استعمالات اللغة العربية الجديدة إلى أين؟ 10-الاستعمالات الخاطئة تفقد اللغة قيمتها التعبيرية


 

تغليب التأنيث على التذكير في الحياة العامة (3 )

ذكرنا في الحلقة الأولى من هذا الموضوع (المحجة عدد 337) مجموعة من الكلمات التي يؤنثها البعض في استعمالات اللغة العربية الجديدة وقابلنا في الحلقة الثانية (المحجة عدد 338) بين أمثلة تلك الاستعمالات، ومجموعة من القواعد التي يفترض أن تندرج (أمثلة تلك الاستعمالات) تحتها فتبين أنها لا تخضع لها بأي وجه، أي أن تلك الاستعمالات لا تنسجم مع تلك القواعد التي عرضت عليها بأي وجه من الوجوه! وفي هذه الحلقة نعرض بإذن الله تعالى مجموعة من الحالات التي تلحق فيها التاء آخر الاسم لإفادة التأنيث وغيره من المعاني التي تفيدها في اللغة العربية، وقد ذكر ابن يعيش منها عشر حالات نوردها ملخصة مع شيء من التوضيح لبعض الأمثلة التي قد يشوبها شيء من الصعوبة على بعض القراء الأفاضل لتعم الفائدة بإذن الله.

وفي هذا يقول ابن يعيش يرحمه الله : “اعلم أن المؤنث على ضربين مؤنث بعلامة (أي مؤنث بعلامة تميزه وهي التاء في آخره مثل قائمة، وجالسة، مؤنث قائم وجالس) ومؤنث بغير علامة (أي أن الاسم عند النطق به يفهم منه أنه خاص بالمؤنث مثل زينب، وهند. فكل من هذين الاسمين يدل على اسم أنثى من بني آدم، ولا يحتاج إلى التاء مثل قائمة…) ويقول بخصوص وظيفة علامة التأنيث “والأصل في كل مؤنث أن تلحقه علامة التأنيث للفرق بين المذكر والمؤنث نحو قائم وقائمة، وامرئ وامرأة. وذلك لإزالة الاشتراك بين المؤنث والمذكر”(شرح المفصل 5/96).

هكذا يتضح أن الأصل في إضافة تاء التأنيث في آخر الاسم يأتي للفرق بين المذكر والمؤنث. وفي هذا المعنى أي الفرق بين المذكر والمؤنث، ووظائف التاء في آخر الاسم بصفة عامة يقول : “وهي (أي التاء) تأتي في الكلام على عشرة أنواع :

– الأول: وهو أعمها أن تكون فرقا بين المذكر والمؤنث في الصفات نحو ضارب وضاربة، ومضروب ومضروبة، ومفطر ومفطرة، فجميع ما ذكرناه صفة، وهو مأخوذ من الفعل، وما لم تذكره من الصفات فهذا حكمه.

– الثاني: للفرق بين المذكر والمؤنث في الجنس نحو امرئ وامرأة قال الله تعالى : {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخ أو أخت فلها نصف ما ترك}(النساء : 176) وقال : {وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها}(يوسف : 30).

– الثالث : أن تأتي للفرق بين الجنس والواحد (واسم الجنس هو ما يدل بلفظه على أشياء كثيرة) نحو تَمْرٌ وتمرة، وشعيرة وشعير، فتمر اسم جنس وتمرة فرد منه وكذلك شعير وشعيرة، ويكون اسم الجنس في المخلوقات دون المصنوعات ومن ذلك ضرْبٌ وضربةٌ، وقتلٌ وقتلةٌ لأن الضرب جنسٌ يعمّ القليل والكثير، وضربة للمرة الواحدة، ومن ذلك بطٌّ وبطَّةٌ، وحمامٌ وحمامةٌ.

– الرابع: أن تأتي للمبالغة في الصفة مثل علاَّمة ونسَّابة للكثير العلم، والعالم بالأنساب، وقالوا : راوية للكثير الرواية.. ويقال رجل فَرُوقة للكثير الفَرَق وهو الخوف وقالوا : مَلُولة في معنى الملول وهو الكثير المَلَل.

– الخامس: أن تأتي لتأكيد التأنيث مثل ناقة ونعجة في مقابلة جمل، وكبش، وذلك أن كلا من الناقة والنعجة مؤنث في المعنى لأن الأولى في مقابل الجمل، والثانية في مقابل الكبش ولذا صار إلحاق التاء بكل منهما مؤكدا لمعنى التأنيث فقط.

– السادس: أن تأتي لتأكيد تأنيث الجمع (ويعني هنا جمع التكسير، ذلك أن الجمع في اللغة العربية أنواع ثلاثة هي:

1- جمع مذكر سالم مثل : مومنون، أو مسلمين

2- جمع مؤنث سالم مثل : مومنات أو مسلمات

3- جمع التكسير مثل : رجال، ورُسُل، وأمَراء.

فأنت تلاحظ أن أصل الاسم في الجمع المسمى سالما بقي في حالة الجمع كما هو(مسلم، مومن) ثم أضيفت إليه علامة الجمع التي هي (ون) في حالة، و(ين) في حالة أخرى ولذا سمي جمعا سالما.

وهذا ما لا يوجد في النوع الثالث الذي سمي جمع تكسير لأن صورة الاسم المفرد يتغير شكلها أثناء الجمع، وهذا هو النوع الذي يعنيه ابن يعيش هنا إذ يقول لتأنيث الجمع، لأن التكسير يحدث في الاسم تأنيثا، ولذلك يؤنث فعله مثل قوله تعالى {قالت الأعراب آمنا قل لم تومنوا}(الحجرات : 14)

– السابع: أن تدخل في معنى النسب (عوضا عن ياء النسب) مثل المَهالِبة، والمسامعة. فالأصل مَهْلبي، ومسمعي. فلما لم يأتوا بياء النسب أتوا بالتاء عوضا منها فأفادت النسب، كما كانت تفيد الياء في مَهْلبي ونحوه.

– الثامن: أن تدخل(الكلمة) الأعجمية للدلالة على التعريب نحو جواربة وموازجة، لأن الجورب أعجمي، والموازجة جمع موزج وهو كالجورب، وهو معرب واصله بالفارسية موزه.

– التاسع : إلحاقها للعوض في الجمع الذي على زنة مفاعيل نحو : فرازنة، وجحاجحة في جمع فرزان وجحجاح، وقياس فرازين وجحاجيح. فلما حذفوا الياء عوضوا التاء عنها.

– العاشر: إلحاقها في مثل طلحة، وحمزة وهو في الحقيقة من باب تمرة وتَمْر : الطلح شجر، وحمزة بَقْلَة ثم سمي بها، قال أنس رضي الله عنه كنّاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ببقلة كنت أجنيها.. ويجمع هذه الأنواع أنها تدخل للتأنيث وشبه التأنيث… (شرح المفصل لابن يعيش 96/5- 99).

وفي هذا السياق أي وظيفة التاء في آخر الاسم يقول المبرد “وكل مصدر تريد به المرة الواحدة فلا بد من دخول الهاء فيه نحو جلست جلسة واحدة، وركبت ركْبة …”(المقتضب 3/372).

والسؤال مرة أخيرة هل التاء في الاستعمالات الجديدة التي منها (الساكنة بدل السكان، والانتاجية بدل الانتاج والتنافسية بدل التنافس، والظرفية بدل الظرف، والإشكالية بدل الإشكال..الخ) تستجيب لإحدى الحالات المشار إليها أعلاه بمعنى هل استعملت للفرق بين المذكر والمؤنث، أم لأي معنى آخر من المعاني الفرعية التي من أجلها تلحق التاء بآخر الاسم؟! وعليه فماذا يمكن أن يترتب عن الترخص في مثل هذه الاستعمالات من أضرار؟!

د. الـحـسـيـن گـنـوان

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *