استعمالات اللغة العربية الجديدة إلى أين؟ 14- الاستعمالات الخاطئة تفقد اللغة قيمتها التعبيرية


إشكال جهل كثير من المثقفين العرب لغتهم

بين الموضوع والأداة، وما يقدمونه من تبريرات(1)

((تستعمل اللغة في مختلف المواقف الاجتماعية التي تجمع بين الناس… وهي وسيلة تخاطب جماعية، تستعمل في معرض العلاقات الاجتماعية بصفة عامة إلى درجة يصعب فيها تعداد جميع المواقف الاجتماعية التي يلتقي فيها أفراد من المجتمع الواحد للتخاطب في شأن من شؤون حياتهم العامة والخاصة..))(1) وعليه فإذا كان الأمر كذلك، فإن اللغة التي تجمع بين أفراد المجتمع الواحد لابد أن يكون الحد الأدنى منها متوفرا لدى هؤلاء الأفراد جميعاً، وإلا انعدم بينهم أو يكاد -أفراداً كانوا أوجماعات- بالشكل المطلوب، وهذا ما سيؤدي حتماً إلى تشويش في المفاهيم، وسوء العلاقات بسبب عدم تحقيق التواصل على الشكل المطلوب. وبما أن المثقفين يمثلون الطبقة المتميزة في المجتمع، فإن نصيبهم من لغتهم القومية ينبغي أن يكون أحسن وأوفر، وهو عكس ما نجد عليه حالة كثير من المثقفين العرب وهم يتولون مناصب قيادية في المجتمع : علمية أو إدارية، أو سياسية. إذ لا يكاد أي واحد منهم يسلم من اللحن أثناء حديثه عن أمر من الأمور الذي هو مكلف بالقيام به أو إدارته. وثمة أخطاء شائعة تكاد تكون متداولة لدى الجميع، وهو ما يهدد اللغة الأصل بالانقراض، وإحلال لغة أخرى جديدة محلها إن بقي الأمر على ماهو عليه وهذا عمل خطير لأنه سيؤدي إلى قلب الحقائق وتغيير المفاهيم الحضارية، والغريب في هذا الأمر أن كثيرا من هؤلاء المثقفين المشار إليهم لا يتورع جلهم عن أن يبرر موقفه عندما تصحح له الأخطاء التي يرتكبها أثناء حديثه بلغته العربية بأن الأخطاء لا تعنيه، لأنه غير متخصص في اللغة، وفي هذا السياقأتذكر أن أستاذاً جامعيا قدم عرضاً في مجال تخصصه اللغوي، وكان ذلك بأسلوب مشوش بالأخطاء، فلما نبهه بعض الحاضرين إلى أخطائه قال : أنا أستاذ مادة كذا، ولا تعنيني الأخطاء الإملائية والنحوية.

وتحريف المعنى المعجمي أو التصريفي للكلمات لا يعني أي شيء عند بعضهم، وفي هذا السياق أتذكر أني كنت في حوار مع بعض الأصدقاء بخصوص دلالة مصطلح لغوي من المصطلحات الدخيلة عن طريق الترجمة الخاطئة ولما بينت لهم أن دلالة هذا المصطلح محرفة عن قصدها لأنها لا تتناسب مع دلالة صيغتها العربية، وهذا إفساد لنظام اللغة العربية، أجابني أحدهم بقوله : فماذا سيقع؟ وعبارته بالحرف “واشْ غدي إوقع”!

وهذا الذي أشرت إليه بخصوص تعليلات وتبريرات بعض المثقفين العرب عندما يخطئون، هو الذي لخصه الدكتور أحمد مختار عمر في الفصل الثاني من كتابه العربية الصحيحة بعنوان “اللغة الموضوع واللغة والأداة” ويعني باللغة الموضوع -كما ورد في عنوان هذه المقالة جانب التخصص الدقيق في فهم اللغة، ودراسة خصائصها وظواهرها… أما اللغة الأداة فيعني بها ذلك الحد الأدنى من اللغة القومية الذي ينبغي أن يتوفر عليه كل مثقف من أفراد المجتمع حتى يتيسر له أن يتواصل مع الآخرين في إطار مسؤوليته الاجتماعية بالشكل المطلوب، ويعني بهؤلاء المثقفين أصحاب التخصصات العلمية المختلفة الخارجة عن إطار التخصص اللغوي الدقيق كالطبيب، والمهندس، والمؤرخ، والسياسي والمحامي..الخ فهؤلاء جميعا ينبغي أن يحصل كل واحد منهم الحد الأدنى من اللغة الأداة، مع البراعة في مصطلحات مجاله الخاص وفي هذا يقول : ((من المقولات الشائعة الخاطئة اعتبار عامة المثقفين اللغة الفصحى تخصصاً موقوفاً على أهله، وتبريرهم أي خطأ يقعون فيه، وأي قصور يظهر في تعبيراتهم بأن هذه ليست بضاعتهم، وهم بهذا لا يكتفون بإعفاء أنفسهم من  تحري الصواب، بل يتبرءون منه ويباعدون بين أنفسهم وبينه، ويستنكرون أن يكتبوا فيعربوا، وهم ليسوا متخصصين في اللغة العربية.

والخطأ الشائع في هذه المقولة من الوضوح بمكان. فاللغة تختلف عن سائر المواد التي تخضع للدراسة في أنها قد تدرس باعتبارها أداة ووسيلة، أو باعتبارها غاية وموضوعاً. واللغة بالاعتبار الأول ملك مشاع لجميع أبنائها، وبالاعتبار الثاني هي وقف على المتخصصين الذين يتخذون اللغة ميداناً لتخصصهم وحقلا لتجاربهم ودراستهم، اللغة الأداة تحقق الغاية العملية منها، واللغة الموضوع قد تهتم بالجانب العملي التطبيقي، وقد تهتم بالجانب النظري، وهي في جميع أحوالها تتخذ من دراسة اللغة غاية وموضوعاً، ويترتب على هذا التفريق أن اللغة الفصحى الأداة هي ملك لكافة العرب مهما اختلفت تخصصاتهم، وتنوعت خبراتهم، وأن استخدامها والتزامها في كل مواقف الحياة واجب كل المثقفين العرب على السواء)) عن العربية الصحيحة ص 27.

والملاحظ أن الدكتور أحمد مختار عمر يفرق في هذا النص بين المثقفين المتخصصين في اللغة وغير المتخصصين، فغير المتخصصين ((هم الذين يستنكرون أن يكتبوا فيعربوا..” والواقع ليس كذلك على الأقل في بعض الأقطار العربية إن لم يكن في جميعها، ذلك أن المتخصصين أيضا يستنكفون أن يكتبوا في عربوا، إلا من رحم الله منهم، وقد قدمنا مثالين على ذلك مما سمعناه وعايشناه، والأمثلة أكثر من أن تحصى.

  د. الـحـسـيـن گـنـوان

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *