قـوانـيـن الـقـرآن الـكـريــم(4) قانون قبول العمل


الإنسان كائن متحرك بوقود الشهوات
…قانون اليوم قانون قبول العمل، الإنسان… كائن متحرك، ما الذي يحركه، أودع الله فيه الشهوات ليرقى بها صابرا أو شاكرا إلى رب الأرض والسموات، أودع فيه حاجة إلى الطعام والشراب، هو إذن يتحرك ليأكل، أودع فيه رغبة في الطرف الآخر، يتحرك ليتزوج، أودع فيه رغبة في تأكيد الذات، هذه الحاجات الأساسية التي أودعها الله في الإنسان تجعله كائنا متحركا، لكن هذه الحركة إما أن تكون وفق تعليمات الصانع، وفق منهج الله؛ أو أن تكون حركة لا تنضبط بمنهج الله. فالذي يؤكد خطورة هذا التحرك هو مدى مطابقته لمنهج الله، مثلا الله عز وجل حينما يقول : {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}(الكهف : 104) هؤلاء يتحركون، ولكنهم يتحركون بخلاف منهج الله،إذن لايحققون لا سلامتهم ولا سعادتهم، إذن أكبر خطر يتهدد الإنسان أن تأتي حركته بعيدة عن منهج الله، لذلك الإنسان لا يسلم ولا يسعد إلا إذا جاءت حركته متوافقة مع الأمر والنهي اللذين هما من عند خالق السموات والأرض {ولاينبئك مثل خبير}(فاطر : 14).
الطاعة والمعصية فيهما بذور النتائج
…الله عز وجل يقول : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته}(آل عمران : 102) يعني اتقوا أن تعصوه، وحق تقاته أن تطيعه أيها الإنسان فلا تعصاه، وأن تذكره فلا تنساه، وأن تشكره فلا تكفره؛ إذن حق التقوى أن تكون طائعا وذاكرا وشاكرا. فالإنسان حينما يقصر في ذكر الله يشعر بالكآبة والضيق والضياع والإحباط، وحينما يقصر في ذكر الله يؤدبه الله عز وجل، وحينما يقصر في طاعة الله يكون قد خالف تعليمات الصانع، لأن العلاقة بين الأمر والنهي علاقة علمية وعملية، بمعنى أن الطاعة فيها بذور النتائج وأن المعصية فيها بذور النتائج… والله عز وجل يقول : {وجاهدوا في الله حق جهاده}(الحج : 78) يعني أن تحمل نفسك على طاعة الله، لأن الله سبحانه وتعالى أودع فيك طبعا وكلفك تكليفا، فالطبع مناقض للتكليف، أودع فيك حب الراحة و الاسترخاء والنوم، وكلفك أن تستيقظ لصلاة الفجر، أودع فيك رغبة في أخذ المال وكلفك أن تنفقه، أودع فيك رغبة أن تملأ عينيك من محاسن المرأة والتكليف أن تغض البصر، هذا التناقض بين الطبع والتكليف هو ثمن الجنة {فأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى}(النازعات : 41).
لوازم قبول العمل
ولكن من لوازم قبول العمل كما قال الله عز وجل : {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها} لم يقل {وسعى لها} قال : {وسعى لها سعيها} السعي الخاص، السعي المطلوب، السعي الذي يحقق نتائج باهرة {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مومن فأولئك كان سعيهم مشكورا}(الإسراء : 19) إذن كما نقول لكلية الطب علاماتها، ما كل طالب ينال شهادة ثانوية يسمح له بدخول كلية الطب، فلابد من مجموع خاص، وهذا معنى {وسعى لها سعيها}، لذلك يقول الله عز وجل : {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به}(النساء : 122) والأماني بضائع الحمقى، والله سبحانه وتعالى لا يتعامل مع تمنيات الإنسان إطلاقا، بل يتعامل مع صدقه في الطلب، الله عز وجل يقول : {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا}(الإسراء : 20).
…الله عز وجل يقول : {وأن أعمل صالحا ترضاه}(الأحقاف : 15) متى يرضى الله عن العمل؟ قال العلماء: يرضى الله عن العمل، ويقبله، ويثيب عليه، ويحفظ صاحبه ويوفقه، ويلهمه الحكمة والسداد والرشاد والأمن والطمأنينة؛ إذاكان خالصا وصوابا: خالصا ما ابتغي به وجه الله وصوابا ما وافق السنة، لذلك ما كل عمل يقبله الله عز وجل؛ هناك بعض البدع كأن تقول حفل غنائي ساهر يرصد ريعه للأيتام، هذا عمل ليس وفق منهج الله مع أن نيته فيما يبدو العمل الصالح، أو أن تقول يناصيب خيري، فالعمل لا يقبل عند الله إلا إذا كان خالصا، ما ابتغي به وجه الله، وصوابا ما وافق السنة؛ فهذا من أجل أن نوفر أوقاتنا وجهدنا، وألا تنطبق علينا الآية المؤلمة… {قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}(الكهف : 104) فلابد من التأكد من صواب العمل، هل يوافق السنة؟ هل يوافق منهج الله عز وجل؟ هل يرضي الله عز وجل، هل يقبله الله عز وجل؟ هل في هذا العمل إيذاء للآخرين، هل في هذا العمل ابتزاز لأموالهم؟ هل في هذا العمل عدوان على أعراضهم؟ هل في هذا العمل أخذ ما ليس لك أن تأخذه؟ فلذلك قانون قبول العمل مهم جدا في حياتنا؛ ما من أحد إلا ويتحرك، يتحرك بحكم الدوافع التي خلقها الله فيه، ولكن هذه الحركة إما أن تأتي وفق منهج الله، فتكون السعادة والسلامة والتفوق والسرور، وإما أن يكون الإحباط والإخفاق والبعد عن الله عز وجل… والشعور بالشقاء. سيماء الإخلاص …شيء آخر، العمل متى يقبل؟ قال تعالى {فاعبد الله مخلصا له الدين}(الزمر : 2) ما الإخلاص؟ أ ن تبتغي بهذا العمل وجه الله، بل ما علامات الإخلاص؟ علامات الإخلاص…ألا يتغير العمل وأنت تعمله أمام الناس، أو تعمله وحدك في البيت، ليس هناك فرق بين خلوتك وجلوتك، ولا بين سرك وعلانيتك، ولا بين العمل الذي تفعله تحت ضوء الشمس أو في مكان خافت الإضاءة، العمل واحد لا يزيد ولا ينقص، ولا يتأثر ولا يتبدل، ولا يعدل ولا يضاف إليه…في باطنك وفي ظاهرك…وعلامات الإخلاص أيضا تؤكد أن العمل لا يزيد بالمديح ولا ينقص بالذم…و… أنك تشعر بعد هذا العمل بما يسمى بالسكينة، والسكينة شعور لا يوصف، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء. …نحن حينما نقرأ قوله تعالى {قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} (الأنعام : 19) معنى ذلك أنه من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس فيه، وإذا لم تستحي من الله في هذا العمل فاصنع ما تشاء، لذلك يقول الله عز وجل {ألا لله الدين الخالص}(الزمر: 3) لايكون الدين مقبولا عند الله إلا إذا كان خالصا وصوابا، يقول صلى الله عليه وسلم : >والله لئن أمشي مع أخ في حاجته خير لي من صيام شهر واعتكافه في مسجدي هذا< بل من شدة الورع الذي علمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم، بعض العلماء فهموا من أقوال النبي المتعددة، فقالوا هذا القول الرائع… والله لترك دانق من حرام وقال العلماء الدانق سدس الدرهم… خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام. إذن البطولة… أن تتحرك، لكن أن تأتي الحركة وفق منهج الله، وأن يكون العمل مقبولا، إن في إخلاصه، وإن في صوابه وإن في مطابقته لمنهج الله عز وجل وإن في مطابقته لسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم، وهنيئا لمن جاء إلى الدنيا وعمل صالحا، وقبل الله منه هذا العمل، فسلم في الدنيا وسعد، وسمح…له أن يكون من أهل الجنة. يقول صلى الله عليه وسلم : >إذا لم تستحي فاصنع ما تشاء” قد يفهم بعضهم من هذا الحديث أنه متعلق بالحياء، ولكن الحديث له أبعاد دقيقة، يعني إذا كان هذا العمل وفق منهج الله ويرضي الله، والمجتمع الذي تعيش فيه لايقبل هذا العمل، فلا تعبأ برأي الناس فيه. البطولة أن يكون العمل عند الله مقبولا، وأن يكون العمل صالحا وفق تعليمات الصانع ووفق منهج الله، فإن لم تستحي فافعل ما تشاء أوفاصنع ما تشاء، ولا تعبأ بكلام الناس المثبطين الذين تحكمهم عادات وتقاليد… وإلى لقاء آخر إن شاء الله…
لخبير الجمال الدعوي الدكتور محمد راتب النابلسي
أعده للنشر ذ. عبد المجيد بالبصير

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *