظار واختلفت الاجتهادات لاختلاف قوة الانكسار أمام الغرب، ودرجة الانبهار بحضارته، وتبعا أيضا لقوة الثقة في الذات ومقوماتها أو ضعفه.
> الثاني مقالات ذات مرجعية غربية: وهذه المقالات على الرغم من اختلاف أدواتها ووسائلها وطوائفها فهي تتوحد على القول بوجوب إصلاح الفكر الإسلامي انطلاقا من المستجدات المعرفية والفكرية والمنهجية الوافدة من الغرب، وأغلب هذه المقالات لا تميز في الإسلام بين الوحي الرباني والتراث كإبداع علمي للمسلمين، ولا بين الثوابت والمتغيرات ولا بين القطعيات والمعلوم من الدين بالضرورة ولا بين الظنيات القابلة لتفاوت الأنظار..، وتلتقي هذه المقالات أيضا على المرتكز العلماني في الفصل بين الدين والحياة، ورفض الاحتكام إلى الدين وتطبيق الشريعة، واستلهام تجربة الإصلاح الديني في الغرب وما تلاه من تطورات ابتدأت بإصلاح الدين وانتهت إلى الثورة على الدين وتجاوزه. وقد تجسدت هذه المقالات في العالم العربي الإسلامي تحت مسميات عديدة وحركات شهيرة، فكرية ثقافية أو حزبية سياسية، مثل الحركة القومية العربية، والأحزاب والتيارات السياسية العلمانية اللبرالية منها والاشتراكية، والمنظمات والجمعيات النسائية وكثير من الهيئات الحقوقية، والمؤسسات الاقتصادية، والتيارات والمذاهب الفلسفية والأدبية والفنية (وضعية، ماركسية، وجودية، بنيوية. وما بعد الحداثية..) ومراكز البحث والدراسات التابعة إداريا للغرب أو إيديولوجيا…
ثالثا فـي الـمجـالات: يظهر مما سبق أن اختلاف المقالات واختلاف مصدريتها ومرجعيتها يساعدنا في التعرف على المجالات التي تشتد الحاجة إلى إصلاحها عند كل طرف. فمقالات المصلحين الإسلاميين حصرت مجال الإصلاح عامة في: – إصلاح الفكر البشري والفهم الإنساني للدين وليس إصلاح الإسلام كدين، وإصلاح تصورات الناس (عن الله تعالى وعن الدين والحياة والإنسان والمصير) وفق أصول الإسلام، وليس إصلاح أصول الإسلام وفق ما عند الناس من تصورات وأفهام. – تجديد تدين المسلمين وليس تجديد دين المسلمين، فالمسلم يحتاج إلى تجديد تدينه وتصحيح سلوكه وتصرفه مع الله جل وعلا ومع ذاته ومع أخيه الإنسان وفق أحكام الدين وأصول السنة والقرآن، وليس تجديد أحكام السلوك والمعاملة كما وردت في الشرع قرآنا وسنة وإجماعا. – إصلاح أدوات النظر والاجتهاد التراثية وتجديدها، واستصلاح الوافد من الغرب بما لا يعود على الدين وأصوله وقطعياته بالهدم والإبطال أو بالمناقضة والمعاندة. – إصلاح الواقع والإنسان وفق موازين القرآن، لا إصلاح القرآن وفق موازين الواقع والإنسان، لذلك ركز أغلب المصلحين المسلمين على الإصلاح التعليمي والتربوي لأنه المدخل الصحيح لإصلاح تدين الناس تصورا وتصرفا، تفكيرا وتعبيرا وتدبيرا. – أما المقالات ذات المرجعية الوضعية فجعلت مجال الإصلاح عكس ما سبق، فإصلاح الفكر الإسلامي إصلاح للإسلام أولا وللإنسان ثانيا وللواقع ثالثا، وفق منجزات الحضارة الغربية وتقنياتها الفكرية والمنهجية والمادية، فالمرجعية للواقع وحركيته لأنه حاكم على الفكر أما الدين والفكر فتابع لذلك، لذا كلما تغير العصر تغير الفكر والثقافة، أو وجب تغييرهما تحقيقا لشرط المعاصرة. وفي هذا السياق توجهت الدعوات من قبل أصحاب هذا التيار لإعادة قراءة التراث، وانطلقت المشاريع والأوراش الفكرية الكبرى في الدعوة إلى تجديد الدين والقول بنسبية أحكامه وتاريخيتها (ارتباطها ببيئتها ومجتمعها وحاجات العصر ودرجة التطور فيه..)، وفي هذا السياق أيضا تعالت النداءات لمراجعة أحكام الدين أصولا وفروعا وفق الرؤى الفكرية الغربية للإنسان والدين التي هي رؤى علمانية شكلا ومضمونا، وسائل وغايات، وصار الدين والشريعة عرضهما مستباحا للنظر والتصويت الشعبي وأصبحت أعناق النصوص والقطعيات تلوى لتوافق مختلف الأهواء والأفهام أو تلغى وتطوى. وكما ركز مصلحو التيار الإسلامي على الإنسان تعليما وتربية، ركز التيار الوضعي على الإنسان أيضا تعليما وتربية، لأن تغيير الإنسان وتشكيله وفق المقاس الوضعي هو الكفيل بتحقيق التغيير في الدين وفي واقع المسلمين، من واقع يدين بدين الإسلام إلى واقع يدين بأي دين (= دين الأقوياء من بني البشر)
رابعا في الدلالات و الخلاصات : إن اختلاف مقالات الإصلاح في الفكر الإسلامي المعاصر تدل على جملة أمور منها:
- اختلاف مصدر التلقي، ومرجعيات التحليل والفهم، واختلاف مناهج النظر وآلات الإبصار.
- اختلاف المقاصد والغايات بين من يرمي إلى تحرير الإنسان من كل السلط المادية والبشرية وتعبيده لله تعالى الخالق من عدم، والرازق بكل النعم، العدل اللطيف الخبير، وبين من يرمي إلى تعبيد الإنسان للإنسان وللمادة والتقنية، واستعباده واستلابه.
- حتمية التدافع بين الحق والباطل، وحتمية اتخاذ الوسائل المادية والمعنوية للتمكين، وكل من أحسن توظيفها كان له هذا التمكين.
- استقواء التيارات العلمانية بالغرب وقوته هو استقواء مرحلي زائل حتما لحتمية التداول الحضاري، واستقواء التيارات الإسلامية بالله تعالى استقواء بالباقي، وما تأخر حصول التمكين إلا لتخلف شروطه ولوازمه، ولأن زيادة الابتلاء لزيادة التمحيص.
- اتفاق المشروعين الإسلامي والغربي على البدء في الإصلاح بالإنسان تربية وتعليما ليسهل إصلاح ما بعده انعكست آثاره على الصراع على مراكز القرار ومؤسسات التربية والتعليم والتكوين والإعلام باعتبارها المداخل الرئيسة لإصلاح أي إنسان وأي مجتمع والتفريط فيها إجهاض لمشروع الإصلاح وفشله قبل أوانه، إذ لا إصلاح إلا بإصلاح المجتمع بمؤسساته ومجالاته، ولا إصلاح لمجتمع إلا بإصلاح الإنسان تصوراته قبل تصرفاته، ولا إصلاح لتصورات الإنسان وتصرفاته إلا بإصلاح منظومة التربية، وكل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقوة الوجوب على قدر قوة الحاجة طردا وعكسا.

د. الطيب الوزاني

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>