خطبة منبرية – حـوادث الـسـيــر معضلة كبرى لا علاج لها إلا بالإسلام، فكيف؟!


الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

ثم أما بعد:

ما هي الأسباب وراء تفاقم حوادث السير؟: فما يزال المغرب يواجه معضلة اجتماعية تتعلق بما يسمى بأزمة حوادث السير، ولا تزال مؤسساته المختصة كاللجنة الوطنية للوقاية من حوادث السير، وسائر المؤسسات التي تدعمها وتساعدها في هذا كوزارة الأوقاف وغيرها، لا يزال أولئك جميعا في حَيْرة من أمر حوادث السير وما يقع فيها من كثرة، يحاول الجميع أن يقنن لها وأن يجعل لها مخرجا عسى أن تقل وعسى أن تضمحل، والناظر فيما يعرضونه من إحصائيات وأسباب وأولويات، ومن مقاييس ومن مراتب لطبيعة هذه الحوادث وأسبابها، الناظر في ذلك يدرك أن السبب الرئيسي يرجع إلى طبيعة الإنسان من حيث خُلقه وتربيته، صحيح أن أسباب حوادث السير متعددة؛ منها ما يرجع إلى الإنسان، ومنها ما يرجع إلى الآلة، ومنها ما يرجع إلى البنية التحتية التي هي الطرق وما شابه ذلك، لكن الحظ الأكبر في الفساد والإفساد يرجع إلى الإنسان، وهذا في كل الأشياء؛ فالعامل البشري هو العامل الأول، فالحوادث إما أن تكون بسبب المخالفات الإنسانية والبشرية وإما بسبب الحالة الميكانيكية – كما يعبرون – للسيارة أو بسبب البنية التحتية للطرق من فسادها أو انحرافها أو اعوجاجها أو غير ذلك، ويرتبون هذا الترتيب؛ بأن السبب الإنساني هو الأول، وخاصة السرعة ومخالفة قانون السير كالتجاوز فيما لا ينبغي أن يقع فيه التجاوز، واقتطاع حقوق الآخرين من الأسبقيات، إذا كان هذا هو السبب الأول المرتب معناه أن الإنسان إذن يقرر – هذه هي النهاية والمآل – يقرر أن يحدث حادثة سير، يعني أن الإنسان كأنه يريد أن يقوم بحادثة، صحيح أنه لا يتوقع نتائجها، شيء طبيعي، ولكنه يرتكب أسبابها، ما أحسب أن الأمر إلا راجعا إلى الجانب الخلقي والتربوي والمستوى الضعيف للتدين على المستوى الاجتماعي لدى الناس، وهذه مشكلة معروفة في بيئتنا، بمعنى أن هنالك انفصاما لدى كثير من الناس في ممارسة الدين بين المسجد والمجتمع؛ عدد كبير من الناس يتصورون أن الدين موجود في المسجد فقط وكأنه لا دين خارج المسجد، بل الدين شامل عام، ينظم حياة العبد وعلاقته فيما بينه وبين ربه، وينظم حياته وعلاقته فيما بينه وبين أخيه الإنسان، وهو الجانب الاجتماعي من الدين، وكما يؤجر العبد في المسجد يؤجر كذلك خارج المسجد، وكما يذنب العبد بترك حق من حقوق الله في المسجد كأن يغيب عن صلاة أو غير ذلك، كذلك يذنب حينما يقتطع حقا أو يقوم بمخالفة في المجال الاجتماعي، والإسلام لم يترك هذا الأمر همْلاً لَقًى، لا، بل شرع فيه تشريعات كلية عامة، وتحدث حتى الفقهاء قديما عن نوازل من مثل هذا، صحيح كانت الطرق بمعنى مختلف ولم يكن هنالك قانون دقيق ينظمها، لكن كانت هناك أخلاقيات عامة مرجعها الإسلام، وتحدثوا حتى عن القتل الخطأ بسبب ذلك قديما،إذن لدينا تراث إسلامي مرجعه الكتاب والسنة ثم اجتهادات الفقهاء التي يجب أن تُحيى إذا أردنا أن نعالج صادقين هذه الآفة الخطيرة التي تحصد الأرواح سنويا من المسلمين، لم يكن عبثا قول رسول الله : >مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى<، هذا مرجعه شيء أساس، وهو أن المؤمن يشعر بأخيه المؤمن، ويشعر بحقه وبما ينبغي له من الحقوق والمحبة، والنبي فرض المحبة على المسلمين فيما بينهم , فرض المحبة وأرشدنا إلى سبل المحبة من التهادي والسلام؛ >ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؛ أفشوا السلام بينكم<، هذه الصلة من إفشاء السلام حين تسلم على أخيك المؤمن حين تقول : السلام عليكم، ومعنى السلام أنك تؤمنه – وتأمينك أخاك المسلم لا ينبغي أن يكون بالقول فحسب بل بالفعل، ولذلك حينما يتحمل المؤمن مسؤولية تأمين نفسه وتأمين الآخرين ويحمل هذا الإحساس فإنه بإذن الله لن يكون مؤذيا، في سياقته ولا في سيره ولا في كل أمره، ويحتاط لغيره بقدر ما يحتاط لنفسه، ولدينا هنا الحديث الصحيح المتفق عليه بين البخاري ومسلم ويرويه غيرهما والذي يقول فيه : >لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه<، المحبة، >حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه<، وهو يحيل على طرف الحديث الذي أشرت إليه آنفا، وبدؤه قوله عليه الصلاة والسلام “لا تدخلوا الجنة حتى تحابوا”، المحبة أساسية لدخول الجنة ولنيل رضوان الله جل وعلا، ثم قال: >ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم<، إفشاء السلام، وعبارة “الإفشاء” مهمة جدا وتدل على الانتشار، ليس أن تقول السلام عليكم باللسان وكفى، ولكن تقصد إلى أن تنتشر هذه العبارة بمضمونها بين الناس وتصبح عادة شاملة، الإفشاء ليس فقط قول السلام، الإفشاء أعظم من القول وأبلغ، لأنه لو قال لنا “قولوا السلام عليكم” أو “سلموا على أنفسكم وفيما بينكم”، يعني أن تسلم مرة في السنة أو في الشهر تكفي، ولكن التعبير بكلمة “الإفشاء” أن تصبح عبارة السلام لغة اجتماعية سائدة سائرة في كل مجال وفي كل وقت وحين، هذا هو الإفشاء، ولا يكون ذلك حقيقة إلا إذا حصلت المحبة قلبيا وجدانيا، >حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه<، كيف الوصول إلى هذا؟ الوصول إليه بالقضاء على الموانع التي تمنعه، لأنه نظريا المسلمون يحبون المسلمين، ومن حيث المبدأ فالمسلم يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو يحب الله تعالى و يحب رسوله ويحب المسلمين أجمعين، ولكن هنالك أشياء من الناحية العملية تمنع أن يقع شيء من الخير في الناس؛ هي مجموعة أمراض، وهي التي ينبغي أن تعالج، وإذا عولجت بإذن الله بالتأكيد وبالقطع -لأن الأدلة من الكتاب والسنة تدل على ذلك- تضمحل ظاهرة حوادث السير اضمحلالا قياسيا.

أسباب استفحال ظــاهــرة حــوادث الـسـيـر : هذه الأمراض مرجعها إلى أمرين:

الأمر الأول: الأنانية

الأمر الثاني: ضعف الإيمان بالله توكلا، وهو الذي يسبب العجلة، والعجلة من أهم أسباب حوادث السير بالاحصاءات التي توردها المؤسسات.

فأما الأنانية فتلك هي الآفة الكبرى لدى الناس وهي آفة اجتماعية، فحينما تعتبر أخاك المؤمن فعلا يستحق من الخير والمحبة ما تكنه لنفسك وزيادة تؤثره على نفسك، معنى ذلك أنك تخلصت من أنانيتك، والأنانية ضرب من الكبر وعبادة الهوى وعبادة النفس وعبادة الذات وتحتاج إلى مجاهدة نفسك في الله، ولن يرضى الله جل وعلا على العبد حتى يذيب أنانيته بين يديه سبحانه وتعالى، فإذا أذابها بين يديه كان خليقا بأن يعامل عباده بالمعنى الذي يجعله فعلا متواضعا ويشعره ويشعر الآخرين بأنما هو عبد لله، وما أهلك إبليس إلا أن قال “أنا”، قال “أنا خير منه”، وذات يوم أو مرة طرق رجل باب رسول الله، فسأل نبيُّ الله : من الطارق؟ فقال الرجل “أنا”، وخرج رسول الله ليفتح له وهو يقول : “أنا أنا”، قال المحدث كأنه كره ذلك منه أي لم يعجبه أن يقول ذاك الطارق “أنا”، ولذلك من الأدب الجميل الذي ما يزال يحمله المغاربة أنه حينما يطرق أحد عليك باب منزلك ففي الغالب حينما تقول من الطارق يقول لك:”قريب” وهو من الأدب الرفيع، وأصله هذا الحديث وهذا الخلق لأن قول الإنسان “أنا” فيه نوع من الاعتزاز بالذات وفيه نوع من الكبر، والحديث النبوي فيه شيء لطيف جدا فعلا، وهو وإن كان صغيرا لكنه يربي على الأمور الكبيرة، ورحم الله ابن عباس ورضي عنهما حين فسر الربانية كما في صحيح البخاري بقوله”الرباني من يربي بصغار العلم قبل كباره”،لأنه كثيرا ما تقع الأمور الكبيرة بسبب الأمور البسيطة والجزئية الصغيرة، وتشير إلى شيء معين سلبي أو إيجابي، فإعادة تشكيل سلوكنا الاجتماعي رهين بإعادة تربيتنا على الأصول الإسلامية الكبرى، وعلى رأسها هذا المعنى الذي نذكر؛ نتخلص من أنانياتنا الفردية حتى تحصل المحبة بيننا، وحتى نفوز بذلك المقام العالي الرفيع الذي جاء بهذه البشرى المذكورة في الحديث النبوي السالف الذكر، مرتبة الإيمان العليا، “لا يؤمن أحدكم” أي لا يكمل إيمانه “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”.

الأمر الثاني هو هذه العجلة، فمع الأسف الشديد وواضح جدا أننا نسابق إلى الدنيا أكثر مما نسابق إلى خيرات الآخرة، وكثيرا من الأحيان تكون هذه المسابقة وهمية، فتلاحظ أن الناس كثيرو الجري والسرعة وحين يصلون يجلسون بعد ذلك ولا يفعلون شيئا ذا بال في غالب الأحيان، ثم إذا أحسست بضياع الوقت وانفراط الزمن فلا يكون من قدر الله إلا ما كان، لا يمكنك أن تحدث من الزمن فوق ساعة الزمن، لأنه لا يمكنك أن تجري بالسرعة المفرطة وتخرق كل القوانين وتقتطع كل الحقوق للآخرين ولا تصل في النهاية إلى المراد إذا ما قدر الله لك أن تصل، ولذلك قلت المرجع في هذه المسألة إلى التوكل على الله عز وجل، إذا توكلت على الله حق توكله تأخذ بالأسباب الطبيعية،لا تفرط أنت بمواقيتك، ارتبط بمواقيت الصلوات، عند الفجر تكون مستيقظا أصلا، وترتب زمن نهارك على المقادير التي يسر الله جل وعلا، تتخذ الأسباب الطبيعية وتتوكل على مولاك الذي خلقك، بإذن الله لن يضيع لك خير.

والإسلام علمك أيها المؤمن أنه حينما تخرج من منزلك تذكر دعاء الخروج >باسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله<، يصحبك ملَكٌ عن يمينك ويرفع راية يحفظك بأمر الله فإذا تلقتك الشياطين التي تستفزك -لأن تلك السرعة وتلك الفتنة من الشياطين- تنحى عنك الشيطان وقالت الشياطين بعضها لبعض “أما هذا فقد وقي وكفي”، يعني أن ربي حافظه وكافيه، الملك الذي يحفظه بأمر الله يرفع راية على رأسه بأن هذا الشخص محمي محفوظ مُسَدَّدٌ مرشَّد، ومن دعاء رسول الله كل غداة أي في كل صباح أنه كان يدعو عليه الصلاة والسلام دعاء لطيفا جدا جامعا مانعا، فيه الحفظ وفيه الخير: >اللهم إني أسألك خير هذا اليوم ورشده وبركته وهداه وفتحه ونصره< -قدم منها أو أخر لا بأس-، >اللهم إني أسألك خير هذا اليوم ورشده وبركته وفتحه ونصره وهداه، وأعوذ بك من شره وشر ما قبله وشر ما بعده<، دعاء جامع مانع، فيفتح الله لك من الخيرات والبركات والأرزاق في ذلك اليوم بدعائك الرحمن، وينصرك ويرزقك ويهديك سبل الرشاد ويحفظك من كل شر جاء قبل ذلك اليوم – لأن الشر ممكن أن يقع أياما قبل يومك وتكون نتائجه في هذا اليوم فتسأل الله أن يحفظك من شر هذا اليوم ومن الشر الحادث قبل هذا اليوم مما يمكن أن يلحقك هذا اليوم، ومن الشر الذي يمكن أن تحدث أسبابه اليوم لكن نتائجه لن تكون إلا بعد اليوم، إذ يمكن أن يقع لك اليوم شيء ولا يتبين لك خطره إلا من بعد أسبوع أو شهر أو سنة أو يزيد، ولذلك يقول : >وأعوذ بك من شره وشر ما قبله وشر ما بعده<، فإذا اتخذ العبد أسباب الخير، رَتَّبَ وقته ورَتَّبَ الأعمال، وتوكل على الله فإنه بإذن الله لن يناله إلا الخير ويمشي بالقواعد الطبيعية.

كما يجب عليك أيها المسلم أن تتعلم الأناة والتأني من الصلاة، هذه الصلاة وما أدراك ما الصلاة، ليس هناك عمل في الإسلام أعظم من الصلاة إطلاقا،” واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة” ومع ذلك سيدنا محمد نهى المسلمين أن يأتوها مسرعين أو مهرولين، فإذا سمعت الأذان ثم وجدت أنك لن تدرك تكبيرة الإحرام مع الجماعة فلا يجوز لك أن تأتي المسجد وأنت تجري أو تهرول (وهو حركة وسطى من السرعة)، وإنما وجب عليك أن تأتيها وعليك السكينة هكذا قال : >واتوها وعليكم السكينة< أي بشكل هادئ، سير عادي طبيعي ساكن، فيه طمأنينة وفيه سلام وفيه أمن وفيه راحة نفسية وعصبية، وأنت تسير إلى أعظم فرض من فروض الله وأهم فرائضه؛ الصلاة، ولذلك قال في تتمة الحديث : >فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا أو فاقضوا< أو كما قال عليه الصلاة والسلام على حسب الروايات، هذه حقوق الله عز وجل، أنت بذلت مجهودك، فتوضأت وقمت بما قمت به وهذا ما بلَّغك الوقت، فلما فاتك بعض الوقت فوجب أن تسعى إلى الصلاة سعي المطمئن الساكن الهادئ، كذلك ينبغي أن نرتب أعمالنا الدنيوية جميعا، إعمل مجهودك، ما ينبغي للمؤمن أن يتخاذل أو أن يغط في نومه إلى آخر لحظة ثم يقوم ويريد أن يستدرك ما فات، فسيكون ذلك على حساب الآخرين طبعا،لأنك أنت ضيعت وقتك كاملا صباحا وأنت نائم، فحين تقوم لتستدرك الوقت بشكل جنوني باقتطاع قوانين السير فأنت إذن تريد أن تصل إلى ما ضيعته بيدك لكن على حساب الناس وأولوياتهم وأسبقياتهم، أو على حسب قوانين الطبيعة التي خلقها الله في الأرض. قد تجري بكل ما أوتيت من طاقة ولكن هنالك حدوداً للسرعة البشرية في نهاية المطاف، لا يمكنك أن تخرق نواميس وسنن الله في الاجتماع البشري وفي الطبيعة، فإذا حاولت أهلكت نفسك وربما أهلكت معك غيرك أيضا.

فالأساس إذن أن إيقاظ الشعور الديني في الناس، وتجديد الإحساس بعبادة الله في الاجتماع البشري كفيل بإذن الله أن يعالج كثيرا من الأمراض الاجتماعية، بل كل الأمراض الاجتماعية بما فيها حوادث السير، لأننا -كما قلت في بداية الكلام- عندنا انفصام في أذهاننا أن الدين عندنا في المسجد ولا نمارسه في المجتمع، فحينما نشعر أننا ينبغي أن نكون مسلمين في المسجد وفي المجتمع، آنئذ -بإذن الله- سيكون لهذه الظاهرة ضمور، وستقل شيئا فشيئا على قدر نمو الإحساس الديني لدى الناس على المستوى الاجتماعي، والمؤمن لابد له أن يذكر ما يترتب عن مخالفته هذه على المستوى التعبدي.

كفالة الإســـلام لحقوق النــاس فــي الطــريق : كثير من الناس -مع الأسف- يظن أنه حين يخالف بعض الأعراف الاجتماعية وبعض القوانين فيما يتعلق بتنظيم حياة الناس، يظن أنه غير متابع دينيا، لأن المسألة تتعلق فيما بينه وبين الشرطة إذا اقتطع حق الغير ولم يره شرطي المرور أو غير ذلك وانتهت المسألة لا، أبدا، فالأمر ليس كذلك -وهذه قاعدة أساسية- الأمر الذي يتعلق بحقوق الناس يتابع فيه العبد دينيا قبل أن يتابع دنيويا، لأننا حين نتأمل أمر قانون السير، ما هو إلا ترتيب وتنظيم لحقوق الناس فيما يتعلق بالسير وأولويات السير في غالب أمره، هناك أمور أخرى تنظم ليس لها علاقة بالحقوق ولكن أغلبية بنود قانون السير ومؤشراته تتعلق بحقوق الناس بدءا بحقك أنت، يعني لما تجد الأشياء المتعلقة بعدم السرعة، ليس فقط كيلا تتسبب في قتل الغير، بل أيضا كي لا تقتل نفسك أنت أيضا، وحتى لا يقع لك ما يقع لغيرك، لأنه لا يجوز لك أن تقتل نفسك كما هو في شرع الله، ولا يجوز لك أن تلقي بيدك إلى التهلكة، وأذكر هنا حديثا صحيحا عجيبا لرسول الله يقول : >من آذى المسلمين في طرقاتهم فقد استحق لعنتهم<، لذلك أذكر كما ذكرت بداية أن من أراد أن يؤصل لقانون السير في الإسلام فهناك نصوص من القرآن والحديث، صحيح أن أسباب الورود في الحديث، كانت حاجة أخرى نظرا لاختلاف البيئة والأعراف، لكن العلماء يقولون :”العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب”، لأن سيدنا محمدا عندما قال : >من آذى المسلمين في طرقاتهم< أي من أحدث شيئا يؤذي المسلمين في الطريق فما كان يحدث أن الناس كانوا يؤذون الطريق بالأزبال والقاذورات، وبالأشياء التي تكرهها النفس وتشمئز منها، فالقياس الجلي الواضح الذي هو قياس الأولى؛ إذا كان الإنسان يؤذي الناس بأن يجعل الأوساخ في الطريق ويستحق لعنة الناس بذلك، فمن جعل في طريقهم الموت والهلاك، من باب أولى وأحرى أن يستحق لعنتهم، الحديث واضح والقياس قوي جدا؛ قياس الأولى كما يعبِّرون عنه، >من آذى المسلمين في طرقاتهم فقد استحق لعنتهم<، وهذا يفيدنا أمرين على المستوى الفقهي:

الأمر الأول: أن أمور الطريق حقوق – لم يكتشفها الناس حديثا- بل في الإسلام، أمور الطريق حقوق، وإذا آذيت مسلما بأن اقتطعت حقه تترتب عليه المسألة الأخرى،قلت أمران، وهي الأمر الثاني : أنك تستحق لعنته والعياذ بالله، بمعنى أنك قد ظلمته، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، وأي صورة من صور الظلم والإيذاء يمكن أن تؤذيه بأن كانت له أولوية المرور فأخذتها منه؛ وآذيته، إذا أفلت الإنسان من العقاب الدنيوي، من يضمن لك أن ذاك الذي سبقته واقتطعت حقه من الأولوية في السير رفع يديه إلى الله سبحانه ودعا عليك؟ ولذلك إذا شعر العبد -أنا وأنت- شعرنا بأننا أخطأنا في الطريق، فينبغي أن أهتم لذلك الشخص الذي أخذت حقه قبل أن أهتم لمراقبة عون المرور، وأقول اللهم اغفر لي وله، أستغفر لنفسي بما أذنبت لأنني أخطأت، و”كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون”، وتستغفر له عسى أن يجعل ما أخذته من حق مغفرة، فيحدث نوع من التقاطع، ذاك الدعاء يتلقاه بالاستغفار الذي استغفرت له، فيرد عنك بالحسنة التي تصدقت بها عليه، لأنك دعوت له بالخير، وتستغفر لنفسك بما أجرمت وأخطأت.

فقلت إذن عندنا مسألتان: النبي أقر بأن للطرق حقوقا،والثاني بأنك حينما تقتطع هذا الحق لست بآمن من أن يدعو عليك هذا الذي اقتطعت حقه بما هو مظلوم؛ “استحق لعنتهم”، وصور الإيذاء شتى -نسأل الله تعالى أن يرشدنا ويوفقنا- لأن الإنسان لا يحس بهذه الأمور حتى يتأملها جيدا، أو حتى يتأذى بها هو بنفسه.

الخطبة الثانية

من صور الإيذاء في الطرقات : ومن صور الإيذاء الكبيرة والكثيرة حين يتعلق الأمر بسرعة مفرطة أو اقتطاع أولويات أو خرق أولويات واضحة جدا، بحيث يتسبب ذلك في حوادث أو يكاد، هذه كبيرة جدا، لكن يلحقها أشياء قلما ننتبه إليها.

من أمثلة الإيذاء في الطرقات:

1- حين تكون لديك سيارة وحالتها الميكانيكية ضعيفة وتنفث أدخنة كثيرة، وتمر بها بجانب أناس راجلين؛ رجالاً، ونساء، أطفالاً وشيوخاً، وتؤذيهم بذلك الدخان، من يدريك أنهم قد دعوا عليك، ما ذنبهم هم أن يستنشقوا تلك الروائح، تلك الغازات السامة التي تؤذيهم، وذلك أشد من الأوساخ العادية، فتلك سموم،”من آذى المسلمين في طرقاتهم فقد استحق لعنتهم”، ولذلك في الحقيقة إذا كانت سيارتي تنفث أدخنة كثيرة يجب أن أبادر إلى إصلاحها قبل أي شيء آخر، لماذا ؟ لأن فيها إيذاء للناس، وفعلا نحن جميعا حينما يؤذينا شخص بدخان عربته بالشكل الفظيع الذي ذكرت، فكثير من الناس والعياذ بالله يلعنونه ويسبونه ويتأففون من ذلك، والحديث يوجب ذلك، فذلك الدعاء يصل، “من آذى المسلمين في طرقاتهم فقد استحق لعنتهم”.

2- وكثير من الشباب الطائش مع الأسف، يستعملون قصدا الدراجات ذات الأصوات العالية جدا بحيث تؤذي وتفزع بالضجيج الشديد الذي تحدثه، ويمرون في الدروب والأزقة غير مبالين بمريض ولا بأطفال صغار نائمين فيفزعونهم، هذه الأصوات غير الطبيعية إيذاء، تؤذي المرضى والمطمئنين ومن يستريح ليستأنف عمله، وغير ذلك كثير، والإنسان ينبغي أن يراقب نفسه بنفسه، والأمر واضح جدا، والمرء ليس بحاجة إلى من يعلمه هذه الأمور، لأن الشيء الذي يؤذيك فلا تفعله للآخرين… فإذا كان الضجيج الشديد المفزع لك ولأطفالك يؤذيك، وكذلك الأدخنة، الأوساخ، السرعة، اقتطاع الحقوق من أولويات السير فلا تفعله للآخرين.

والحقيقة أن الأمر في نهاية المطاف لن يعالجه إلا الدين، حقيقة لو أن الناس يعلمون. اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين، واغفر لنا أجمعين يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.

د. فــريــد الأنـصـاري رحمه الله تعالى

> أعدها للنشر : الدكتور مصطفى هاشمي

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *