عـن سيـريـلانـكا التي فـي القلب سـأحـكـي المشي بالصفات لاكتساح القلوب والجغرافيات


1-فــجــر السالكين :

الفجر في سريلانكا ليس هو وقت القيام لأداء واجب الصلاة بعد سماع الأذان فحسب، بل  هو فاصل بين ليل طويل من الصلاة والذكر وقراءة القرآن الكريم والبكاء على الله عز وجل للتحلي  بالصفات النبوية والتوفيق للجهد للدين، ولا عجب إن كان لإخوتنا السريلانكيين كل التبجيل  لنا كعرب  طيلة فترة مقامنا بينهم، فهم يعتبرون أننا قطعنا أشواطا بعيدة في كل العبادات للمولى عز وجل وعلى رأسها صلاة القيام،  فوجب الاقتداء بنا (ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) لذا فإن شيخنا المغربي الذي كان يدرك طبيعة هذا الإعجاب  بالعرب  ومخاطره في حالة نكوصنا وكسلنا عن السعي لاكتساب صفات المبلغين الصادقين  والتي سيتكسر معها ذلك المثال النموذجي الذي يتشكل في أذهانهم حولنا، وسنخمد بداخلهم جذوة الدين المتقدة في قلوبهم بشكل يجل عن الوصف، كان لا يفتأ يذكرنا ويحذرنا من الإساءة لنموذجيتنا وعاطفة تشبثهم بالدين، تلك العاطفة التي تتجلى في اقتران عيشهم اليومي من مأكل ومشرب ونوم بالبساطة الشديدة، وعدم انشغالهم طيلة الوقت بالطبخ وتلميع الديكور والأفرشة والأغطية، حتى كما فهمنا ذلك لا يأتي في قلوبهم حب الدنيا المفرط فيتعلقون بزينتها فإذا عجزوا عن اقتناء كل مظاهرها عاشوا في حزن وضنك واستبدت بهم الأحوال المفضية إلى ذبول المشاعر الدينية في قلوبهم .

وبالعودة إلى صلاتهم الليلية فإن بساطة أفرشتهم الأرضية في جلها تجعل من تجافيهم عن المضاجع عملية سلسة كل ليلة، ينضاف إلى ذلك وصفاتهم الليلية الخفيفة المشكلة من الأرز والفواكه الجافة حتى في شهر رمضان، وكل ذلك من شأنه مساعدتهم على صلاة القيام يدعون ربهم  ويرجون رحمته. فإذا صلينا صلاة الفجر والصبح تحلقتالنساء السريلانكيات حولنا للاستماع إلى أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

وهن يتلقفن في كامل الصحو الكلمات النبوية الشريفة، في حين كنا نحن بالكاد  نصلب قاماتنا لكي لا نغط في النوم ويعلو شخيرنا وهن بكل حنو يغطين الأخت التي تنام فينا و كما عبرن لنا عن ذلك فقد كن يكبرن فينا  قطعنا لكل المسافة العملاقة بين بلدنا الإفريقي وبلدهن الآسيوي لنحمل لهن طبق الدين، وبالتالي فنومنا كقيامنا، عبادة لله عز وجل ومدعاة للتبجيل والتوقير، فتراهن يسرعن لتغطيتنا ولجم كل حركاتهن حتى ننعم بنومنا، وليتهن يعلمن أننا نحن معشر العرب في الكثير منا لا شغل لنا إلا النوم والاستراحات المتواصلة بين الاستراحة والاستراحة.

2- زكاة التحلي بالصفات :

بالعودة إلى شيخنا المغربي  فلم نكن مبالغين حين خصصنا مجمل الحلقة الماضية لدرسه وتوقفنا عند غيض من فيض صفاته الباهرة الورع والشفقة والرحمة للمسلمين. وهي الصفات التي يحرص الشيخ الكريم على التذكير بها في كل درس يلقيه. باعتبار أهمية تمثل صفات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحاولة التحلي بها ما أمكن لأن في ذلك التحلي دعوة بالغة التأثير على المدعوين . وكما فصلت في ذلك إخوتي فقد كانت أخواتنا السريلانكيات لصيقات بنا في كل أعمالنا لا يكدن يفارقننا حتى في المرات القليلة التي كنا ندخل فيها مطابخهم لنطهو أكلا مغربيا ، نشتاق إليه، ونحن صباح مساء محاصرين بوجبة السريلانكيين الرئيسية: الأرز. كانت الأخوات السريلانكيات  يتابعن كل حركاتنا وسكناتنا ويسألننا عن  تفاصيل أعمالنا، منبهرات بكل تصرفاتنا التي وكما يوصي بذلك الشيخ يجب أن تكون كلها على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته في الأذكار المسنونة عنه، حتى يكون عمل المطبخ كله عبادة لله عز وجل ويكون طعامه شفاء لمن يسمي الله ويأكل بيمينه كما كان يفعل الحبيب المصطفى، مع النية الخالصة لله تعالى في أن يكون طعام هداية ورحمة  لمن يأكله.والحرص على اتباع سنة المصطفى 24 ساعة على 24 ساعة وحده الكفيل بأن يحقق فينا بعضا من صفات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجعلنا للعباد كالشامة في الوجه كما قال سيد الخلق.

ولا غرابة، فبعيدا عن سريلانكا وبالنظر إلى تطلعات وأحوال الأمم بصفة عامة فالحنين إلى المنقذ أو الموجه  المشفق الرحيم، وإلى النموذج المضحي لأجل سعادة العباد حاجة إنسانية لدى كل المجتمعات تدفع الشعوب إلى الانخراط في الأحزاب والجمعيات والجماعات، بحثا عن مخلوقات نورانية لها صفات استثنائية تتشوق إليها الأرواح المدموغة بالنفخة الربانية، ونداء الفطرة الموحدة العابدة لإله واحد أوحد هو الله سبحانه وتعالى، فإذا أصابت هذه الشعوب الخيبة في تنقيبها عن منقذيها، وما تبدى لها فيهم إلا السراب والرنين الزائف الذي لا طحين وراءه انطوتعلى خيباتها تلك حتى تفجرها براكين لا تبقي ولا تذر، كما وقع بالمناسبة في القطر التونسي الشقيق وفي أقطار أخرى من العالم العربي، إذ تمخض حصاد تدبير المؤتمنين على الأرزاق والأرواح عن استشراء للفساد والبطالة وتفشي الأثرة، حد إيثار أصحاب الشهادات العليا قتل أنفسهم على مواصلة معيشة ضنكا، تنعدم فيها أدنى مستويات التقدير والتكريم لعباد الله مصداقا لقوله تعالى : {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}.

وأينما تنكر المؤتمنون والمسؤولون لهذه الحاجة الإنسانية  للأصفياء الأتقياء المستقيمين لقيادة سفينة العبيد إلى بر الأمان ووجد  العامة أنفسهم أمام حالة الذين يقولون ما لا يفعلون كانوا كالماء الحبيس لا يزال يحفر حتى يتفجر هادرا جارفا كل ما يجده في طريقه.

وبالتالي فحين يصادف الإنسان نموذجا من هذه العينات الربانيةالمستقيمة تصورا وتنزيلا لا يمكنه إلا أن ينهل من شلال أنوارها. تلك الأنوار والصفات التي تجلت حقيقتها  في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحلاهم الله عز وجل بحقيقة الإيمان.

ولتعودوا إخوتي القراء إلى كتاب حياة الصحابة فالمواقف النورانية المؤمنة حقا تنضح معالمها من حياة الصحابة، وكل حكاية أعجب من سابقتها في معالم الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والرضا بالقليل والاستعداد للرحيل. لقد اجتهد الصحابة على قلوبهم ليكون فيهم اكتمال الصفات، وزكوها بالجهد للدين في كل بقاع الأرض،  فحق لهم  أن يقول فيهم  المصطفى ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)).

ولولا صفاتهم تلك لما انتشر الدين في العالم، لقد تحققت فيهم الصفات الكاملة فسعوا بها لدعوة الناس إلى الخالق سبحانه، فجنوا دخول الناس أفواجا إلى الإسلام وهم يرون الصفات الربانية فيهم بيانا عيانا إذا حدثوا صدقوا وإذا عاهدوا وفوا وإذا اؤتمنوا كانوا لأماناتهم وعهدهم راعون. ويحكي الشيخ في معرض حديثه عن صفات الصحابة وضرورة التحلي بها لكسب قلوب الناس الباحثين عن الموجه أو المنقذ كما قلنا آنفا، أن مجموعة من النساء السريلانكيات البوذيات رأين ثلة من الإخوة يرافقون الشيخ في جولة دعوية وهم بملامحهم الورعة التقية، فتبعنهم وقلن لهم: نريد أن نكون مستورات مثل نسائكم فطلبوا منهن إحضار أزواجهن ففعلن، فحدثوهم فأسلموا جميعا، وكان السر في التزامهم رجالا ونساء هو تعطشهم لمخلوقات نموذجية يسعى نورها بين أيديها حياء وعفة، وخدمات ولين جانب.

وللأسف الشديد فإن صفات أصحاب الحبيب المصطفى كما جاء في حديث الشيخ  لازالت مع توالي الأزمنة تبهت في القلوب حتى لم تبق إلا صورتها.

لنأخذ مثلا ملموسا عن ضياع هذه الصفات في الزمن الحاضر يقول الشيخ : كأن الناس خلقوا للدنيا فقط وآية ذلك أنك إذا صليت صلاة الفجر لمتكد تجد في المسجد إلا القلة من الموفقين، فإذا دقت الساعة الثامنة رأيت الناس ينفرون أفواجا من بيوتهم بهمة إلى وظائفهم، وكلهم يحاذرون التأخر عن مواعيدهم الدنيوية خوف المحاسبة وخوف الاقتطاع من حوالاتهم، غافلين عن محاسبة الآخرة وديَّانِها الذي لا يموت. ويضيف الشيخ بنبرة متألمة:(الأجير يكون نشيطا في عمله بسبب قوة يقينه على الأجرة لكن في الجهد للدين يكون ضعيفا بسبب ضعف اليقين على الأجرة من الله).

ما أنفس هذا الكلام الذي لازالت فيه بقية في حلقة قادمة بحول الله. وحتى نلقاكم إخوتي دام لكم حب التضحية والجهد للدين.

> ذة. فوزية حجبي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>