قـوانـيـن  الـقـرآن  الـكـريــم – قــانــون الــعـزة


العزة حاجة حياتية إلى تأكيد الذات

…القاعدة اليوم قاعدة العزة ولابد من مقدمة…الإنسان عقل يدرك وقلب يحب وجسم يتحرك، غذاء العقل العلم وغذاء القلب الحب وغذاء الجسم الطعام والشراب، ولكن الله سبحانه وتعالى خلق في الإنسان حاجات ثلاثا، الحاجة الأولى حاجته إلى الطعام والشراب ليحافظ على بقائه، وأما الحاجة الثانية فهي حاجته إلى الطرف الآخر، إلى زوجته، وحاجة الزوجة إلى زوج، حاجة كل من الذكر والأنثى إلى الطرف الآخر تحقق بقاء النوع، لكن قانون العزة متعلق بالحاجة الثالثة، الحاجة إلى تأكيد الذات؛ فالإنسان بعد أن يأكل ويشرب، ويشبع ويرتوي، ويتزوج ويحقق هذه الحاجة في الطرف الآخر، هو بحاجة عميقة جدا إلى أن يكون شيئا مذكورا، إلى أن يؤكد ذاته، إلى أن يشار إليه بالبنان، هذه حاجة في أي إنسان.

وحاجات الإنسان لحكمة بالغة حاجات حيادية، يمكن أن تكون سلما نرقى بها إلى أعلى عليين، أو أن تكون دركات نهوي بها إلى أسفل سافلين، ألم يقل الله عز وجل وهو يخاطب النبي  : {ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك}(الشرح : 1/4) هذا الرفع للذكر تلبية لحاجة في الإنسان، لكن هذه الحاجة كما أقول دائما حيادية، قد تكون سلما نرقى بها إلى أعلى عليين، وقد تكون دركات نهوي بها إلى أسفل سافلين… حاجة الإنسان إلى أن يكون مكرما، إلى أن يكون عزيزا، إلى أن يكون مهما، إلى أن يكون في قلوب الناس، إلى أن يكون ملء سمعهم وبصرهم، إلى أن يكون مقربا، هذه حاجة أودعها الله في الإنسان، ويمكن أن يلبيها وفق منهجه فيسعد في الدنيا والآخرة، ويمكن أن يلبيها بخلاف منهجه فيشقى في أثناء تلبيتها في الدنيا والآخرة.

الإحسان سبيل العزة في الدنيا والآخرة

الآية الكريمة التي تعد قانونا لتلبية هذه الحاجة هي قوله تعالى : {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولاذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون}(يونس : 26).

من هؤلاء الذين يستحقون التكريم؟

من هؤلاء الذين يستحقون أن يكونوا في مكانة علية في مجتمعهم؟

للذين أحسنوا، وكلمة أحسنوا كلمة جامعة مانعة شاملة،  أحسنوا في عملهم، أحسنوا في زواجهم، أحسنوا في حرفهم، أحسنوا في علاقاتهم، أحسنوا في كسب أموالهم، أحسنوا في إنفاق أموالهم، أحسنوا في وقت غضبهم، أحسنوا في رضاهم، الإحسان كلمة جامعة مطلقة. أنت حينما تكون محسنا، حينما تبني حياتك على العطاء، حينما تكون لبنة أساسية في بناء، حينما تكون متفوقا على أقرانك، أنت محسن.

والإحسان بشكل دقيق نصفان، التزام وانضباط بتعليمات الخالق ثم عطاء للمخلوق، التزام وعطاء… أكبرجزاء لهذا الإحسان الجنة {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} قال علماء التفسير.. النظر إلى وجه الله الكريم هو الزيادة {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}… {ولا يرهق وجوههم قتر} أي : حرمان {ولا ذلة} ما الذي يؤلم الإنسان؟ أن يكون محروما أو مهانا… فمن أجل أن أكون كريما متفوقا متألقا، محبوبا عزيزا، أشعر بقيمتي في مجتمعي، يجب أن أكون محسنا.

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم

فطالما استعبد الإنسان إحسان

فأنت إن كنت محسنا رفعك المجتمع شئت أو أبيت، لأن الإنسان مفطور على حب الكمال، على حب الإحسان، على حب الالتزام، على حب النقاء، إذن من أجل أن تكون مكرما، من أجل أن تكون عزيزا، من أجل أن يشار إليك بالبنان ينبغي أن تحسن {للذين أحسنوا} لهم مكانة في الدنيا وجنة يوم القيامة، وهذا معنى قوله تعالى : {ولمن خاف مقام ربه جنتان}(الرحمن : 45) جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة {ويدخلهم الجنة عرفها لهم}(محمد : 7) في الدنيا، هم حينما اتصلوا بربهم، وأحسنوا إلى خلقه قربهم الله عز وجل، ومنحهم السكينة التي تألقوا بها.

خوارم العزة وحوالقها

شيء آخر يقول  >إياك وما يعتذر منه< أي موقف، أي سلوك، أي حركة، أي سكنة، أي كلام، تضطر معه إلى أن تعتذر وإلى أن تندم ابتعد عنه، كلام جامع مانع >إياك وما يعتذر منه<. قيل مرة لداهية من دهاة الصحابة، قيل لعمرو بن العاص ما بلغ من دهائك؟ قال والله ما دخلت مدخلا إلا أحسنت الخروج منه، والحقيقة الذي سأله سيدنا معاوية، فقال معاوية لست بداهية، أما أنا والله ما دخلت مدخلا أحتاج الخروج منه. فأنت حينما تنضبط، أو حينما تضبط كلماتك وفق القواعد المشروعة تكون محترما ومعززا ومكرما… قرأت كتابا فيه أدعية أربعة في الصفحة الأولى…متصلة أشد الاتصال بهذه الحلقة المتعلقة بقانون العزة.

الدعاء الأول اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني. مصيبة كبيرة ان تنطق بالحكمة وألا تطبقها فيسعد الناس بها، وتشقى بعدم تطبيقها. من أسعد الناس؟ من سعد بعلمه، إني أعوذ بك يا رب أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني.

والدعاء الثاني اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك، يعني أن أصبح قصة يتعظ بها الناس ؛ فلا بد أن أكون مع المشاهدين، لا أن أكون على خشبة المسرح، وتكون قصتي موعظة للناس…يعني هناك آية دقيقة يقول الله فيها {فجعلناهم أحاديث}(سبأ : 19) أصبحوا عبرا للخلق، فالإنسان حينما يستقيم على أمر الله، لايكون عبرة، بل يكون عنصرا إيجابيا يقدم للمجتمع المثل الأعلى.

أما الدعاء الثالث اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولا فيه رضاك ألتمس به أحدا سواك، هذا هو النفاق، أن أقول قولا فيه رضاك ألتمس به أحدا سواك، المنافق يسقط من عين الله ومن عين المجتمع، أن يكون لك موقفان، موقف معلن وموقف حقيقي، أي يكون لك سر وعلن، شيء تفعله وحدك وشيء تفعله أمام الناس، هذا الإنسان تسقط كرامته بين مجتمعه.

أما الدعاء الرابع اللهم إني أعوذ،بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك، إذن كرامة الإنسان مطلب أساسي عند كل إنسان، وهذا المطلب يمكن أن يكون سببا لرقي الإنسان إلى أعلى عليين، وأن يكون هذا المطلب نفسه سببا لسقوط الإنسان إلى أسفل سافلين؛ لذلك لن نقطف ثمار هذا الدين من سلامة وسعادة وعزة وكرامة إلا إذا كنا محسنين، فالإحسان طريق العزة، وقد تجد موظفا متواضعا جدا لكنه محسن، ويؤدي واجبه تماما يتمتع بعزة وكرامة لو وزعت على أهل بلد لكفتهم. فالإنسان حينما يخطئ يسقط أول ما يسقط من عين نفسه، ويكون سقوطه دليلا على أن فطرة الإنسان فطرة سليمة، أودعها الله في الإنسان لتكون رادعا ودافعا لكماله الذي يرقى به عند الله تعالى وعند الناس…إلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى…

لخبير الجمال الدعوي الدكتور محمد راتب النابلسي(3)

أعده للنشر ذ. عبد المجيد بالبصير

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *