قـوانـيـن  الـقـرآن  الـكـريــم(19) قانون التيسير والتعسير


الـعـطـاء مـع الـتـقـوى مــزرع الـيـسـرى دنـيـا وأخـرى

… لازلنا في قوانين القرآن الكريم، والقانون اليوم قانون التيسير والتعسير، ولا شك أن التيسير شيء محبب جدا للنفس البشرية، ولا يؤلمها، ولا يردها كالتعسير، فلذلك من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام « اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا » ولكن هذا التيسير الذي يكون تارة، وذاك التعسير الذي يكون تارة أخرى، أليس له قانون، أي علاقة ثابتة في القرآن الكريم كي نتعامل مع هذا القانون، فنقطف ثمار التيسير ونبتعد عن نتائج التعسير؟

… هذا القانون إنه قوله تعالى : {والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وما خلق الذكر والأنثى إن سعيكم لشتى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى}(الليل : 1- 10) هاتان الآيتان هما قانون التيسير والتعسير، وأي فهم آخر، وأي وهم آخر، وأي تصور آخر، فهو باطل لا أصل له. العوام لهم كلمات كثيرة في أسباب التعسير أو التيسير، مثلا في التعسير « هذا الإنسان ما له حظ » ما معنى الحظ؟ « هذا الإنسان قلب له الدهر ظهر المجن » ما الدهر؟ « هذا الإنسان القدر يسخر منه » هذه الكلمات التي لا معنى لها، ولا تستند إلى حقيقة، تلغيها هذه الآية الكريمة والتي تلي بعدها {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى}(الليل : 5- 6) ما الحسنى؟ هي الجنة {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}(يونس :26) الحسنى هي الجنة، فالذي صدق أنه مخلوق للجنة، وأن الله سبحانه وتعالى جاء به إلى الدنيا ليتعرف إليه، وليتعرف.. وليطبق منهجه، وليتقرب إليه، عندئذ يستحق جنة عرضها السموات والأرض إلى أبد الآبدين، فالإنسان الذي آمن أنه مخلوق للجنة ماذا يفعل؟ قال {فأما من أعطى واتقى}(الليل : 5) يتقي أن يعصي الله، أولى خصائص هذا الإنسان الذي آمن بالحسنى، أنه يتقي أن يعصي الله خوفا من أن يغيب عن هذا الهدف الكبير. والخصيصة الثانية له « فأما من أعطى » بنى حياته على العطاء.. يسعده أن يعطي، يرى الفوز والنجاح في العطاء، فلذلك من خصائص المؤمن الكبرى أنه يعيش ليعطي، يعطي من ماله، يعطي من علمه، من وقته، من جاهه قال تعالى : {ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}(البقرة : 1- 2) أي شيء آتاه الله لهذا المؤمن ينفقه في سبيل الله، بل إن الله سبحانه وتعالى يقول {وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة}(القصص : 77) يعني الذي آمن أنه مخلوق للجنة، فاتقى أن يعصي الله أي استقام على أمره، وبنى حياته على العمل الصالح، هذا حقق الهدف من وجوده، حقق الهدف الكبير الذي خلق الإنسان من أجله، فلذلك يستحق مكافأة لا تقدر بثمن، إنها التيسير، أموره ميسرة، زواجه ميسر، عمله ميسر،مكانته عند الناس كبيرة، الله عز وجل يحفظ له صحته، يحفظ له أهله، يحفظ له أولاده، يدافع عنه، يلهمه الخير {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى}(الليل : 5- 7) وقد خلق الإنسان لليسرى « كل ميسر لما خلق له » أنت خلقت للسعادة {إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}(هود : 119) هذا هو قانون التيسير، أما كلمات « الدهر قلب له ظهر المجن » « القدر يسخر منه » « هذا الإنسان ليس له حظ » هذا شيء يتناقض مع هذا القانون الرائع الذي جاء في القرآن الكريم {فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى}(الليل : 5- 7) سم هذا التيسير التوفيق، سم هذا التيسير النصر، سم هذا التيسير التأييد، سم هذا التيسير الحفظ، هذا كله يصب في خانة واحدة أن الله سبحانه وتعالى يقول : {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم}(النساء : 146).

الإمـسـاك تعلقـا بالـدنـيـا حــرث الـعـسـرى دنيـا وأخـرى

أما التعسير، أما الإحباط، أما الضياع، أما السوداوية، أما التشاؤم، فتأتي من قانون التعسير قال تعالى : {وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى}(الليل : 8- 9) كفر بالآخرة، آمن بالدنيا، والدنيا قوامها المال، فالمال كل شيء، فكسب المال من حلال أو حرام، ولم يعبأ بطريقة كسبه، وأنفقه على ملذاته، لأنه آمن بالدنيا ولم يؤمن بالآخرة، ولم ينقل اهتماماته إلى الدار الآخرة، أبقاها في الدنيا، الآن من أجل أن يستمتع بالحياة في أعلى درجة لابد من أن يعتدي على حقوق الآخرين {وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون}(المؤمنون: 74) {فأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى}(الليل : 8- 9) كذب بالجنة وأيقن بالدنيا فاستغنى عن طاعة الله، لم يطع الله عز وجل؟ هو يريد الدنيا، يريد متعها، مباهجها، استغنى عن طاعة الله وبنى حياته على الأخذ، هذا مقياس دقيق، اسأل نفسك هذا السؤال المحرج ما الذي يسعدك؟ أن تعطي أم أن تأخذ؟

إذا كان يسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة، أما إذا كان يسعدك أن تأخذ دائما فأنت من أهل الدنيا. فالإنسان حينما يكفر بالآخرة ويؤمن بالدنيا، وبالمناسبة.. ليس شرطا أن تنطق بلسانك أنك لا تؤمن بالآخرة، أحيانا لغة العمل أبلغ من لغة القول، أنت حينما تنكب على الدنيا لتأخذ الأموال الطائلة بطريق غير مشروع، حينما تبني مجدك على أنقاض الآخرين، حينما تبني حياتك على موتهم، حينما تبني عزك على ذلهم، حينما تبني غناك على فقرهم، حينما تبني أمنك على قلقهم، أنت بهذا لم تعبأ بمنهج الله، ولم تؤمن بالآخرة، بل لم تؤمن بحدود الله {وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى}(الليل : 8- 10).

لذلك هذا الإنسان الذي كذب بالحسنى وآمن بالدنيا واستغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ بشكل مشروع أو غير مشروع، هذا الإنسان يستحق التعسير لا التيسير، لذلك هذا الذي يندب حظه تارة، ويندب ظروفه تارة أخرى، ليؤمن إيمانا دقيقا أنه يدفع ثمن تفلته من منهج الله، ويدفع ثمن بعده عن الدار الآخرة.

الـقانون بـيـن التـفسـيـر التـوحـيـدي والتـفسـيـر الشــركـي

… كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، الإنسان أحيانا يرفض التفسير التوحيدي لما يصيبه، يرفض تفسير السماء، بل يقبل تفسير الأرض الشركي، لكن حينما يقع في مشكلة ويقرأ قوله تعالى : {وما أصابكم من مصيبة بما كسبت ايديكم ويعفو عن كثير}(الشورى : 28) والله سبحانه وتعالى غني عن تعذيبنا لقوله تعالى : {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما}(النساء : 146) بل إن الله سبحانه وتعالى ينتظر منا أنه إذا ساق لنا مصيبة أن نصحو من غفلتنا، وأن نعود إلى ربنا {وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانو يكسبون}(الأنعام : 129) والظالم سوط الله ينتقم به ثم ينتقم منه، وقد ورد في الأثر القدسي ((أنا ملك الملوك ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن هم عصوني حولتها عليهم بالسخطة والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك وادعوا لهم بالصلاح فإن صلاحهم بصلاحكم)).

… قانون التيسير والتعسير مهم جدا لحياة المؤمن، و.. لو أن الإنسان وقع في مشكلة، آية واحدة تحل له كل مشكلاته قال تعالى : {ومن يتق الله يجعل له من امره يسرا}(الطلاق : 4) يكفي أن تتقي الله وأن تصطلح معه، وأن تعود إليه وأن تعمل الصالحات تقربا إليه، عندئذ تقطف ثمار هذه العبودية تيسيرا لأمورك وحلا لمشكلاتك، والله عز وجل ينتظرنا بل إن الذي نذوقه من العذاب الأدنى من أجل ألا نصل إلى العذاب الأكبر قال تعالى : {ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر لعلهم يرجعون}(السجدة : 21) وحينما يفهم المؤمن عن ربه سر هذه التصرفات وتلك الشدائد ينجو من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة. وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى..

لخبير الجمال الدعوي الدكتور محمد راتب النابلسي

اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *