دور الـمـؤسسـات التعليمية(1)


إن على عاتق المؤسسة التعليمية التربوية -بكل أنواعها وأطوارها- تقع مسؤولية تكوين الإنسان الصالح المصلح (المتقي المبتكر)، الذي ينتظر منه أن يبني حضارة إيمانية زاهية، وذلك ببرامجها ومناهجها المقررة وفقا لأهداف تربوية واضحة، وبأطرها التربوية التعليمية وبمختلف وسائلها التثقيفية، والمدرسون لهم دور كبير في التربية الحضارية، لأنهم يمثلون القدوة في العلم والسلوك، وفي الرؤى المستقبلية وغيرها، يقول د عبد العزيز برغوت : ” ينبغي أن ندرك أن رسالة المعلم أو الأستاذ أصبحت اليوم أكثر من أي وقت مضى ذات أبعاد حضارية مصيرية شاملة.. ولما كان للعولمة والمعلوماتية أبعاد حضارية وكونية تطلب الأمر إعادة النظر في فلسفة التعليم ومراجعتها بصورة نعيد فيها تأكيد الأصالة الذاتية لأمتنا وثقافتنا، كما نستوعب فيها المنجزات الضخمة في مناهج وأساليب وتقنيات التعليم والتربية والاتصال والإدارة والتوجيه وو…”(1).

ومعلوم أن الدور التعليمي التربوي للمؤسسة التعليمية يتركز على تنمية وتطوير قدرات الأطفال التي وضعت لبناتها الأولى في البيت وفي الروض، وعلى صقل مواهبهم، ونفض غبار التخلف عن عزائمهم، وشحذ فعاليتهم، و طاقاتهم، حتى تستيقظ فيهم روح العمل ويتدفق عطاؤهم، وذلك في إطار تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام وعن الحضارة، وعن علاقة العلم بالإيما1ن في الإسلام وغيرها، وذلك لإزالة التصور العلماني عن حقائق هذه المفاهيم وعلاقاتها ببعضها، وأول ما ينبغي الاهتمام به من لدن المؤسسات التربوية بخصوص الشباب هو علاج أزمة الهوية عند هم، وفيما يلي بعض التفصيل لجوانب الإعداد في شخصية الشباب المسلم الناهض :

أ- الإعداد العقلي والعلمي : مما ينبغي التذكير به هنا أن النقص الكبير في معرفة حقيقة الإسلام وقوته هو الذي سبب الفجوة الكبرى التي أحدثتها الثقافات الوافدة والأنظمة التعليمية، على الأجيال بسبب تلقيها مناهج ملفقة أو ناقصة أو مضطربة جعلت الأجيال يتصورون أن تاريخ الإسلام ولغته وحضارته غير قادرة على العطاء الحضاري أوحتى مجاراة الحضارة الحديثة وتكنولوجيتها، وهذا النقص أو الجهل بشريعة الإسلام وغياب سلطتها ودورها في حياة المجتمع وحركته ونشاطه، فضلا عن أثر الثقافات الوافدة، كل ذلك أدى إلى اضطراب مفهوم القيم في أذهان الشباب، بل جعلهم مستلبين ومعجبين بالعادات والتقاليد الغربية، خاصة الاستهلاكية منها والمنحرفة، وشاعت في أوساطهم أفكار ومعتقدات منافية لقيم الدين ومعتقداته، فضعف الوازع الأخلاقي، وضعف الإيمان بالله وغابت التقوى على مستوى السلوك، يستثنى من ذلك فئات غير قليلة من الشباب يرجى منها الخير إن شاء الله تعالى، ولو تكشف للشباب المسلم المتعلم أو المثقف حقيقة تميز الإسلام لزالت من نفسه هذه المشاعر التي تجعله معجبا أو مستلبا للفكر الوافد منتقصا لدينه وتراث أمته، لذلك، ولأ جل تفعيل دور المؤسسة التعليمية -في إطار التربية القرآنية القائمة على العلم والعمل- لأجل النهوض بحضارة الأمة على نهج المتقين، ينبغي العمل على مايلي :

- إيلاء القرآن العظيم في المناهج التعليمية، ما يستحق من الاهتمام -تعلما، وحفظا، وترتيلا، وفهما، وتطبيقا- لأنه الكتاب الذي يهدي للتي هي أقوم، ومعه وحي السنة البيان، فالسنة مفتاح القرآن ودليل العمل والسلوك وفق تعاليم القرآن، وأول ما ينبغي معرفته من خلال القرآن، هو الله تعالى بأسمائه وصفاته، وأحكام شرعه، ثم معرفة حقيقة الإنسان باعتباره ابن آدم خلقه الله من تراب ونفخ فيه من روحه، وكرمه بالعلم وفضله على كثير من خلقه، فهو سيد في الكون وليس سيدا له، ومعرفة علاقة الإنسان بالكائنات الأخرى وما يجب عليه تجاهها، ومعرفة سنن الله في الكون، وكيف ينبغي تسخيرها والاستفادة منها، غرس حب العلم والاستزادة من العلوم النافعة، وتحرير الفكر من التقليد والخرافة، وتمرنه على طلب الحجة والبرهان..

- التركيز على إعادة الثقة للشباب بحضارة أمته، بالتعريف بحقيقة الإسلام وقوته العلمية والخلقية والحضارية، من أولى الأولويات التربوية. – تنقية المقررات و البرامج المرتبطة بالعقيدة من رواسب الفكر الإرجائي / التواكلي، من جهة، ومن رواسب الفكر العلماني الإلحادي من جهة أخرى.

- الإعلاء من شأن العقل المسلـم، وإدراك مكانته ووظيفته في بناء الحضارة وإسعاد البشرية، فالإسلام دين العقل والعلم وليس دين خرافة أو جهل، كما يظن به جاهلوه، ويوظفه مستغلو الشعوب وقاهروهم من أهل الضلال، وقوى الشر الداخلية والخارجية، وكل من له اتصال بالقرآن يلحظ مدى اهتمام القرآن بالقدرات العقلية بما فيها التفكر والتذكر والتدبر والاعتبار وغيرها، مما لايسع المقال للاستدلال عليه بالنصوص القرآنية.

- تركيز حقيقة توافق العلم والإيمان في الإسلام، وكون التقوى، والتفوق العلمي، كلاهما قائمان على الرسوخ في العلم، وأول آية نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم تأمر بالقراءة وبالتعلم لمعرفة الخالق والمخلوق وسبيل الهداية والفلاح، من وحي الله تعالى، الذي هو مصدر علم الإنسان، إذ به كرم الله آدم عليه السلام وعلمه كل الأسماء، كما كرم به ذريته من الأنبياء ، فالعلم في الإسلام لم يكن يوما ما، نقيضا للإيمان بل كان داعما له، مصداقا لقوله تعالى : {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هوالحق}(سبأ : 6).

ومفهوم العلم ليس قاصرا على العلوم الشرعية المستفادة من نصوص الوحي المقروء فقط، بل كما يؤخذ العلم من الوحي المقروء (القرآن والحديث) يؤخذ من الوحي المنظورفي الكون، بدليل أن العلماء الذين يخشون الله هم الذين يتدبرون آياته الكونية على ضوء آياته القرآنية كما يفهم من قوله تعالى : {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا الوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلفا الوانها وغرابيب سود ومن الناس والدواب والانعام مختلف الوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء}(فاطر : 27- 28)، يقول أحد الباحثين : “وأطلق الحق سبحانه وتعالى على ظواهر الطبيعة، وبيئة الإنسان، وأجزاء الفضاء الرحب، عبارة: (الآيات)، التي لا ترجمة ولا شبيه لها في أية لغة على الإطلاق، فهي كلمة تجمع المحسوس والمجرد في آن واحد، وتوحي بأن مخلوقات الله لا تقتصر على الشكل المادي الملموس والمرئي، بل هي آيات أوجدها الله حتى يتدبرها قوم يعقلون، أي يعملون عقولهم إزاءها”. وكان العلم بهذا المعنى في حضارة الإسلام، لا تفسيراً لظواهر الطبيعة، أو جسم الإنسان فحسب، بل عملية مستمرة، غايتها إدماج الإنسان في الطبيعة، وفي الكون: {إنّ في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماءٍ فأحيا به الارض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والارض لآيات لقوم يعقلون}(البقرة:146)”(2).

- ولذلك فالبحث العلمي أو النظر العلمي في التعليم الإسلامي الصحيح يتوخى التعرف على سنن الله في الآفاق لتسخيرها وحسن التعامل معها، وسننه في الأنفس لتربيتها وتوجيهها وتغييرها صوب الهدف الإسلامي الواحد، أي أن النظر العلمي في المنهج القرآني لا يقتصرعلى تفسير الظواهر الطبيعية -مادية كانت أو إنسانية- بل يتعدى ذلك ليبحث عن الأسرار والحكم والغايات، أي أنه يجيب على سؤالي : كيف؟ ولماذا؟ بخلاف المناهج العلمية المادية التي تخلت عن سؤال لماذا؟ لصالح الفلسفة لأن الجواب عنه في نظرهم لا يخضع للتجربة والتحقق من صدق الفرضية.

- تعليم العقيدة الصحيحة وتصحيح المفاهيم التي أسيء فهمها من لدن البعض من ذلك؛ عقيدة القضاء والقدر والجبر والاختيار، إنها عقيدة -رغم ابتعاد المناهج الدراسية الحديثة، فيما يلقن حاليا، عن تعقيدات الكلاميين قديما- فمازالت عقائد غالبية الناس، عمليا وسلوكيا، متأثرة إما بالجبر والإرجاء (التواكلية والسلبية)، أو ببقايا الفكر الاعتزالي الذي يغذيه الفكر العلماني بدعوى عقلانية الإنسان وتحرره.. فعقيدة القضاء والقدر إذا صحت وسلمت من الشبهات تعصم صاحبها من الخوف والقلق المؤديان للانتحار أو الانحراف والارتماء في أحضان المخذرات من جهة ، ومن الغرور البشري والتشكك في إحاطة علم الله وقدرته بأعمال الإنسان، من جهة أخرى، يقول أحد الباحثين : ” مفاهيم : القضاء والقدر، و التوكل، طلب الرزق، الأجل..الخ ” هذه المفاهيم لو أدركت حق الإدراك لتحولت إلى محفزات للعمل البناء، ولو انجلت وجعلت مسلكا عمليا لتغيرت المسيرة الحضارية الإسلامية البناءة”(3) عن الأهدل في أصول التربية الحضارية ص : 241).

- ودور التقوى وفعاليتها في تربية العقل تكمن في كونها فطنة وحذرا من غضب الله، والخوف من عقابه، مما يقوي الشعور بالمسؤولية ويولد الرغبة الصادقة باتقاء المخوف منه، وفي كونها أيضا تحرر التفكير من الهوى ومن التخبط الفكري والفوضى العقدية، ومن العبودية للمادة، وتخلصه من الاضطراب والشكوك الذهنية والنفسية، وتربيه على الحرص والطاعة والسعي لمرضاة الله، و تحفزه على الإحسان في العمل، وبذلك فهي حكمة وتعقل ورزانة،
د محمد البوزي
——

1- الأدوار الحضارية للمعلم ودواعي التجديد في الفلسفة التعليمية.

2- أحمد القديري كتاب الأمة عدد 44 الإسلام وصراع الحضارات ذو الحجة 1415هـ.

3- الحسن محمد علي في كتابه : مفاهيم يجب تصحيحها ص 12.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>