وأخيرا مقاربة شاملة من أجل إنقاذ العمارة القديمة وساكنيها


تقديم مجلة أركيميديا:

كرس عبد اللطيف الحجامي جزءا من حياته المهنية من أجل إنقاذ مدينة فاس، وقد استطاع أن يحقق برنامجاً ضخما من خلال وكالة (ADER-FES) والتي تعدت شهرتها جميع الحدود وهو في هذا المقال يلخص جميع العمليات الناجحة إضافة إلى الآليات المستعملة لهذا الغرض ومدى تأثيرها.

هذا الخبير الاستشاري الدولي يقدم لنا السبل الناجعة للسير فيها من أجل إنقاذ تراثنا الوطني :

الـمـديـنــة

المدينة، كتراث للعالم الإسلامي والمشرق، تمتلك شيئا من الجاذبية و السحر والألغاز وكأنها كانت هنا منذ الأزل ولا تزال هنا إلى الأبد.

إلى هذا الجانب، فهناك جانب آ خر منطقي وقابل للقياس وعقلاني.

المدينة هي نتاج نُظم حضرية ذات أبعاد تنظيمية وعملية بشكل مضبوط، وهي كذلك كل يتطور في الزمن، وهذا الكل يتم تفكيكه وإعادة تركيبه وفق قراءات مختلفة حول مجالين رئيسيين هما :

الساكن في تعايشه مع نمط الحياة اليومية المطبوعة بأحداث اجتماعية بارزة.

أما المجال الثاني، فهو الفضاء العمراني مع سيرورته المعمارية المتسارعة…

إن التغييرات الاجتماعية والتكنولوجية والسياسية الحديثة خلقت  إطاراً جديداً أدى إلى التصادم بين هذين المجالين مما ترتب عنه الدوران في حلقة مفرغة من التدهور فلابد من معالجة هذا الأمر وتطوير دينامية ضرورية وخلق دورة لإعادة الاعتبار والتنمية المستدامة.

هي إذن مسألة شكل ومضمون في آن واحد؛ شكل لم يتم استثماره بما يكفي بطريقة متنوعة لتلبية مستلزمات الاستخدامات الجديدة ضمن إطار جديد مع الحفاظ على قيمته الحقيقة.

أما المضمون فيتكون من آليات اجتماعية واقتصادية ومالية… باختصار نقول حضرية غير معروفة بشكل جيد وغير متحكم فيها لحدالآن.

مـقـاربـة

جميع المقاربات التي عرفها المغرب كانت في الغالب ذات صبغة قطاعية متباينة فكانت النتيجة أنها لم تستطع أن توقف دوامة التدهور التي تعرفها المدن.

إشراقة أمل ولدت مع مؤسسة إنقاذ مدينة فاس التي استطاعت أن تعطي نماذج يُحتدى بها على المستوى العالمي كتجربة ذات قيمة عالية.

وقد أشار جلالة الملك المرحوم الحسن الثاني إلى هذا الموضوع في رسالته الملكية الخالدة حين ذكّر بأن (الإنقاذ الشامل للمدينة هو الذي يهدف إلى تحسين مستوى عيش الساكنة مع ضمان استمرارية إشعاعها الثقافي).

استطاعت مؤسسة إنقاذ مدينة فاس أن تتطور وفق مقاربة شمولية ومندمجة لإعادة التأهيل الحضري، كما استطاعت أن تحيط نفسها بدينامية كبيرة تمكنت من إدماج عدة مؤسسات كمحترف التراث بمدرسة المهندسين المعماريين ENA شهادة Maitrise المتخصصة بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس LصIFMB وCIPA من بين مؤسسات أخرى.

إضافة إلى هذا فقد استطاعت من خلال ADER-FES أن تطور استراتيجية لتفعيل برنامج الإنقاذ، وكذلك أن تشارك في تنمية مفهوم المحافظة بتنسيق مع خبراء ICCROM (والذي أدى إلى خلق ITUC) وأخيرا استطاعت أن تساهم في إدماج إعادة الاعتبار للمراكز العتيقة في صلب اهتمام وكالات التنمية كـ PNUD وBM.

من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن ADER-FES هي أول مؤسسة تمكنت من إنشاء مصلحة للطوارئ من أجل التراث بالمدينة.

مصلحة تشغل إلى حدود ألف عامل وحرفي من أجل الإخبار أو معالجة -حسب الحالات- أمراض البنايات القديمة.

في ذلك الوقت لم يكن موجوداً سوى برنامج آخر موازٍ وكان في بلاد الأراضي المنخفضة. بعد ذلك فقط بلورت اليونسكو برنامج التأهب للطوارئ (RPP).

ADER-FES هي المؤسسة الوحيدة في المغرب التي تتوفر على برنامج للمساعدة على إعادة التأهيل والذي يمنح مساعدة مادية يمكن أن تصل إلى 50% من تكلفة إعادة التأهيل كما أنها تقوم بدور محوري في فتح أوراش  ترميم المآثر التاريخية أمام القطاع الخاص. فاتحة بذلك سوقا للترميم، يعرف الآن ازدهاراً مستمراً نذكر كذلك أن أطر ADER-FES هم الذين أنشؤوا أول ICOMOS مغربي.

مع الأسف الشديد. فهذه التجربة لم تنجح في وقتها في ترك بصمات أفقيا كما أنها لم تستطع الإقناع في ترك بصمات لا على المستوى الافقي ولا المستوى العمودي لتعميم التجربة وتطويرها على المستوى الوطني بالوسائل الملائمة والتوليفات الضرورية.

 خــلاصـة

خلاصة الأمر أن المغرب استطاع أو لم يستطع أو عرف كيف يستفيد من تجربة فاس موازاة مع ذلك فعدد كبير من العمليات أو تجارب تطورت على مستوى الوطن بما فيها أشغال CERKAS تصميم الإنقاذ عمليات إعادة التأهيل الحضري بالشاون، تطوان أو الرباط  ولكن لم يكن هناك تطور methodologique أو على مستوى أدوات التدخل الملائمة لا على المستوى التشريعي أو القانوني والمالي.

والنتيجة  : العمليات الناجحة بقيت في معظمها قطاعية وبدون أثر تدريب.

إذن ما العمل؟

المدينة حاليا تبدو وكأنها ينظر إليها على شكل كليشيهات. لا نلاحظ سوى المظهر، واجهات الأكشاك الغنية بالألوان والروائح Senteurs، الواجهات الداخلية للبنايات الغنية بـDecors المجسم، الأزقة ذات الواجهات العمياء، الأسوار، منازل الضيافة للأحلام exotique البنايات المتدهورة. بعض المآثر التاريخية المرممة هنا وهناك.. الخ.. أمر مؤسف.. المشهد يختلط فيه الرائع بالمأسوف عليه وكأن كل هذا ينتمي إلى أسطورة وليس إلى واقع، وكأننا أمام لوحة بينما يقع وراء هذه الواجهة النسيج الحضري المكثف للمدينة مع عشرات الآلاف من مبانيها من الأكثر تواضعا إلى الأكثر رفاهية، المآت من الآلاف بل الملايين من سكانها، طرقاتها وساحاتها العمومية، وبالأخص سيرورة تدهوره والمنتج لهذه الفضاءات الفقيرة بجانب فضاءات ذات قيمة سياحية وثقافية عالية.

من الواضح أننا نلاحظ في مدننا المخطط التقليدي، المواقع التاريخية، هذا المخطط يتكون من ثلاثة ميادين :

الميدان الأول خاص بملكية التراث والمتضمن للملكية الثقافية وللأنشطة المرتبطة به.

الميدان الثاني، هو ميدان الخدمات المخصصة للزوار وتتضمن الفندقة والمطاعم وتجارة الهدايا.

أما الميدان الثالث فهو خاص بمموني هذه الخدمات كالقائمين على الرحلات السياحية، أرباب النقل، خدمات الاتصال … الخ. وإذا كان الميدانان الثاني والثالث متطورين نسبيا، فإن الميدان الأول الخاص بالملكية الثقافية، لا يزال في محنة.

فالملكية الثقافية لم يتم استثمارها إلا جزئيا من خلال كل هذه الأنشطة السياحية والعمليات الاستعجالية وترميم المآثر التاريخية أو تلك الخاصة بالمجمع المادي والتي لا تزال في طور الانجاز.

الجزء الأكبر غير مندمج بالكامل ولم يجد بعد طريقه إلى إعادةالاعتبار بطريقة مستدامة.

في الواقع، كل هذه الأنشطة لا تهم سوى حافة ما يكون نواة عملية “إنشاء” المدينة والذي هو أساس متانتها، خاصة السكن وساكنة المدينة.

إن المدينة تتغير باتساع أسرع مما نتصور، ليس فقط من خلال تغيير بناياتها وإنما أيضا من خلال تعاقب أجيالها. فكل جيل له رؤية خاصة به وله سلوكياته وبالتالي فهو يخضع فضاء المدينة وفق معاييره، فالتاريخ يتم تحويله من طرف الرجال وليس من طرف الحجارة.

فمن الضروري أن نضع السكان مع محيطهم -بالمعنى الشامل للكلمة- في قلب مجهودات إعاة التأهيل، ليس كأشخاص متحمسين وغير قابلين للتغيير، ولكن كفاعلين يقومون بتشكيل المدن المتعاقبة.

عن الاهتمام بالمدن، ينبغي التنبؤ بالتعبيرات التي قد تحصل في بنية ساكنيها، وهي تغيرات لا يمكن تجنبها إنما نتحدث إذن عن اهتمام دينامي ضمن إطار دائم التطور.

من وجهة النظر هاته، فإن مشكلة المدينة ظل في الزاوية الميتة لمختلف السياسات الحصرية التي عرفها المغرب ليومنا هذا.

غير واضحة ولكنها موجودة، مجرد إشارات عن طريق بعض الصدمات الصغيرة والتي قد تتطور إلى تصادم كان ينبغي على السلط العمومية -في المقام الأول- أن ترسم معالم الطريق، وهذا ما يتم حاليا من خلال الاستراتيجية الوطنية للتدخل في النسيج العتيق بمبادرة الوزير المنتدب لدى الوزير الأول والمكلف بالسكنى والتعمير.

بصفتي مستشاراً لتنمية هذه الاستراتيجية لا يمكنني إلا أن أحيي بعد النظر الذي تمتاز به اللجنة (اللجنة المنبثقة عن المجلس الوطني للسكنى والتعمير) إنها فعلا لحظة وعي حقيقية متنامية وعملية envergure تتعدى حيز المدن وهي التي تعنيها. هذا إبداع على المستوى الوطني بل حتى على مستوى العالم العربي.

في الواقع، يتعلق الأمر بإدماج الأنسجة القديمة مجتمعة في نظام تموين السكن وإيجاد فرص شغل، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصياتها البنيوية والاجتماعية أو البيئية.

كل هذا في إطار استمرارية تطوير قانون التعمير والذي انكب بصفة خاصة على التعمير التنفيدي، والذي نركز فيه على التجديد وإعادة التأهيل والمواكبة الحصرية مع اقتراح أدوات جديدة.

وهذا ما كان يلزم فعله والذي كان بإمكانه فتح صفحة جديدة من أجل هذه الأنسجة القديمة المحبوبة إلى حد كبير والمنسية إلى حد كبير أيضا.

من الآن فصاعداً فكل الآمال ستصبح مباحة شريطة أن ترى الخطة الوطنية الحالية النور.

لقد آن الوقت للعمل على إدماج عملية إعادة الاعتبار لهذا الكم العقاري الذي يمثل جزءاً مهما من الوعاء العقاري الوطني والذي تتهدده المخاطر هو وساكنيه.

آن الوقت أن يتم إدماج هذه العملية في الدينامية العامة التي يعرفها المغرب اليوم على مستويات أخرى للتنمية.

(ü) مجلة اركيميديا (Archimidia)

ترجمة : ذ. عبد القادر لوكيلي

عبد اللطيف الحجامي الخبير الاستشاري الدولي في الهندسة المعمارية

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>