افتتاحية – أعزنا الله بالإسلام … فمتى نُعز الإسلام ونعتز به؟!!


لقد أنعم الله عز وجل على أمة المسلمين بنعمة الشرف للانتساب إلى هذا الدين، وأعز أهلها فأخرجهم من عبادة بني الإنسان وعبادة أهواء الإنسان وأصنام الإنسان، إلى عبادة الله الملك الديان خالق الموجودات ورب الأكوان.

وأعز الباري جل جلاله هذه الأمة، فحملها أمانة هداية الناس إلى الخير، وأنزلها في أعلى مراتب القمة، إنها مرتبة الخيرية التامة، ومرتبة التكليف بإصلاح الغير وهدايته إلى الرحمة والخير، والشهادة على الناس بالعدل وإرشادهم إلى كل مكرمة وفضل.

لقد أدرك الصحابة هذه النعمة واعتزوا بها، وقدروا قيمتها وأعزوها، وعملوا بها ولها، فأعزهم الله بها.

عز الصحابة وأدركوا العز بعد إعزازهم لدين الله وتعظيم حرماته، والتزام شريعته، والجهاد في سبيله، وحفظ قواعده ودرك مقاصده.

كما أعز الله هذه الأمة في القرون الخيرة وما بعدها لا لذاتها وإنما لسيرها على نفس النهج والتزامها روح الهدى، فكلما اجتهد الناس – أفرادا وجماعات- في فهم الدين وتفانوا في العمل به، وتناصحوا في  تبليغه إلى أقصى ما تبلغه أجسامهم، وتناصروا في علمه وتعلمه، وفي تبليغه والإقناع به كل من تقدر عليه عقولهم وأحلامهم أدركهم الله بعنايته وأدخلتهم في ولايته.

وما أعز الله قوما من هذه الأمة إلا لنصرتهم لدين الإسلام بالعلم والعمل والدعوة، وبقوة الإقبال عليه وشدة القبض عليه.

وجهود الأمة عبر الزمان والمكان تبين أنهم أعزوا دين الله بفقه الدين وفقه الواقع وفقه الدعوة وفقه التنزيل وفقه المنهج وفقه الأصول والفروع، وفقه القواعد والمقاصد.

وأعزوا أمتهم بالوفاء لدينها ولثوابتها حقا وصدقا، قولا وعملا، ظاهرا وباطنا أفرادا وجماعات. فأعزوا الدين وأعزوا المسلمين.

وأعزوا الإسلام باتخاذ الوسائل القمينة بحفظه ونشره، بغرسه في النفوس، وفي الأسر والمجتمعات، وفي البيوت والصوامع والمنارات، وفي الشوارع والإدارات، فأنشأوا المؤسسات العاملة العادلة، الجامعة النافعة، وكونوا الهمم العالية الثابتة كالجبال الراسية فنجحوا في إصلاح القلوب العصية، وأفلحوا في فتح الشعوب الدانية والقاصية، وهزموا كل شرير وطاغية، ونالوا مرتبة الشهادة على الأمم القوية، وجعلوا كل شيء يسير في حياتهم على نهج الله، وجعلوا نهج الله هو الحاكم والمحكم في كل شيء، وسخروا كل شيء لخدمة الدين وإعزازه.

وتوالت على الأمة عهود رانت فيها على قلوبها أمراض شتى: أمراض الجهل والخذلان، وأمراض التنافس في الشبهات والشهوات، ووقعت في أمراض الاستلاب وفقدان الذاكرة ، والغياب والغيبوبة الحضاريين، وأمراض التمرد على شرع الله والجهر بالجحود والعصيان، فأصابها ما أصابها من الوهن والهوان، فدُخِل عليها من أطرافها وأوساطها، وسُلِبت خيراتها ومقدراتها، ومزقت أقطارها وأمصارها شر تمزيق، وفرق بين أبنائها شر تفريق، وضُيقت عليها المنافذ نحو الخير شر تضييق.

حتى وصلت الأمة اليوم إلى واقع شذ أن ترضاه أمة من الأمم، واقع انسلخ فيه المسلمون عن دينهم سراعا بعد أن كانوا يقبلون عليه أفواجا، وهرولوا إلى أحضان عدوهم أشبارا وذراعا، واستحلوا حرمة المحارم بعد أن كانوا يتنافسون في الطاعات والمكارم، وعمهم الجهل بالدين وغشيتهم العماية عن المنهج رب العالمين،

إن أمة المسلمين اليوم في حاجة إلى أمور مستعجلة:

أولا- استعادة الوعي بذاتها الحضارية والخروج من حالة الغيبوبة والغياب،  والجهل والاستلاب: وأول علامة في هذا الوعي استعادة وعيها بما يجلب لها عزها ويدفع عنها ذلها وهوانها.

ثانيا – إعداد مشاريع ثقافة البناء شاملة، هادفة، صادقة، عملية، وقابلة للتنفيذ عبر مراحل وجرعات لكنها حكيمة وسليمة، تنطلق من روح الإسلام ومن قواعد الدين وأحكامه ومقاصده، لتجديد التدين على منهاج النبي في الدعوة والبلاغ، وفي التربية والإصلاح، من شأنها تحقيق هذا الهدف السابق بنجاح.

ثالثا – التركيز على مؤسسات التعليم والإعلام واعتبارها  أول الأوراش الإصلاحية وأولاها بالعناية المركزة، فمنها دخل كل داء، ومنها كان ويكون إن شاء الله الدواء.

رابعا- رعاية أبنائها وإعادة احتضانهم والحنو عليهم، وإعداد محاضن تربوية، لتنشئتهم في حضن تربية إيمانية علمية وخلقية تصحح تصوراتهم وتصلح تصرفاتهم، وتقوي فيهم الاعتزاز بالدين والاعتزاز بالانتساب لأمة المسلمين، وتعيد إليهم الثقة في ذاتهم وفي أمتهم، وتعلي فيهم الهمم للبذل والتضحية، واستشعار روح العمل والمسؤولية، فإن ذلك كفيل بتجنيب الأمة كل سلبيات الهدر والهجر والغدر، أيا كان مصدره: الأمة أو الأبناء أو هما معا، فقوة كل أمة وضعفها متناسب طردا وعكسا مع قوة وضعف العناية بطاقات شبابها.

خامسا: تكوين الأطر ورعاية الكفاءات في كل الميادين، وتأسيس المؤسسات الثقافية الكفيلة بتحقيق هذه المشاريع.

نعم نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله.

لكن إعزاز الله لهذه الأمة مشروط بمقدار إعزازها لله ولدينه ولرسوله وللمؤمنين، فلا نسأل: متى يعز الله هذه الأمة؟ ولكن ليسأل كل منا: ماذا أعددنا لإعزاز دين الله وتعزيزه؟ وماذا فعلنا لأبنائنا لتنشئتهم على روح الاعتزاز بهذا الدين وأخلاق الفخر بالانتساب إليه؟

ففي الأمة خير كثير، والأمل في إحيائها قوي وغزير، ولابد من استئناف السير والمسير، وإصلاح السيرة والسيرة على هدى وبصيرة:” قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني”

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>