عبرة


عن عمر بن ميمون بن مهران قال : قال لي أبي ميمون بن مهران خذ بيدي إلى الحسن (يعني البصري العابد الزاهد) فذهبنا إليه، وطرقنا الباب فخرجت جاريته وقالت : من؟ قال : ميمون بن مهران. قالت الجارية : يا شيخ السوء ما أبقاك إلى هذا الزمان السوء (وكان ميمون كاتبا لعمر بن عبد العزيز رحمه الله) فبكى ميمون حتى علا نحيبه، فسمع الحسن بكاءه فخرج، فلما رءاه اعتنقه. فقال ميمون : يا أبا سعيد آنست من قلبي غلظة فاسْتَلِنْ لي (يعني قل لي شيئا يلينه) أفأصوم له يا أبا سعيد؟ فقال الحسن : {أفرايت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون} ثم دخل، فلما عدنا، قلت لأبي : أهذا هو الحسن؟! فقال : لقد تلا عيك آيات لو تدبرتها بقلبك لوجدت لها كلوما.

أُخَي، أما آنست يوما من قلبك غلظة؟ أما وجدت به وحشة؟أما آلمتك قسوته؟ أما تسمع أناته وصرخاته؟ أما تحس به ينتفض انتفاض الطائر الجريح؟ كأني أسمع بعض كلامه ويخفى علي بعضه من وهن الصوت وضعفه، فكان مما سمعته : أنا يا صاحبي قد أرهقني طول البعد عن الله {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} وأتى على وميض النور الذي حاولت جهدي ألا يخبو وهجه، إذ به حياتي {أفمن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس} به أستطيع أن أحرق الشهوات والشبهات التي أثقلتني، وحالت بيني وبين التحليق في سماء الأنس والقرب، وحرمتني من لذة المناجاة.

قلوب العارفين لها عيون

ترى ما لا يراه الناظرون

وأجنحة بغير ريش

تطير إلى رب العالمين

واهاً لك يا صاحبي، سِرْ بِي إلى مروج الإيمان علِّي أرتشف من أزهارها رحيق الحياة، فأغرد لحن الوصال من جديد.

 ذ. منير مغراوي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *