في الذكرى الأولى لوفاة الدكتور فريد الأنصاري


 

ها هي قد مرت سنة كاملة على رحيل العالم الرباني الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله عز وجل، وقد ظلت جريدة المحجة حريصة على نشر تراثه وتتبع فرائده، واليوم وبمناسبة مرور سنة على فقده، ووفاء لهذا العالم الجليل ننشر مقالاً للدكتور إبراهيم بلبو، ومقتطفات مضيئة تم انتقاؤها من كتابات المرحوم. فرحم الله عالـمنا الرباني فريد الأنصاري ونفع الأمة بعلمه آمين.

فـريد :غـواص فـي بحـر الـمـصـطـلـح 

إذا كان فريد الفريد، رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنانه مع المنعم عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، قد برز نجمه وعلا صيته في كثير من الحقول المعرفية:

في الرواية والشعر وأصول الفقه والمقاصد والفكر التربوي… فإنه كان علما من أعلام المصطلح في المغرب، بل في العالم الإسلامي، بفضل غوصه العميق في بحر المصطلحات التراثية، وامتلاكه للأدوات المنهجية الكفيلة بإتقان التصميم والبناء الفكري، وأخذه بناصية الآليات اللغوية والمعرفية الكفيلة بحسن الفهم وحسن العرض.

1- شهـادات على غوصـه العميـق فـي بحـر الـمـصـطـلـح: لقد شهد له بذلك أستاذه ومربيه، شيخ “المدرسة الفاسية” في علم المصطلح، الأستاذ الفاضل الشاهد البوشيخي، المعروف برسوخه العلمي وتمكنه من المعارف الإسلامية أصولا وفروعا، حكما وأحكاما، المشهود له بتجديد المناهج المعتمدة في دراسة التراث الإسلامي، فهو واضع المنهج الوصفي في الدراسة المصطلحية القائم على الأركان الأربعة: الإحصاء، الدراسة النصية، الدراسة المفهومية، العرض المصطلحي. فكان مما قاله في حقه: “لقد خاف فأدلج، ومن أدلج بلغ المنزلة، وإني من البدء أقول في هذا المجال -ولكل مقام مقال- ما قال عمر رضي الله عنه : (غص غواص) حينما كان يلقي أمرا في مجلسه بين مستشاريه، ويعلم أن هذا الرجل قد أوتي أمرا وقد أوتي فهما، فهذا الغوص نتج عنه ما نتج”(1). وشهد له أيضا المبرزون في هذا المجال الذين تتلمذوا أيضا في نفس المدرسة على يد نفس الشيخ، ومنهم فارسة المصطلح الأستاذة الجليلة “فريدة زمرد” التي قالت صادقة في حقه: ” لم يكتف الأنصاري بالتأكيد على أهمية الدرس المصطلحي لعلوم التراث القاعدية منها والمنهجية، وقدرته على سبر أغوار هذه العلوم والكشف عن أنساقها وقواعدها، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين نظر في مقاصد هذا النوع من الدرس، فليست غاية الدراسة المصطلحية عنده الكشف عن مفهوم المصطلح، من حيث هو لفظ معجمي، بل هي تصبو إلى تبين الرؤية الكامنة فيه والفلسفة التي تؤويه، وإلى معرفة ما يشكله ضمن عقلية المسلم من مفتاحية لفهم الذات وتقويمها ثم تجديدها على وزانها لا على وزان غيرها….إنه الدارس الذي تماهى مع الدرس حتى صار كأنه هو، الدارس الذي تفرد في حبه للمصطلح حتى صار من فرسانه…”(2)

2- دواعي غوصه:

> إيمانه القطعي بأهمية دراسة المصطلح التراثي: يقين جاء بعد شك وأنس جاء بعد وحشة، إذ لم تكفه استشهادات الدارسين المصطلحيين القدامى والمحدثين المجمعة على أن: “الدراسة المصطلحية من أوجب الواجبات وأسبقها، وآكدها على كل باحث في أي فن من فنون التراث، لا يقدم ولا ينبغي أن يقدم عليها تاريخ ولا مقارنة ولا حكم عام ولا موازنة، لأنها الخطوة الأولى للفهم السليم الذي عليه ينبني التقويم السليم والتاريخ السليم”(3).

بل شد العزم للبدء في رحلة علمية تهدف تفكيك البنية العلمية للنص التراثي لتبين موقع المصطلح منها وما يمثله في نسقها المعرفي والمنهجي على السواء، فتبين له أن العلوم الإسلامية في معظمها -كما أشار إلى ذالك الدكتور رشدي فكار- علوم نسقية مبنية على التحليل القاعدي، وأن المتأمل في طبيعة العلم يجد أنه ينبني على ثلاثة أركان: المصطلح والقاعدة والمنهج، والركنان الأخيران ينطلقان من المصطلح ويعودان إليه. فلما تبين له أنه العلم لا يتمكن منه إلا بالتمكن من مصطلحاته أولا، نادى مع غيره بضرورة الدراسة المصطلحية للتراث، مقتنعا لا مقلدا، مجتهدا لا متلقيا.

> طول صحبته العلمية لأستاذ جيل الباحثين في المصطلح: وقد انطلقت من مرحلة الدراسات الجامعية العليا في سلك المكونين، بالإشرف علي بحث كان موضوعه: “الأصول والأصوليون المغاربة: بحث ببليوغرافي”، وعن هذه البداية يقول رحمه الله: “وإنما يعنينا منه ههنا، أن الأستاذ حفظه الله، أيقظ في ذهني الحاسة المصطلحية من خلاله، وذلك بإشارة لطيفة من إشاراته، فكان أن ختمت وصف كل مصنف مما وصفت من مصنفات بنظرة مصطلحية… فكان من فضل ذلك علي أن تنبهت إلى شيء هام جدا بالنسبة إلي ساعتها وهو وجود شيء اسمه: المصطلح…”(4).

واستمرت الصحبة بقذفه مباشرة بعد هذا العمل الذي انغرست فيه البذرة وألقي فيه الهم المصطحي، في لجج ” الموافقات” ببحث مصطلحي، تحت عنوان: “مصطلحات أصولية في كتاب الموافقات للشاطبي: مادة قصد نموذجا” فكان من خيرات هذا القذف ما يحكي التلميذ بنفسه: “فكان أن اقتربت من الدراسة المصطلحية عمليا من خلال التطبيقات قبل أن أعرفها نظريا من خلال القراءات، فأثمر ذلك نظرا ولجت به باب القراءة في علم المصطلح… فكان ذاك آلتي الأولى، لالتقاط الدرر والشوارد من هنا وهناك…”(5).

ولم تقف رحلتهما العلمية عند هذا الحد بل قطعت أشواطا كثيرة توجت ببحث مصطلحي جديد، بعنوان: “المصطلح الأصولي عند الشاطبي” ضمنه كل ما استفاده من خبرات أستاذه ولطائفه وإشاراته الدقيقة وما لقنه من توجيهات منهجيه، فخرج المنتوج في جودة لا تضاهى وفي إتقان لا يجارى.

3- ثـمـرات غـوصـه: من غاص في أعماق البحر استخرج اللآلئ والمرجان، وأما الذي استخرجه فريد رحمه الله من بحر المصطلح فلآلئ ليست كاللآلئ، لآلئ علمية يستفيد منها خلق كثير ويستنير بها جمع غفير، تنير درب العلماء وتوجه سير الباحثين، ومنها:

رسالته الجامعية: “المصطلح الأصولي عند الشاطبي”: التي قال عنها أستاذه المشرف: “فهي من ناحية أول دكتوراه فيما أعلم في الدراسات الإسلامية بالمغرب، تدرس المصطلح بمنهج الدراسة المصطلحية… ومن ثم كانت هذه الرسالة مؤسسة، لأنها وإن كانت قد انطلقت، إلا أنها برزت في مجالها لخصوصية المجال…فهي رسالة لها رسالة، في مجال البحث العلمي العام وفي مجالها الخاص الذي هو قراءة النصوص المستنبطة من الوحي… هذا فضلا عن أنها رسالة هي في حقيقتها عبارة عن رسائل… فهي إضافة علمية حقيقية في الموضوع والمنهج معا”(6).

كتاب “مفاتح النور”: وهو دراسة للمصطلحات المفتاحية لكليات رسائل النور لبديع الزمان سعيد النورسي، ابتدأ فيها “بمصطلح (التوحيد) باعتباره الركيزة الأولى لعقيدة الإسلام وعليه المدار، وثناه بمصطلح (الإنسان) المعني بهذا التوحيد والمطالب بتمثله وإدراكه حق الإدراك، وثلثهما بمصطلح (الكون) الذي تتجلى فيه أحدية الله سبحانه وتعالى لما تتضمنه من كائنات هي آيات وجودية ناطقة بتوحيد الله ودالة عليه تعالى، ثم لأنه هو المجال الذي استخلف فيه الإنسان المطالب بتدبيره لإدراك عظمة الخالق والتيقن بوحدانيته، ثم أتبع هذه المصطلحات بمصطلح (القرآن) باعتباره وحيا منزلا يبين صفات الواحد الأحد وينظم للإنسان دينه ودنياه في علاقته بخالقه والكون الذي يعيش فيه… وبعد ذلك انتقل إلى مصطلح (الانتساب الإيماني) على أساس أن هذا الانتساب هو الذي يعلي من قيمة الإنسان الروحية، ويبعده عن أدران المادية، ليختم هذه المصطلحات بمصطلح (الأخلاق) التي هي قوام إنسانية الإنسان”(7).

وقد استطاع بذكائه الوقاد وخبرته العلمية في دراسة المصطلح أن يحرر هذه المصطلحات الست مما علق بها من فهوم علماء الكلام والتصوف وإرجاعها إلى أصلها القرآني النقي الطاهر.

كتاب “مفهوم العالمية من الكتاب إلى الربانية”: فهو على صغر حجمه عظيم الفائدة، قصد رحمه الله من خلاله إلى بيان المعنى الصحيح والمقصود الشرعي لمفهوم العالمية، ومدى تحقق الإنسان بهذه الصفة حتى يصدق عليه وصف عالم، وإلى إبراز أصول العلوم التي تمثل أركان منهج طلب العالمية، وقد حددها في أربعة أصول هي: نصوص الوحي، العلوم الشرعية، فقه اللسان العربي، وفقه الواقع، وأرفق هذا كله بوضع برنامج تكويني لتخريج العالم يتضمن كتب التخرج وكتب استكمال التكوين في كل مادة من مواده. والحقيقة أن كل مؤلفاته لآلئ ثمينة تنضح بدقته العلمية وتأصيله الشرعي ورصانة أسلوبه وحسن بيانه وحسه المصطلحي.

د. إبراهيم بلبو

—–

1- المصطلح الأصولي، ص 6. 2- فارس من فرسان المصطلح، فريدة زمرد، المحجة، ع 330- 331. 3- مصطلحات نقدية وبلاغية، ص13 4- المصطلح الأصولي، ص 20- 21. 5- المصطلح الأصولي، ص 21. 6- المصطلح الأصولي، ص 6- 7. 7- أهمية المصطلح في الفهم الدقيق للنص واستيعابه، المحجة، ع: 330- 331.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *