الأضحية في الإسلام


أهميتها والحكمة من مشروعيتها

الأضحية شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة  أمر الله تعالى  بها في قوله {فصل لربك وانحر} وضحى رسول الله صلى الله عليه وسلم وواظب  عليها ولم يتركها في حضر ولا سفر ولا جدب ولا خصب وأجمع المسلمون على  مشروعيتها ووردت أحاديث كثيرة في فضلها منها :

– قوله صلى الله عليه وسلم : “ما عمل ابن آدم يوم النحر عملا أحب إلى الله من إراقة دم وإنه لتأتي يوم القيامة بقرونها وأظلافها وأشعارها وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع على  الأرض فطيبوا بها نفسا”(رواه الترمذي).

– حديث زيد بن أرقم قال : قلت أو قالوا يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟ قال : سنة أبيكم إبراهيم. قالوا : ما لنا منها؟ قال : بكل شعرة حسنة. قالوا : فالصوف؟ قال : بكل شعرة من الصوف حسنة”(رواه أحمد وابن ماجة).

– حديث  “ما أنفقت الورق في شيءأفضل من نحيرة في يوم عيد”(رواه الدارقطني).

والحكمة من مشروعيتها إحياء ذكرى قصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

– إبراهيم الذي انتظر الولد ثمانين عاما وهو يتضرع إلى الله أن يرزقه ولدا صالحا. كما جاء في قوله تعالى : {رب هب لي من الصالحين} حتى إذا رزق الولد الصالح الوحيد فوجئ بالأمر بذبحه في رؤيا رآها – ومن تطيب نفسه بمجرد جرح ولده الوحيد فضلا عن ذبحه إرضاء لربه وطاعة لله الذي وهبه ذلك الولد؟!

وإسماعيل الولد الصغير الذي لا يصبر مثله حتى على  شوكة تشوكه لم يجزع ولم يبك وما أن قص عليه أبوه الرؤيا حتى وضع نفسه رهن إشارته ورضي أن يقدم نفسه قربانا لله وعونا لأبيه على  طاعة ربه، وشجعه على  المبادرة بالذبح، وعدم التلكؤ في الأمر، ووعده بالصبر والاحتساب. كما قصه الله تعالى في قوله : قال :{ يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تومر ستجدني إنشاء الله من الصابرين}.

هذه القصة جديرة بإحيائها واستحضارها كل عام واتخاذها منسكا خالدا دائما كما قال تعالى : {ولكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الامر} {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على  ما رزقهم من بهيمة الانعام}. كانت جديرة بالاستحضار لما تمثله أولا من التضحية بالنفس والنفيس في طاعة الله وتنفيذ أوامره دون تردد وتباطؤ مهما شقت على النفس وثقلت، وثانيا لما تمثله من لطف الله وعنايته بعباده الصادقين وحسن إثابتهم ومجازاتهم على صبرهم وطاعتهم. حيث فدى الله إسماعيل بذبح عظيم وأثنى على أبيه إبراهيم خيرا كثيرا وبشره بإسحاق نبيئا من الصالحين كما قص الله ذلك في قوله. {فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين إنه من عبادنا المومنين وبشرناه بإسحاق نبيئا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق}.

ومن أجل ما ترمز إليه الأضحية قال علماؤنا إذا تمَالأَ أهل بلد على تركها فإنهم يقاتلون عليها حتى يعودوا إلى فعلها طوعا أو كرها.

وقالوا أيضا الأضحية أفضل من التصدق بثمنها وأضعاف ثمنها لأن الأضحية شعيرة من شعائر الإسلام ينبغي إظهارها وإشهارها وعدم إخفائها لتحقق الحكمة من مشروعيتها التي هي إحياء ذكرى هذه القصة المليئة بالعبر والمواعظ. ولا شك أن الصدقة بثمنها أو أضعاف ثمنها لا تحقق إشهارها ولا إظهارها لأنها سر في سر تخرج من جيب المتصدق لتقع في يد المتصدق عليه، لا يعلم بها إلا المتصدق والمتصدق عليه ولا يستفيد منها إلا دافعها وقابضها.

أما الأضحية فإنها تحقق الشهرة الواسعة لهذه الذكرى حين تقام الأسواق وتمتلئ بالمواشي ويشتري المسلم أضحيته ويذبحها الإمام والمصلون في المصلى كما هو المستحب لهم ويشارك في هذه الأضحية ويستفيد منها البائع والتاجر والحمال والجزار وآخرون كثيرون من تجار أدوات الجزارة والتوابل حتى باعة الفحم وقضبان الكباب كلهم يستفيدون من الأضحية كما يستفيد منها الفقير والمسكين وبذلك كانت أفضل من الصدقة لعموم نفعها وعلانيتها.

حكمها ومن يومر بها

هي سنة عين مؤكدة في حق غير الحاج من كل مسلم قادر عليها لا يحتاج إليها ولا إلى ثمنها داخل العام سواء في ذلك الصغير والكبير والذكر والأنثى حتى اليتيم والسفيه. الكل سنة في حقه إذا قدر على شرائها بغير استدانة.

ولا تسن في حق العاجز عنها ولا ينبغي له التكلف في شرائها والاقتراض من أجلها ولو كان قادرا على  رد الدين عند أكثر الفقهاء.

وأما الاقتراض من البنوك لشرائها فمعصية كبيرة وربا واضح يذهب بأجرها وثوابها ولا يبقى لصاحبها منها إلا اللحم والجلد لأن الله تعالى يقول : {لن ينال الله لحومها ولا دماؤهاولكن يناله التقوى منكم}. وهذا لم يتق الله.

ويؤمر الرجل بالضحية عن نفسه وأولاده الصغار الذين تلزمه نفقتهم وعن والديه الفقيرين. ولا يومر بالضحية عن زوجته بل هي التي تضحي عن نفسها إذا قدرت على  ذلك وإن تطوع الزوج بالضحية عنها أجزأتها لأنه صلى الله عليه وسلم ضحى عن أزواجه كما رواه البخاري وغيره.

وتكفي أضحية واحدة عن الرجل وأهل بيته كما قال أبو أيوب الأنصاري “كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته ثم تباهى الناس”(رواه مالك في الموطأ). ولكن ذلك خاص بمن يسكنون معه في داره وينفق عليه ولو تطوعا وأن يكون من قرابته أو زوجته. فإذا توفرت هذه الشروط الثلاثة فإن الأضحية الواحدة تكفيهم جميعا في سقوط الطلب وثبوت الأجر لهم جميعا. وإن اختلت تلك الشروط أو بعضها لم يجز إشراكهم ولا تجزئ واحدا منهم لا المضحي ولا من أشركهم معه.

أما الاشتراك بين الأجانب أو الأقارب فيثمن الأضحية الواحدة يذبحونها عنهم فإنها لا تجزئ، وليس لأصحابها من فعلها إلا اللحم دون ثواب الأضحية الموعود به. ومن هذا القبيل ما يقع بين الإخوة والزوجين يضحون من ماشيتهم المشتركة أو يشترون بالأموال المشتركة بينهم فإن ذلك لا يجزئ.

ما تجوز به الأضحية : نوعها وشروطها

الأضحية خاصة بهيمة الأنعام كما قال تعالى : {ليذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}.  وهي الغنم والبقر والإبل لا تجزئ الأضحية بغيرها من الحيوانات الإنسية أو الوحشية. ولا يغني عنها شراؤها مذبوحة لأن سنة الأضحية وأجرها في إراقة دمها لا في لحمها.

والأفضل في الأضحية الضأن ثم المعز ثم البقر ثم الإبل وذكر كل نوع أفضل من أنثاه، والحكمة من استحباب التضحية بالذكر زيادة على  ما قال الفقهاء أن الأحب في الأضحية هو طيب اللحم ولحم الذكر أطيب من لحم الأنثى فإن الأضحية بالذكور تسمح بفرصة استبقاء الإناث للدر والنسل. والذكر لا يُدر لبنا ولا يُنتج نسلا وبقاؤه يزاحم الإناث في علفها ومرعاها ومأواها فهو  أحق بالذبح من الإناث.

ويشترط في الأضحية :

< أن تكون مسنة كما جاء في حديث :”لا تذبحوا إلا مسنة” وذلك يختلف باختلاف نوع الأضحية. ففي الضأن ما أوفى سنة ودخل في الثانية. وفي الماعز ما أوفى سنة ودخل في الثانية دخولا بينا كالشهر وفي البقر ما أوفى ثلاث سنين ودخل في الرابعة. وفي الإبل ما أوفى خمس سنين ودخل في السادسة. ولا تجزئ الأضحية بما نقص عن سنة في الجميع.

<  سلامتها من العيوب المانعة من الأجزاء فلا تجزئ المعيبة عيبا فاحشا وهي : العوراء والعمياء والمريضة البين مرضها والعرجاء البين عرجها ومكسورة القرن إذا كان ما زال يدمي. والعجفاء التي لا شحم فيها. والجدباء التي يبس ضرعها كله. والبتراء التي لا ذنب لها أو قطع أكثر من ثلثه. والصمعاء وهي القصيرة الأذنين جداخلقة. ومثلها مشقوقة الأذن أكثر من الثلث أو مقطوعة الأذن أكثر من الثلث. وساقطة سنين فأكثر أو مكسورتهما لغير كبير أو إثغار.

ما يستحب في الأضحية وما يكره

يستحب في الأضحية أن تكون ذكرا فحلا إلا أن يكون الخصي أسمن، وأن تكون قرناء بيضاء سمينة سالمة من العيوب الخفيفة التي لا تمنع الإجزاء  وتكره المقابلة وهي التي قطع من أذنها من قبل وجهها وترك معلقا. والمدابرة وهي التي قطع من أذنها من خلف وترك معلقا. والخرقاء وهي التي في أذنها خرق مستدير، والشرقاء وهي مشقوقة الأذن الثلث فأقل.

وقت الأضحية

وقت الأضحية هو يوم النحر واليومان بعده لقوله تعالى في الهدي {واذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام} والضحية مثل الهدي والأيام المعلومات عند المالكية هي يوم النحر واليومان بعده. فلا ذبح قبل هذه الأيام ولا بعدها، ولا يذبح الإمام إلا بعد صلاة العيد وخطبته ثميذبح الناس بعده ومن ذ بح قبل الإمام فلا أضحية له.

ويستحب للإمام إبراز أضحيته وذبحها بالمصلى فإن لم يذبحها بالمصلى انتظره الناس بقدر ما يعود لداره ويذبح ثم يذبحون.

وإن كان الامام لا أضحية له انتظروا قليلا قدر ذبحه ثم ذبحوا.

ومن لا إمام لهم ولم يصلوا صلاة العيد بخطبة يلزمهم أن يتحروا أقرب الأئمة إليهم ثم يذبحون.

وأفضل أيام الذبح اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث. ويبتدئ وقت الذبح في اليوم الثاني والثالث من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ويستحب تأخيره حتى تحل النافلة. ولا يجوز الذبح ليلا من غروب الشمس إلى  طلوع الفجر لقوله تعالى :{في أيام معلومات}. واليوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ومن ذبح ليلا فليعد أضحيته.

والأفضل للمضحي أن يذبح أضحيته بيده. وتكره الاستنابة في ذبحها لغير عذر  وتجوز لعذر ويشترط في النائب أن يكون مسلما فلا تجوز إنابة كافر ولا تجزئ إن ذبحها وتكره إنابة فاسق وتستحب إعادة الأضحية التي ذبحها فاسق.

التصرف في الأضحية قبل الذبح وبعده

يكره للمضحي إبدال أضحيته وهي حية بعد تعيينها بما هو مثلها أو أدون منها ويستحب له إبدالها بما هو أفضل منها وأحسن ويحرم عليه إبدالها بعد تعيينها بالنذر أو بعد ذبحها. ويستحب له أن يأكل منها ويصدق على الفقراء والمساكين ويهدى للأقارب وجيرانه وأصدقائه من غير تحديد بثلث أو أقل أو أكثر. ولا ينبغي له أن يأكلها كلها ولا أن يتصدق بها كلها. ويجوز له الادخار منها. ويكره إطعام الكافر منها ولو كان زوجة له أو أبا أو ابنا.

ويحرم عليه بيع شيء من أجزائها بما في ذلك جلدها وقرونها وأمعاؤها وصوفها وشعرها. ولا يجوز استيجار أجير بشيء منها ولا يعطي الجزار شيئا منها في أجرته.

ويحرم شراؤها بالميزان كما يجري في بعض الضيعات والأسواق فإن ذلك لا يجوز ولا يحل لمسلم أن يرتكب حراما للوصول إلى  سنة.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *