حوار – الأمين العام لهيأة الإعجاز العلمي العالمية


لما كانت الدعوة سبيل الأنبياء ومن تبعهم، ولما كانت وسائل الدعوة متنوعة حسب الزمان والمكان، فإن من الوسائل المهمة في عصر الطفرة العلمية والتقنية مخاطبة أهل هذه الطفرة بما يحقق هدايتهم وإقرارهم بعظمة هذا الدين وعظمة من جاء به، وأبحاث الإعجاز العلمي خير دليل على جدوى هذا التوجه. عن هيأة الإعجاز العلمي وأنشطتها والنتائج  الـمحصل  عليها تستضيف الـمـحـجـة  في حوار خاص على هامش ندوة الإعجاز العلمي بفاس  :

الأمين العام لهيأة الإعجاز العلمي العالمية

الأستاذ الدكتور عبد الله الـمصلح

أجرى الحوار : عبد الحميد الرازي

> بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، في البداية أخبركم شيخنا الفاضل أني مستعد لكل تبعات الحقوق المحفوظة (1)، وأقول لكم : السلام عليكم يا أنا، وذلك لأني تعلمت أن الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها، وثانيا أحيطكم علما أن دم هذه الكلمات الجميلة والرقيقة التي ترددونها كثيرا قد تفرق بين القبائل في كل العالم، ولا أظنكم تستطيعون متابعة المسلمين جميعا في القضاء، فأبشر يا شيخنا ويا حبيبنا في الله، قبل الأسئلة أعد علينا يا شيخنا الحبيب قصة السلام عليكم يا أنا!

>> الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، بعد أن شنفت مسمعي ورفعتني بعباراتك في آفاق حاولت أن أصل لكي أتبوأ منزلة من يفهم بعض معانيها فوجدت أن المنال صعب، والطريق طويل، لكن يا أحسن الله إليك، وإلى بيانك الجلي وإلى حنكتك في تقديم مرادك الذكي أحييك وأحيي جميع إخوتي الذين سيطالعون هذا اللقاء بتحية أهل الإسلام، تحية أهل الجنة، تحيتهم يوم يلقونه سلام، فسلام الله عليكم جميعا ورحمة الله تعالى وبركاته، أما قصة السلام عليكم يا أنا فهي كما قال الشاعر:

قـال لي المحبوبُ لمّـا زُرْتُهُ

مَنْ بِبَـابِي قُلْتُ بالبَابِ أنَا

قالَ لي أخطأْتَ تعريفَ الـهوى

حينَمَا فَرَّقْتَ فيهِ بينَنَا

ومضى عامٌ فلمَّا جِـئْتُـهُ

أَطْرِقُ البابَ عليْهِ مُوهِــنَا

قالَ لي مَنْ أنتَ قلتُ انظُر فمَا

ثَمَّ إلا أنْتَ بالـبَابِ هُنَا

قال لي أحسَنْتَ تعريفَ الهَوَى

وعَرَفتَ الحُبَّ فادْخل يا أنَا

وعليكم السلام يا أنا، وتفضل أخي بما تريد.

> شيخنا الجليل حدثنا أولا عن بداية تأسيس هيئة الإعجاز العلمي العالمية؟

>> الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة في تقديري منة من الله تعالى، امتن بها على هذه الأمة وذلك من باب تحقيق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لقوله كما جاء في صحيح البخاري >ما من الأنبياء نبي إلا وقد آتاه الله ما مثله آمن عليه البشر وإنما الذي أوتيته هذا القرآن وإني لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة<. بمعنى أن الله جلت قدرته يخاطب العقول ببرهانه هو بما حسبت العقول في تقديرها أنها قد تفوقت فيه وإذا بربك يكرمنا بهدي القرآن لتبقى مسألة (ومهيمنا عليه) قائمة إلى يوم الدين، هيمنة القرآن على من سبقه وعلى من لحقه، وعلى من تفوق في جانب من جوانب العلم أو المعرفة أو ادعاء الوصول إلى بعض القضايا التي ظن الإنسان بها أنه قد قطع شوطا في رحاب الله الواسعة، قطع شوطا بسيطا وما علم أنه “إن حفظت شيئا غابت عنك أشياء” هي الحقيقة، لكن الله يخاطب العقول فيما برزت فيه وتفوقت، والناس في الأزمنة الأخيرة شهدوا أن العلم هو الشاهد الثقة الذي لا يرده إلا جاهل أو مكابر، فكان لابد أن يتخصص لتجلية هذه الحقيقة مجموعة ممن أكرمهم الله بذلك، فبدأت هذه الهيئة بوحدة صغيرة وضمن قسم في جامعة الملك عبد العزيز. ثم ارتقت وأصبحت هيئة عالمية، لها مجلسها التأسيسي التابع للمجلس الأعلى العالمي للمساجد، قام على هذه الهيئة في أول نشأتها مجموعة من الرجال الأخيار الأبرار، كان منهم الدكتور عبد الله عمر النصيف الذي كان مديرا لجامعة الملك عبد العزيز وكان رئيسا لرابطة العالم الإسلامي، والدكتور عبد الله بن عبد الله الزائد الذي كان مديرا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وكذلك معنا فيها مجموعة كبيرة من العلماء، ثم أوكلوا الأمر إلى هذا الفقير الضعيف عبد الله المصلح وحملت هذا الهم، ومن فضل الله عز وجل شرقنا به وغربنا، وأسسنا له فروعه ونشرناه في الأرض ونسأل الله أن يعيننا على ذلك.

> جزاكم الله خيرا، بعد هذه المسيرة الموفقة كيف ترون النتائج، وهل أنتم راضون عنها؟

>> البدايات لهذه النتائج بدايات مذهلة على مستوى شوق المسلمين له، وإقناع غير المسلمين به، فالمسلمون وجدوا في هذا المسار إجابة على سؤال كان يلح عليهم، وفرضته حالة من الانكسار النفسي أمام هذا المد الهائل للجانب العلمي والإفاقة  التي وجدناها لدى العالم الغربي، والذي جعل في النفس المسلمة شيئا من الشعور بالنقص، ولا أقول من الدونية، فجاءت هذه القضايا لترفع من شأن المسلم الذي يسمعها وكأنها تقول له: يا أيها المسلم، لست ممن يعيش على فتات موائد الآخرين، أنت كان لك في هذه العلوم شأن، ولك فيها صناعة، ولك فيها إبداع وابتكار، بل أنت أول من أسس هذه المعارف، وأنت الذي صدرتها إلى الغرب وكان ذلك بتوجيه من القرآن الكريم ومن السنة النبوية المشرفة التي فتقت في أجدادك المعارف وأظهرت فيهم القدرة على الابتكار، واكتشفوا ما أودع الله في هذا الكون من حقائق وعلوم ومعارف سعدت بها البشرية، ونقلوها بدورهم إلى أوربا، وأوربا نقلتها إلى الأمريكتين، فنحن إذن لسنا عالة على الأمم، نحن لنا إسهام، وأما غير المسلمين فنحن عندما نتحدث إليهم وخاصة الذين تخصصوا في المعارف وشكلوا فيها علما راسخا، بمجرد أن نقول لهم هذه الحقائق ونذكرهم بأنهم لم يكتشفوها ولم يعلموا عنها إلا في الأزمنة المتأخرة فإنهم إذا ما سمعوا ذلك وهم الخبراء بتاريخ العلوم فإنهم إما أن يسلموا أو يستسلموا.

> ما هي بعض الضوابط المعتمدة في البحث في هذا المجال؟

>> من أهم القضايا التي أعتني بها ونعتني بها كثيرا في هيئتنا التي أخذت على نفسها ألا تقبل أي بحث أو قضية ما لم تكن قد استكملت الضوابط والمعايير الدقيقة التي وضعتها هذه الهيئة، وفي مقدمة هذه الضوابط خمس قضايا مهمة:

– الأولى أن ما يتحدث عنه يجب أن نتجاوز فيه الفرضية والنظرية، وأن تكون حقيقة علمية منظورة مشهودة، يشهد بها أهل الاختصاص في هذا الجانب. فنحن إذا نتجاوز الفرضية والنظرية  ونعتمد الحقيقة المنظورة المشهودة التي يوقعها العلماء، هذه واحدة.

– الثاني: أن يكون الدليل الذي اتفق معها موجودا في كتاب ربنا عز وجل، أو فيما صح في سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم.

– والأمر الثالث: أن يكون الربط بين دلالة هذه الآية والحقيقة ربطا جليا واضحا، لا لبس فيه ولا غموض ولا تعسف، وإنما هو ربط وفق ما يعرف عندنا بعلم دلالة الألفاظ في لغة العرب، وأن يكون ذلك كما فهمه السلف الصالح لا كما استنسخته العقول المتأخرة البعيدة عن ذلك النهج النخيب.

– والأمر الرابع: هو ألا تكون هذه الحقيقة قد عرفت فيما مضى من سالف الزمان، فلا تكون معروفة وقت تنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا في زمانه في أرضه ولا عند غيره، ولا بعده، وإنما تجلت في الأزمنة المتأخرة مما يدل على أن هذا الأمر لم يكن لا من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي اكتسبه ممن كان في زمنه، ولا هو من علم كان قد سبق، ولا هو علم حتى بعد حياته وإنما ظهر في الآونة الأخيرة.

> شيخنا الجليل يبدو أن قضية الإعجاز العلمي قد يشوبها ما يشوش عليها لأننا نخاطب أهل العلم والتجربة أولا، وخصوصا غير المسلمين، فهل حدث أن تقررت عندكم نتيجة علمية توصل إليها علماء الغرب وووجهت بحديث أو بآية ثم بعد ذلك ثبت خطأ النظرية فالنتائج العلمية نسبية وقد حدث ولا يزال يحدث أن النظريات العلمية تبطل اللآحقة منها السابقة؟.

>> أحسنت بهذا السؤال وبارك الله فيك، النسبية في العلوم إنما تكون في الجانب النظري والافتراضي، أما الحقيقة اليقينية فهي حقيقة، إذا جاء رجل إلي وقال إن ضوء الشمس نسبي،  من حيث كونه مضيء أو غير مضيء، قلنا له عالج عقلك في مستشفيات المجانين ، أما أنه يقول: وصوله إلي بنسبة كذا، أو ضرره كذا، أو عند الإشراق تكون له نسبة معينة نتيجة لما يعترضه من حواجز في الغبار والأتربة، لكن أصل الضوء يقين، فمن عارض الأصل فقد عارض وجود ذاته، لكن يبقى هذا الأمر محتملا في باب الفرضيات والنظريات، وإليك مثال على ذلك: لقد تحدث القرآن عن ظلمة البحار، فبعد أن ينزل الإنسان حوالي 250 إلى 300 متر تبدأ ظلمة شديدة جدا، فهي ظلمة موجودة في كل البحار، ولا يمكن أن يأتي إلي من يقول هذه الظلمة تحولت إلى ضوء، فهي ظلمة باتفاق الآلاف ممن شاهدها بعينه فشكلت عنده عين اليقين، وتواترت الأخبار من خلال الآلاف من المسلمين وغير المسلمين، شهدوا هذه الطبقة من الظلمة فشكلت عندنا نحن حق اليقين، ولا يمكن أن نأتي بحق اليقين، وعين اليقين، ونجعلها تحت مسألة نسبية. أنا أراك، تجلس أمامي وأسعد برؤيتك، لو جاءني من قال لي إن الذي أمامك ليس هو الأستاذ عبد الحميد الرازي وأنا أنظر إليك بعيني، لقلت له إنما تريد أن تلغي العقول في ثوابتها، وهذه الدعوة دعوى إلغاء الحقيقة  التي تظافرت شواهدها وأدلتها، دعوى فيها من الخطورة ما لا يعلمه إلا الله، فنحن لو كذبنا عين اليقين وحق اليقين بعد أن تظافرت لديها براهين الشواهد وأدلة الإثبات، ومضينا وراء هذه المقولة لنظرنا إلى السماء فقلنا: إن السماء أرض وإن الأرض سماء، وإن الماء تراب وإن االتراب ماء، وإن الجبل إسفنج، وإن القمر هباء، سوف نبقى في وضع لا ثبات له، وهذه أمنية يتمناها أعداء هذا الدين، وقد بذلوا في سبيلها من الحشد الهائل، دخلوا علينا في باب الأدب وفي باب القيم، وسمعنا ما يسمى في باب القيم بالنظرية النسبية في الأخلاق وقالوا نظرية -ليفي بريل- في نظرية النسبية في الأخلاق، وقالوا ما كان عارا بالأمس يمكن أن يكون اليوم ليس بعار ، فالزنا الذي كان زنا بالأمس، اليوم لا يجوز أن تقول عنه زنا، والقتل… وهكذا سيصل بنا إلى درجة سيصبح القتل نسبيا والزنا نسبيا والسرقة نسبية، هنا يهيم العقل فلا استقرار لثوابته، ونحن نقول: في هذا الوجود شيء ثابت وشيء نسبي أما إلغاء الثوابت على الإطلاق فهو خلل في العقل والدين والفطرة والتاريخ والحاضر والمستقبل، هذا الذي نحن نتحدث عنه في أبواب الإعجاز العلمي، إنما هو من باب اليقين الذي تشكل فصار عين يقين، أو حق يقين، وشواهده شهدها كل علماء الأرض وإذا وجدت بجوارهم لا يملكون إلا أن يقولوا هذا حق وليس بعد الحق إلا الباطل.

> أستاذي الجليل، مجال الإعجاز العلمي هو مجال للخاصة، كيف يكمن تقريبه من عامة المسلمين، خاصة وأن الناس ليسوا على مستوى واحد في الثقافة؟

>> من عظائم هذا الدين أنه مع كونه يقدم الحقائق الكبرى إلى العالم كله لكن من عظمته أنه ينوع أسلوب الخطاب، فتجده يخاطب الطفل على قدر عقله، ويخاطب العامي على قدر عقله، ويخاطب العالم على قدر عقله، وديننا ليس دين الخواص، ولكنه دين الخواص والعوام، والفرق بينهما هو تغيير الأسلوب، ولهذا نجد في باب أسلوب الدعوة إلى الله وطرائق بلاغها أن الله تعالى نوع هذه الطرائق في قوله عز وجل {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} والموعظة هي الترقيق، وهناك قلوب ينفع فيها أن تلاطفها من خلال العاطفة والترغيب والترهيب، وهناك عقول لايمكن إلا أن تقيم لها الحجة والبرهان، وهم العلماء والمتعلمون، وهناك مجموعة قد سرقت قلوبها، وغلف الله قلوبها بالران {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} فهي تحتاج أن تخترق الحجب لتصل إليها، واختراق هذه الحجب يحتاج منك أن تدخل معهم في جدل، أي في محاولة لكسر الحواجز واقتحام القلب من بعد كسرها بالموعظة الحسنة أو بإقامة الحجة.

الإسلام إذن ينوع الخطاب ونحن بفضل الله قد استطعنا أن ننوع الخطاب، حتى أنتجنا أفلام كرتون للأطفال يتذوقون فيها قضايا الإعجاز بفضل الله عز وجل. فدع عنك ما خاطبنا به كبار العلماء في مشارق الأرض ومغاربها.

> هل تفكرون في قناة فضائية تهتم  بهذا المجال؟

>> تلك أمنية تراودني من سنين، ولكل أجل كتاب والله قادر على أن يحقق ما نريد، وخطواتنا فيها متسارعة ولكن القرار الأخير بيد الله عز وجل {هو الذي يسيركم في البر والبحر} ونحن بين يدي الله عز وجل نبذل جهدنا، ونسأل الله أن يظهرها في الزمن الذي يقدر لها قدرا يكون وجودها نافعا لا ضارا، ومؤديا للرسالة على الوجه الأتم الأكمل، ولو علم أخي الحبيب أنني أسعى في هذا الأمر من قبل سنين وكلما لاح أفق يبشرنا بقرب انطلاقتها جاءت أقدار الله التي نؤمن أن فيها خير، فما من قدر يقدره الله لنا إلا وفيه خير، علمه من علمه وجهله من جهله، ولكني أرى من خلال تأملي لحالنا وواقعنا وملابسات شأننا أن الخطى تتسارع لإخراجها قريبا إن شاء الله تعالى.

>كيف ترون أداء القنوات الفضائية الإسلامية، وهل سدت في نظركم الثغرة بالمقارنة مع باقي القنوات؟

>> القنوات الإسلامية الموجودة في الساحة قنوات فيها خير كثير وشر قليل، فخيرها أكثر من شرها، وقد استطاعت بتوفيق الله عز وجل أن تصل إلى ملايين المسلمين، وأن يكون لها أثر كبير في تصورهم وتصرفهم وسلوكهم ورجوعهم إلى الله، هذا مما لاشك فيه، والكل يشهد بذلك، لكن هل هي على المستوى الذي نتمنى أن تكون عليه لأن هذه القنوات في تقديري بين قنوات أخذت على نفسها منهجا محددا فيه شيء من الإثقال على نفسها، أثقلت على نفسها بمجموعة من القيود، ومجموعة من القنوات خففت هذه القيود الكثيرة وبين التشديد في القيد والتخفيف فيه حالة وسط ياليتهم يفطنون لها، وإلا فإنها بفضل الله رغم قلتها، يعني عندما ترى مثلا أن حوالى 500 قناة إفساد ناطقة باللغة العربية يقابلها حوالي ثلاثون قناة من القنوات الإسلامية بين قناة تحسن أداء عملها بشكل كبير وفيه بعض القصور وبين واحدة لم تصل إلى هذه الدرجة من الإحسان ولكن مع ذلك فإن أثرها في الأرض عظيم، ذلك أن بصيص النور الذي يتلقاه المسلمون حتى ولو كان قليلا هو نور يهدي الله به من اتبع رضوانه سبل السلام، فهو نور من الله عز وجل يقذفه في القلوب رغم بساطتها لكن أثرها كان عظيما وكل ما ازداد أهل السوء في تقديم سوءهم عادت الأمة إلى ذاتها فنفضت هذه الأمور وبدأت تتعلق بهذه القنوات الصالحة، أنا لا أقول بأن هذه القنوات المفسدة ليس لها أثر إفساد بارز ، لا. بل هي في أول أمرها مفسدة فسادا كبيرا وسيستمر فسادها ولكنه من فضل الله إلى نقص، يبهر به الناس في المرحلة الأولى وربما كانت النفس الأمارة بالسوء تسوق صاحبها إلى أن يذل أمامها مستجيبا للتلقي، لكن حرب الفطرة بين فطرة الله في ذاته وبين ما يتلقاه من كلام قبيح أو منظر يتفاعل معه الإنسان ثم لابد أن يلفظه وهو كذلك، والإنسان يمل هذا الغثاء فإن الغثاء مهما بلغ فإن التشبع منه فيه حالة من المصادمة لفطرة الله عز وجل وبالتالي فإنه لا يدوم {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الارض}.

> أستاذي الكريم، وأنتم تجلسون على منصة الندوة رأيتكم ترفعون أصبع السبابة إلى السماء وقد تحركت الشفتان بشيء لم أعرفه، وأنتم تتلقون نبأ إحداث كرسي للإعجاز العلمي بجامع القرويين بفاس، ماذا قلتم وكيف تلقيتم الخبر؟

>> والله ياسيدي لقد سرني كثير من أبواب الفتح في هذا الإعجاز لكن كرسي جامع القرويين هزني كثيرا، لأن جامع القرويين هو تاريخنا، هو مجدنا هو حضارتنا هو ماضينا، فإن كان ثمة ماض نعتز به وعلم في أجدادنا نفتخر به وامتداد لحضارتنا يرفع رؤوسنا بين الأمم فإن كل ذلك يذكرني به جامع القرويين، ولما رأيت أن الله عز وجل سخر أخي وحبيبي في الله هذا الرجل الفاضل العالم الشيخ عبد الحي عمور أن يقول هذه البشرى فإني قفزت بذاكرتي إلى تاريخنا وقلت : اللهم لك الحمد أن تعيد لنا ماضينا بعبقه وضياءه وعطاءه وعزته وأن تعود تلك الصيغة التي لا يتقنها إطلاقا وأكرر -لا يتقنها إطلاقا- ألف مرة أي دين أو مبدئ في الأرض إلا الإسلام،  الذي أحسن الربطس بين العلم والإيمان، بين الآية المسطورة والآية المنظورة، هذا الانسجام بين قول الله عز وجل وخلقه هو الذي سيؤدي بنا إلى تحقيق مراد الله، كل تلك المعاني خطرت في بالي وأنا أناجي ربي وأقول اللهم لك الحمد كما أكرمتنا في الماضي وأكرمتنا في الحاضر وهي بشائر خير قادمة.

> بالنسبة للعقدة التي وقعتم مع جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كيف ترون آفاقها؟

>> أولا أحملكم التحية والتقدير لمعالي مدير الجامعة الأستاذ السرغيني فارسي هذا العالم الصادق في مشاعره اللطيف في تعامله، الذي فتح قلبه وجامعته لهيئة الإعجاز العلمي، والذي مامن شك أن الجامعة تعتبر في هذا الزمن محضن الرجال ومحضن العلماء وملتقى القدرات، وأنا مستبشر خيرا بهذا الاتفاق والذي سوف نحاول إنشاء الله  تعالى أن نفعله في كراسي علمية، وأبحاث تطبيقية، ومؤتمرات علمية، وتعاون في مجال اكتشاف بعض حقائق القرآن والسنة، لأننا في الهيئة مما نعتني به مسألة الأبحاث التطبيقية التي قد وجدنا فيها إضاءات وإشارات من الكتاب والسنة، وقد بدأنا في هذا الطريق فقدمنا في مؤتمر الكويت  أربعة عشر كشفا علميا جديدا، في المؤتمر القادم إن شاء الله في تركيا وصلنا الآن إلى حوالي ثلاثين بحثا تطبيقيا وكشفا علميا سنقدمه في المؤتمر إنشاء الله، وبما أن هذا الطريق قد فتحت لنا آفاقه ووجدنا فيه من الخير مارأيت، معنى ذلك أننا إنشاء الله تعالى  بتعاوننا مع هذه الجامعة وبما فيها من كفاءات علمية ربما قطعنا شوطا أكبر إنشاء الله، فنسأل الله للجميع التوفيق.

>جزاكم الله خيرا. بعد نهاية هذه الندوة المباركة كيف تشعرون شيخنا الجليل؟

>> والله كلما ازداد المحب من أحبابه قربا كلما ازداد رغبة في أن يتواصل معهم، ولقد وجدنا في أحبابنا في المغرب العربي سواء كان ذلك في الجامعات أو في المجالس العلمية، أو في التعاون مع العلماء والباحثين ما يجعلنا نحرص على أن نوثق الصلة ونوطد العلاقة ونتواصل ونتعاون على البر والتقوى.

العاطفة التي وجدتها في هذه الأمة عاطفة عجيبة يا أخي، فأنا عندما أرى أحبابي وأبنائي يلتفون حولي يرغبون في السلام علي، أنا أقرأ في هذا فضلهم هم، أقرأ في هذه الروح فضل هذه المجموعة، أقرأ فيها حبهم لله ولرسوله  صلى الله عليه وسلم، أقرأ فيهم أنهم كأنما يريدون أن يسلموا على رجل قادم من مكة المكرمة أو من حولها أو من المدينة المنورة لحبهم لمكة وللمدينة، فهي بشارة خير لهذه الأمة، أسأل الله أن يثبتها وأن يزيدها، وأنتم تشكلون في هذه البلاد الحصن الأول، الثغر الحضاري الأول أمام  حضارات بيننا وبينها في الجانب المادي صلة وفي الجانب القيمي والديني فروق ولا شك، فكونكم أنتم تقفون في الثغر الأول وأنتم بهذه الروح المتوهجة الخيرة الصالحة وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم : >الخير في وفي أمتي إلى يوم القيامة<.

>أبشر شيخنا الجليل فقد انتهى اللقاء وجزاكم الله خيرا والسلام عليكم يا أنا.

>> شكرا لك أخي الحبيب جزاك الله عني خيرا وأكرمك الله ورضي عنك وأرضاك.

 

———

(1)  عبارة (أبشر) مما اشتهر به الشيخ المصلح على القنوات الفضائية وفي المحاضرات، وقد استعملها الدكتور الوزاني برداعي عندما كان مسيرا لإحدى جلسات مؤتمر الإعجاز العلمي بفاس، فرد عليه الشيخ مازحا (الحقوق محفوظة).

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *