الـتـوريث الـدعــوي (4) أنواع من التوريث ينبغي الاعتناء بها


3- اللوائح و الاعتناء بمؤلفات الدعاة الأوائل

يواصل الدكتور محمد موسى الشريف في هذه الحلقة حديثه عن أنواع التوريث الدعوي فقد تناول دور لقاء الدعاة والعلماء والصالحين في هذا التوريث، ثم أردفه بنوع ثان تناوله في العدد الماضي وسماه كتب الذكريات أو المذكرات بين فيه أهمية كتابة المذكرات والسيرة الذاتية للعلماء والصالحين لأن فيه توريثا لإرثهم ومنهجهم في الدعوة، كما بين شروط كتابة المذكرات وآدابها.

وفي هذه الحلقة يتحدث عن النوع الثالث والرابع مع نظرة تقويمية لعملية التوريث وأنواعها بما يحقق تحسينها وإجادتها.

الـنـوع الـثـالـث : اللــوائــح(1)

اللوائح تضبط قضية التوريث أيما ضبط، وتنقل للأجيال الخبرة على وجه ليس فيه إفراط ولا تفريط، وقضية اللوائح والاعتناء بها قضية مهملة في المؤسسات الدعوية إلا قليلا منها، وذلك في المؤسسات الحكومية والشعبية وإن كانت الحكومية أحسن حالا من أختها قليلا، فتجد تلك المؤسسات والهيئات إذا تغير موظفوها أومسؤولها فإن من يأتي بعدهم يبدأ من المكان الذي ابتدأ منه سلفه، ويقع في الأخطاء نفسها التي وقع فيها من قبله، وذلك في مجالات التوظيف، وإدارة الأعمال، والتعامل مع الآخرين، ووضع الخطط، الخ… فينبغي إذا على كل من كان على رأس هذه المؤسسات أن يعتني كل الاعتناء بأن يستفيد من جهود من قبله ولو لم تكن على هيئة لوائح مكتوبة منضبطة، ثم يجتهد في وضع اللوائح التي تضبط عمل مؤسسته في جميع المجالات، وليورث ذلك لمن يجيء بعده، فإن العمل الدعوي لن يرتقي إلا على أمثال هذا الصنيع أو ما يقاربه.

ولأضرب المثل على ما قلت فإني أذكر الواقعة التالية :

طلب أحد المسؤولين عن إحدى المؤسسات التعليمية في دولة آسيوية خطة متكاملة عن قضية التعامل مع مؤسسة أخرى فلما وضعت هذه الخطة بعد جهد جهيد تذكر أحد أفراد المؤسسة أن هناك خطة وضعت في عهد المدير السابق، فبحثوا عنها طويلا فلم يجدوها، وهذا التفريط من قبل المسؤولين في الاحتفاظ بالخطة السابقة أدى إلى تضييع جهود الفريقين اللذين وضعا الخطة : السابق واللاحق، وأدى أيضا إلى عدم معرفة الحال الذي كتبت فيه الخطة السابقة لبناء الخطة الحالية عليها، وإذا أريد معرفة مكمن الخلل فسيتضح في أنه ليست لتلك المؤسسة اللوائح اللازمة للتوريث، فلم يدر المسؤول اللاحق مجالات عمل الإدارة السابقة ولا ما اعتنت به أو أهملته، إذ ليس هناك مرجع على الإطلاق يمكنه من الإحاطة بأعمال من سبقه. وينبغي أن يُعلَم أن قضية التوريث مرتبطة ارتباطا عظيما بقضية مهمة ألا وهي قضية :

الـنـوع الـرابـع : الاعتناء بمؤلفات الدعاة الأوائل

الدعاة عندما يكتبون إنما يضعون عصارة تجاربهم في مؤلفاتهم، ويقصون على الأجيال قصة كفاحهم، وعملهم في دعوتهم، أو يبينون لهم كيف يخطون الخطى الواثقة لاستعادة المجد لأمتهم. والملاحظ أن كثيرا من شباب الدعاة قد انصرف كليا أو جزئيا عن مؤلفات أولئك الأئمة، وأن عددا كبيرا من هؤلاء يجهل حتى أسماء تلك الكتب، أو أنه قد اطلع عليها منذ سنوات طويلة خلت فلم يعد يتذكر ما سطروه فيها، صحيح أن هنالك كتبا كتبت في ظروف معينة ولم تعد ملائمة لهذا العصر إلا من باب التأريخ للدعوة، كالكتب التي ردت على المذاهب الشيوعية والاشتراكية والوجودية والقومية العربية، وغيرها من الكتب التي كانت نافعة في زمنها لدعاة ذلك العصر الغابر الذي أنقذنا الله تعالى منه، لكن أكثر الكتب التي كتبت ما زالت تمثل ضياء على طريق الدعاة، ورشادا يسترشدون به في زمانهم هذا، وإنه لمن العجيب أن يقبل الدعاة على رسائل وكتب تعد فرعا من تلك الدوحة السامقة، ولو رجعوا إلى الأصل لاستفادوا فائدة عظيمة.

إن تضييع تلك الكتب لهو إهمال لقضية التوريث الدعوي برمتها، ودليل على هوان أولئك الأعلام على دعاة هذا العصر، الذين لو عقلوا لوضعوا تلك المؤلفات في الموضع اللائق بها، ولأسسوا لها اللجان والمراكز التي تستخلص أهم ما فيها وتنشره ليطلع عليه أهل هذا الزمان وليورثوه لمن بعدهم التوريث اللائق المطلوب(2).

التوريث مع التقويم والتحسين والإضافة إن التوريث لا تتم فائدته، ولا يظهر أثره إلا بالإضافة عليه وتحسينه، والارتقاء به، وهذا فيه كلام تقدم قبل ذلك ذكر أهميته(3)، وقال الدكتور محمد أبو فارس موضحا ومبينا :

“إن مما لا شك فيه أن هذه الأمة خرجت من الدعاة والعلماء والفقهاء والمحدثين والمصلحين والوعاظ الزاهدين وغيرهم مما لا يحصرهم كتاب، وهؤلاء عاشوا في ظروف مختلفة وأماكن متباعدة، ومع شعوب مختلفة وأجناس متعددة، فعلموها ودعوها إلى الخير والإصلاح، وأمروها بالمعروف ونهوها عن المنكر، وواجهوا في سبيل ذلك مشاكل ومصاعب، وابتكروا من الأساليب ما عالجوا ما كان يجد من المشاكل، فأصبح عند كل قوم أو بلد أو جيل تجربة لعلمائه وفقهائه ومصلحيه ووعاظه، وكانت هذه التجارب ينقلها التلاميذ عن الشيوخ فيزيدون عليها ويحسنون فيها.

إن تجارب هؤلاء الدعاة على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ولغاتهم وتخصصاتهم معين ثَرُّ لا ينضب، على الدعاة أن يبحثوا عن هذه الأساليب ويستفيدوا منها ويحسنوها”(4).

د. محمد موسى الشريف

 

——–

1- اللوائح هي ما تضعه الإدارات المختلفة من ضوابط وقرارات لإدارة العمل على وجه يضمن حسن السير وكمال النتائج، وجاء في “المعجم الوسيط” : لوح : اللائحة : مجموعة من المواد توضع لتنظيم العمل في هيئة، أو مؤسسة.

2- من تلك الكتب : “هذا الدين” و”المستقبل لهذا الدين” للأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى، وكتاب”معالم على الطريق”، وكتاب “في ظلال القرآن” وكلاهما للأستاذ سيد أيضا، وبعض كتب أخيه الأستاذ محمد حفظه الله تعالى، وبعض كتب الأستاذ الندوي وبعض كتب الأستاذ المودودي خاصة كتاب “تذكرة دعاة الإسلام”، وغير ذلك من الكتب النافعة التي كادت تنسى اليوم.

3- انظر المقدمة والتمهيد. 4- “أسس في الدعوة” : 83-84.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *