دعائم النجاح في التربية والتعليم


التعليم بمختلف مراحله،  هو المحضن النظامي الأساسي -بعد الأسرة-  للتربية الخُلقية والفكرية والثقافية لأبناء المسلمين، ولكي يؤتي ثماره لا بد أن يقوم على مقومين أساسيين:

المقوم الأول المناهج والتكوينات المستمدة من التخطيط العلمي والواقعي والمتناسقة مع قيم الإسلام ومبادئه وتعاليمه القويمة.

المقوم الثاني إعداد وتربية وتكوين المعلم والأستاذ تكوينا علميا وخلقيا منسجما مع مرجعية الأمة الدينية والحضارية.

ومن خلالهما تتشكل شخصية الفرد، وتتحدد قيمه ومعارفه ومهاراته وسلوكياته، وتفسح المجال الحقيقي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وللتغلب على المعوقات والمشكلات التي تعتبر بمَثابة قُيُود على الأمة تحد من انطلاقها، وتعوق مسيرتها الحضارية. وأي خلل أو قصور أو تهاون في هذين المقومين ينعكس تخلفا و تبعية وحصرا للرقي الحضاري.

ومنذ أن خرج الاستعمار وسياسته التعليمية الهادفة إلى غسل العقول وإفراغها تمامًا من شحناتها الإسلامية التي تربطها بالعقيدة والتاريخ الإسلامي، وملئها بشحنات جديدة تقيم رباطًا مشوهًا بينها وبين حضارة الغرب، وتتمخض عن نماذج بشرية مستغربة ومستلبة، عرف النظام التعليمي والتربوي بالمغرب العديد من المستجدات والتغيرات، وجرب العديد من المناهج والمشاريع التربوية التي اعتمدت بالأساس على مرجعيات وتصورات مستوردة غير منسجمة مع خصوصياتنا الحضارية والدينية والاجتماعية، وفي الحديث النبوي نجد رسول الله  قد أنكر مثل هذه التبعية التي تفقد الأمة هُويتها وأصالتها، إلى حد تغدو فيها ذيلاً تابعًا للآخرين حين قال: >لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لـو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالـوا: اليهـود والنصارى؟ قال: فمن؟<.

وبسبب هذا التجريب القائم على التبعية كانت الحصيلة الأزمة الخانقة والفشل الذريع في تحقيق الأهداف التربوية والتنموية، والتفكك الواضح بين النظام التعليمي والنسيج الاقتصادي والاجتماعي. وأصبح واضحا أن المؤسسات التعليمية تعتبر حقول تجارب لمشروعات مستوردة، وأن وضعها الخطير وغير المجدي، أدى إلى جعلها تابعة لمؤسسات التعليم الغربي، وللسياسة الدولية بصفة عامة، بل إن قضية تغيير المناهج التعليمية في المنطقة الإسلامية، وليس في المغرب وحسب، لم تعد شأنا وطنيا تنظر فيه الدولة حسب خصوصيات شعبها واحتياجاته، وإنما أصبحت تسيطر عليها الهيمنة الغربية وتخضعها لبرامجها وقيمها، الأمر الذي أدى إلى تزايد تدنى التحصيل المعرفى وضعف القدرات التحليلية والابتكارية، واطراد التدهور فيها، والانسلاخ من القيم الإسلامية شيئا فشيئا، وعدم تفعيلها في الممارسة السلوكية للمعلم والمتعلم، ولكل أفراد المجتمع بصفة عامة.

ولعل الضغوطات الدولية والأدوات الفاعلة لثقافة العولمة لا تترك المجال لتخطيط تعليمي وتربوي سليم، نابع من خصوصياتنا الحضارية والدينية، ومرتبط مع روح العصر، إلا أن هذا لا يعفينا كلنا من المسؤولية، بل يجب أن يدفعنا إلى رفع رايات التحدي عبر التركيز على أمرين اثنين:

1- التجديد في المناهج  التي تسعف في اكتساب المعارف والتقنيات والكفايات بشكل منظم وفعال، وفي تنمية مهارات التفاعل مع المجتمع، وتنمية التعامل الإنساني والنفعي مع العالم، بما ينسجم مع المنظومة التربوية الإسلامية، مع التركيز على المضامين الكيفية بدلا من الحشو الكمي، والعناية بالتربية الخلقية عناية شديدة باعتبارها جزءًا من هوية الأمة، وبناء شخصية الانسان. والنظر الجدي في القيمة الحقيقية لمخصصات الإنفاق على التربية والتعليم.

2- إعادة النظر في الرسالة الحضارية التي يقوم بها المعلم والأستاذ، واعتبارها من أخطر الرسائل ذات الأبعاد المصيرية الشاملة، وذلك بتكوينه التكوين العلمي والخلقي المعتبر والمنضبط بضوابط القيم الإسلامية، الذي يجعله مؤهلا لتربية وتوجيه أجيال من الأطفال والشباب، وتوفير البرامج التدريبية التي تساعده على التحول من كونه ناقلا للمعرفة إلى كونه مشاركا ومطورا لها، قادرا على التفاعل المستمر مع تحولاتها، وتشجعه على الابتكار والتجديد في عمليات التعلم والتعليم، بتجديد تكوينه واستمراريته، وتطوير أساليبه ووسائله وأدواته، وتجعل منه مثالا حيا للمتعلم، لأن وظيفة التربية وظيفة إنسانية بالدرجة الأولى، وبدون تأهيل المعلم لها تأهيلا علميا وخلقيا ينتج مردودية رديئة تتجلى أبرز مظاهرها على مستوى الفرد في استفحال الغش، والانسحاب من الدرس سواء بالغياب الفعلي أو الذهني، وشعور المتعلم بالملل وعدم التأثر وتدني أخلاقه، وعلى مستوى الأمة في التخلف والتبعية والسقوط الحضاري.

إن التعليم عملية تربوية لا غنى عنها في أمة “اقرأ”، ولن تؤدي رسالتها الكاملة إلا بمحافظتها على ثوابت حضارتها وقيمه، وبقدرتها على التغيير المستمر والشامل الذي ينقل الواقع المتردي إلى واقع حضاري يعيش فيه الإنسان بكرامة وحرية وتوافق، كما أن دورها يظل ناقصا بدون تضافر مؤسسات تربوية أخرى كالأسرة والمسجد والإعلام، وأي تهاون أو عدم تكامل يؤدي إلى زيادة استفحال الأزمة، وما نعيشه يكشف أنه لا مجال من التنبه إلى أن أي مساومة على الثوابت وأي فصل بين القيم التي نؤمن بها وسلوكياتنا، وأي مشروع تعليمي لا ينبع من واقع الأمة وتصورها،  لن يؤدي إلا الى عواقب أبشع مما نحن فيه.

د. سعاد الناصر

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *