من أجل إعادة تشكيل نظام تعليمي جديد..


لا شك أن أعظم مهمة تواجه الأمة في القرن الخامس عشر الهجري وبداية الألفية الميلادية الثالثة، هي حل مشكلة التعليم. وليس هناك أمل في بعث حقيقي للأمة ما لم يتم تجديد النظام التعليمي وإصلاح أخطائه.. والحق أن ما نحتاج إليه إنما هو إعادة تشكيل النظام من جديد.. ويمكن أن نعدد معالمه في النِقط التالية:

1- توحيد النظام التعليمي: إن هذه الثنائية في التعليم الإسلامي وتقسيمه إلى نظامين ((إسلامي)) و((علماني)) أو ((تقليدي)) و((مدني)).. يجب أن تُزال ويقضى عليها إلى الأبد، ويتم توحيد النظام التعليمي انطلاقا من المذهبية الإسلامية أو المرجعية الإسلامية التي تعتمد فلسفة تربوية مستندة إلى العلاقات الخمس الأساسية:

العلاقة مع الله خالق الكون ومدبر شؤونه، العلاقة مع الكون، العلاقة مع الحياة، العلاقة من الإنسان، العلاقة مع الآخرة (ثقافة اليوم الآخر)..

من هذا المنطلق يجب أن يدمج النظامان في نظام واحد، وأن يُشبع بروح الإيمان ليصبح جزءا وظيفيا لا يتجزأ من برنامجه الفكري..

2- غرس الرؤية الإسلامية وفرض دراسة الحضارة الإسلامية.. يجب ألا يسمح لهذا النظام الجديد أن يظل مقلدا للغرب ولا يُترك حرا يختط لنفسه أي طريق كان.. بل يكون له منطلقاته الخاصة، منها ينطلق ووفقها يتحرك، ومن خلالها ينظر ويُقوِّم، وبها ينفتح ويحاور ويمارس التثاقف المنشود للإستيعاب لا الاستلاب..

3- جعل التعليم يعضد التنمية الاقتصادية ويطورها: يجب ألا يُتهاون مع النظام الموحد الجديد، حيث يجب أن يصبح أداة لخدمة الاحتياجات الاقتصادية والتنموية، وكذا الاحتياجات العملية للطلاب من أجل معارف مهنية راشدة وهادفة، أو تقدم شخصي أو منفعة مادية.. فالتعليم المنفصل عن التمنية الاقتصادية لا يستحق أن يسمى تعليما أصلا، لأن التعليم هدفه التعلم، والتعلم هدفه العمل النافع، والعمل النافع تبدو آثاره الإيجابية في الواقع المعيش لا محالة، ويمتد إلى ما بعدها في الآخرة يوم يقوم الناس ليوم الحساب..

4-إعداد الإنسان الرسالي وتكوين الصالحين المصلحين.. يجب أن تناط بالنظام التعليمي رسالة، ولا يمكن لهذه الرسالة إلا أن تكون نقل الرؤية الإسلامية وتربية الإرادة لتحقيقها في الزمان والمكان.. لأن مجتمعاتنا في أمس الحاجة إلى نخبة خيرة من الصالحين والمصلحين أصحاب رسالة وأمانة ومسؤولية وغيرة حقيقية على الدين والبلاد والعباد. ومـاذا بعد؟

إذا كانت المؤسسة التعليمية قد أصبحت محتلة ومستعمرة في مجمل جوانبها فإن المؤسسات الأخرى لا زالت في متناول التغيير والإصلاح المنشود اليوم..لأن التعليم وإن كان له الدور الريادي في البناء الحضاري للأمة، فإن هناك ثغوراً أخرى وجب علينا إعمال الجهد والفكر فيها لكي تسهم في بناء رؤية تربوية وتعليمية راشدة وتفرز لنا مؤسسة تعليمية مشبعة بالقيم الأخلاقية الإسلامية وموجهة برؤية الإنسان الرسالي في الوجود.. ومن ذلك نذكر حسب سلم الأولويات وواجب الوقت ما يلي:

1- الأسرة : فهذه المؤسسة لها دور أساسي ومسؤولية عظمى في تربية وتعليم الإنسان وتكوينه تكوينا صالحا وفاعلا. فإن عناصرها تتفاعل كلها سلبا وإيجابا في بناء الإنسان، وتحديد سلوكه، واختيار توجيه، وصنع مستقبله.. فإن كلا من الأب والأم والطفل يتبادلون التأثير، علما بأن للأب والأم دورا أساسيا ومتميزا في تربية النسل وتوجيه النشء، لهذا لا يسوغ لنا أن نهمل دور الأسرة في تنشئة الطفل وبناء كيانه النفسي والاجتماعي والفكري، باعتبارها مؤسسة تربوية لا يمكن تغييبها أو الاستغناء عنها بالمدرسة أو الإعلام.. وهنا يمكن أن نناقش فكرة شائعة في بعض أوساط التفكير الإسلامي والتي تعتبر المدرسة هي حصن الدفاع الذي يحمي الشخصية الإسلامية أو يبني تلك الشخصية في مواجهة احتمالات الانحراف والفساد..لا نريد أن نقلل من أهمية المدرسة ومن الدور الذي تلعبه في عملية التأثير، إلا أن الأمر يحتاج إلى إيضاح نقطتين هامتين :

> الأولى: أن التأثير الذي تنجح المدرسة في تحقيقه يتم من خلال التوجيه المباشر الديني أو العقائدي أو السياسي، وهو ما تفعله المدرسة الإسلامية غالبا.. ولم تفعل الإرساليات ذلك إذا أردنا دراسة تجربتها كنموذج ناجح في العمل والتأثير، بل يتم هذا التأثير من خلال الفضاء الواسع الذي يحيط بالطالب داخل المدرسة، ويجعله يشعر بالانتماء إليه وإلى كل ما يتعلق بهذا الفضاء الجغرافي على مستوى العلاقات والترفيه والنشاط والفنون وسواها. مما لا يدخل في باب التعليم المباشر الذي لا يختلف برنامجه في المدرسة الإسلامية عنه في أي مدرسة أخرى إلا ما في الشكليات ترضي الذات ولا تمس الجوهر!

> الثانية: أن المدارس الإسلامية على الرغم من كل الجهود التي تبذلها في سبيل تربية النشء ووفقا لمبادئ وأخلاقيات التربية الإسلامية، تشكو ومعها الأهل والمربون من سيطرة ثقافة التلفاز على شخصية طلابهم والأبناء.. هذا يعني أن هناك ثغرة خلفية أكثر خطورة من المدرسة وهي ما ينبغي تحصينه والمحافظة عليه، وما نريد قوله -دون أن نستفيض في الحديث عن سلبيات وسائل الإعلام والتلفاز التي أصبحت عادة مملة بدورها لا تترافق مع أي فكرة حول إيجاد الحلول المناسبة- هو أن الأسرة هي التي تتعرض لمخاطر التشويه والتهميش وهي التي وجب العمل على تحصينها والمحافظة عليها من أي خرق أو تشويه.. فهي في نهاية المطاف جوهر نظام المناعة الذي نبحث عنه وينقصنا في طريق الخيرية الموعودة لهذه الأمة.. فعندما يكون نظام المناعة قويا، تصبح القدرة على استيعاب وتحويل الأشياء الخارجية أكثر حيوية وجذرية، أما إذا لم يتم تحويل هذا الشيء الخارجي، بسبب نقص في نظام المناعة، فإن الجسم نفسه هو الذي يتعرض للتحول. والأسرة بنظام القيم العلاقات بين الآباء والأبناء والحلال والحرام في داخلها ودور المرأة ورسالتها في التربية والرعاية.. هي أساس نظام المناعة في تماسك الاجتماع الإسلامي وهي ما ينبغي التشدد في المحافظة عليه، ويجب ألا يسمح باختراقه تحت أي ذريعة أو مبررات..

2- المسجد: وهو من المؤسسات الإسلامية الأساسية في المجتمع والتي لا زالت تحافظ على الحد الأدنى من مقومات التربية والتعليم اليوم.. ولا يخفى على أحد ما للمسجد من دور فعال في البناء الحضاري للأمة، فقد أثبتت هذه المؤسسة جدارتها عبر تاريخ الأمة حيث كان لها الأثر البليغ ولا زال في تغيير وإصلاح الفرد والمجتمع من خلال التجمعات اليومية والأسبوعية، ومن خلال العلاقات الاجتماعية التي يبنيها المسجد بين جل المصلين والتي تفرز من النتائج التربوية التعليمية الشيء الكثير..

3- الجمعيات العاملة: نعم! الجمعيات العاملة بإخلاص وصدق.. سواء كانت تربوية أو ثقافية أو اجتماعية أو تنموية، فهي تساهم لا شك في إعادة تشكيل العقلية الحضارية للمسلم المعاصر اليوم.. وبالتالي التأثير في منسوبه التربوي والتعليمي..

4- الجهد الذاتي: وذلك انطلاقا من قوله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}، فالتزكية المستمرة للنفس من خلال الصلاة والصيام وقراءة القرآن الكريم.. هي من الوسائل الناجعة لتحقيق القابلية للتربية الحسنة والتعلم النافع.. فبهذه التزكية يتم القضاء على الميوعة واللامبالاة المسيطرة على النفس، الشيء الذي سيمكن من التخلق بمكارم الأخلاق وجميل الصفات، والانطلاق نحو تحصيل العلم النافع الذي يجعل الإنسان ربانيا محفوظا من كل الشطحات، وفي مأمن من كل الهفوات، وبعيدا من كل الخرافات، ذا عقلية تأصيلية ونقدية لكل المستجدات، قد حفظه الله تعالى من الانجرار إلى مواطن التهور والمغامرات..

ذ محمد بوهو

Al_qalsadi2006@hotmail.com

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *