العلم والإيمان سبيلا سعادة الإنسان في فكر بديع الزمان(3/3)


توأمة العلم والإيمان لتحقيق سعادة الإنسان :

لقد تباينت الفلسفات والتصورات البشرية فيما بينها بسبب اختلاف منطلقاتها ومرجعياتها))  فمنها ما كان وضعيًّا بشريًّا قاصـرًا لقصر واضعه، ومنها الديني، ومنها الصحيح الموثوق به، ومنها الباطل المحرف المشكوك في ثبوته)) لما تباينت تلك الفلسفات البشرية تباينت بالضرورة التفاعلات والممارسات الحضارية لأصحابها، ومن ثم اشتد الصراع والتدافع فيما بينها.

أما الحضارة الإسلامية فقد  شيدت بنيانها على دعامتين اثنتين هما: الإيمان، والعلم، منطلقة في ذلك من مرجعيتها في تحديد معالم فلسفتها وتصوراتها، واستنادها للخطاب الإلهي الذي يقرن دائما بين الإيمان والعلم، قال تعالى: {الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم. والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم}(محمد: 1- 3). فالمؤمنون يعرفون أن الله عز وجل هو الذي خلق كل ما في الوجود، أما الماديون فيقولون إن الذرة هي أساس الكون، وهي التي تعمل كل شيء.

فالمؤمنون يعتقدون ويؤمنون بأن المدبر لكل شيء في هذا الكون هو الخالق جل جلاله، وأن الذرة هي التي تعمل ولكنهم يؤمنون بأن مَنْ جعلها تعمل هو الله تعالى، إن الذي ينظر إلى هذا الكون البديع يدرك أنه لا يمكن أن يكون قد نشأ عن الحركة العشوائية للذرات، بل لابد لكل مؤمن من التيقن من أن هذه الذرات تسير وفق نظام وضعه الخالق العليم القدير حتى يحفظ إيمانه من الزلل، أما من اعتقد بأن الذرة هي التي تُسَير العالم فإنه وبدون شك يكون قد شاب الخللُ اعتقادَه وتفكيرَه، فلابد من مواجهة هذه الادعاءات بالحجج العلمية التي تؤيد ما جاءت به الآيات القرآنية من أجل تقوية الإيمان ودعمها بالبراهين والحجج المستندة إلى العلم، وهذا ما فعله سعيد النورسي.

فقد كان رحمه الله يمثل ُ خُلق المؤمن الصحيح الذي لا يخشى إلا الله، ويؤمن بأن السبيل أمام  المسلمين لكي يفْلِتوا من مكايد الدول الغربية والنجاة من شباك الحضارة المادية هو التمسك بالإسلام، والأخذ بما يناسب من العلوم العصرية العلمية، وإرشاد الناس الى حقائق القرآن والإيمان ومكافحة الجهل. وكان يؤمن إيمانًا عميقًا بأن سلاح الكلمة التي تخرج من القلب الى القلب هو السبيل في هذا الزمان لتبصير المسلمين بحقائق الإيمان والثقة بالله والاتكال عليه مع الأخذ بكل أسباب العلم والمعرفة. وأن الايمان مقره القلب فإذا تمكن منه فإنه يحول الفرد إلى أمة، والأمة إلى سيل عارم ونور ساطع لا يقف أمامه شيء.

والعلم والإيمان ما اجتمعا في شيء إلا زاناه وجملاه، بل إن العلم في ميزان القرآن لا ينفك عن ثمرته التي هي الإيمان. فالعلم الحق بميزان القرآن هو الذي يقود إلى قيم الخير، ويجر إلى فضائل الأعمال ومحاسن السلوك، يتجلى ذلك في قول الله تعالى :{أَمَّنْ هُو قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبَابِ}(الزمر: 9).

فقد بين رحمه الله أن الحضارة الغربية تؤمن بالقوة والمنفعة وتعبد المال وتعتبره أساس الحياة ولا تؤمن بالحق، بينما الإسلام يدعو إلى الحق الذي يستعلي على القوة،  و يري أن المال مال الله والإنسان مستخلف عليه وخلافته عرضية تزول إذا أساء الاستعمال يقول رحمه الله :” إن الحضارة الأوروبية المؤسسة على أسس فاسدة، والتي تدّعي أن كل ما أتاها هو من عندها كادعاء قارون {إنما أوتيته على علم عندى}(القصص: 78) فلا تشكر ربها الذي أحسن اليها بفضله وكرمه تعالى، والتى رجحت كفة سيئاتها على حسناتها حيث سقطت في الشرك بفكرها المادي الملوث. إن هذه الحضارة تلقت صفعة سماوية قوية بحيث أبادت محاصيل مئات السنين من رقيها وتقدمها، ودمّرتها تدميراً وجعلتها طعمة للنار”(1).

ويضيف كذلك أن الحضارة الغربية تؤمن بالصراع والتصادم والحرية والديمقراطية بلا حدود بينما الإسلام يدعو إلى التعاون، ويستعلي بأوامر الله جل وعلا ويؤمن بالحرية في إطار ما رسمه الدين الإسلامي وفي حدود الشريعة. والإسلام يستعلي بالقلب الذي هو مكان الإيمان والذي يشع على العقل بنوره فيسير في طاعة الله بدفعه للأركان والحواس أن تلتزم بمنهج الله جل شأنه يقول :”وإنما تتحرك بخطى اتحاد العقل والقلب معا و امتزاجهما، وتعاون الروح واللطائف الأخرى، فتحلّق إلى أوج العلا وتصل إلى مراقٍ لا يصل إليها نظر الفلسفة المهاجمة فضلاً عن إقدامها وخطواتها، فتبين أنوار الحقائق الإيمانية وتوصلها إلى عيونها المطموسة..”(2) ويقول أيضا :”نعم، إن المدنية الدنية الظالمة قد عوقبت، بكفرانها بالنعمة الإلهية وعدم إيفائها الشكر لله تعالى، تجاه ما أنعم عليها سبحانه من الخوارق الحضارية، لصرفها تلك الخوارق إلى الدمار حتى سلبت سعادة الحياة كلياً وأردت الناس الذين يُعدّون في ذروة الحضارة والمدنية إلى أدنى من دركات الوحوش الضالة، وأذاقتهم عذاب جهنم قبل الذهاب إليها”(3).

وعن  الجوانب العلمية من الحضارة الغربية يرى النورسي بحق أن موقف المسلم منها الذي فرضه الإسلام أن يتحرك لاكتشاف كنه المادة وقوانين الحياة والاستفادة منها، لأنه خليفة الله في الأرض وأنه خلق لعبادة الله وأن يحقق ذاته ويزرع الخير ويبني التقدم . لذلك دعا إلى  ضرورة الأخذ بأسباب الحضارة العلمية والصناعية لأنها من ضرورات إقامة الحياة القويمة التي يحتاج إليها العالم الاسلامي للنهوض وآداء رسالته ورسالة الإسلام بحق وتحقيق سعادة الإنسان في الدارين.

خــاتـمـة :

نخلص في النهاية إلى أن النورسي رحمه الله قد قدم مشروعا إصلاحيا وعلميا، اتخذ من القرآن والسنة ركيزتين أساسيتين له. كان يهدف من ورائه إلى تقوية إيمان المسلمين والارتقاء بهم إلى مصاف المتقين، وتعويدهم على مجاهدة النفس، والسمو بها إلى درجة عالية. فمجمل كلامه رحمه الله دار حول الإيمان، وإحيائه، وتجديده، والثبات عليه، وجعله أساس التفكير، ومنبع العلم والتعلم، ومحدد المسير الصحيح، ونقطة التساند، والانطلاق نحو الأفضل. فقد أثبت أن الشعور الإيماني ببقاء الباقي ذي الجلال وبوجوده الذي يمنح بقاءاً ابدياً وحياة دائمة وأن ثمرات الإيمان التي هي الأعمال الصالحة ثمرات باقية لهذه الحياة الفانية،ووسائل لبقاء دائم .

ويتضح لنا من خلال دراستنا لمفهومي الإيمان والعلم في فكر النورسي أنه لا علم من دون إيمان، ولا إيمان من دون علم، فبالإيمان يتقوى العلم ويخطو الإنسان نحو الأفضل واكتشاف  خبايا هذا الكون العجيبة، وتتوطد أواصر المحبة بين أفراد المجتمع، وتحصل الألفة المؤدية إلى الازدهار الفكري والحضاري. وبالعلم الصحيح يتقوى الإيمان ويزيد ارتباطا بخالق هذا الكون ومدبره وعالم أسراره، وتزيد شعلته اتقادا وتتحقق سعادة الإنسان وإحساسه بوجوده ومكانته لتأدية خلافته في الأرض.

دة. لطيفة الوارتي

——

1- ملحق قسطموني، ص: 109

2- ملحق قسطموني، ص: 105

3-  ملحق قسطموني، ص: 122

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>