التخريب من الداخل


ظل المنافقون يعملون ضدّ الإسلام، من داخل صفوفه، منتهزين أية فرصةٍ لتحقيق أهدافهم، وللتعبير عن قلقهم وازدواجيتهم، وليس أدلّ في هذا المجال من حادثة مسجد الضرار التي أعقبت عودة المسلمين من تبوك عام 9 للهجرة.

إن مغزى الحادثة يتبدى من الاسم الذي أطلقه القرآن الكريم عليها وعلى أصحابها {والذين اتخذوا مسجداً ضرارا وكفرا وتفريقا بين المومنين، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل، وليحلفن إن اردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون، لا تقم فيه أبدا، لمسجد اسس على التقوى من اول يوم احق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين}.

ويروي المؤرخ الطبري في كتابه (تاريخ الرسل والملوك) أن الذين بنوه إثنا عشر رجلا على رأسهم خذام بن خالد، أحد بني عمرو بن عوف، الذي تبرع بإخراج المسجد من داره، ثم جاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز لغزوة تبوك فقالوا : “إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه” فأجابهم الرسول صلى الله عليه وسلم (إني على جناح سفر.. ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه)، لكنه ما أن قفل عائداً من غزوته تلك وأصبح على مقربة ساعةٍ من المدينة، حتى جاءه الوحي الأمين بحقيقة ما كان يرمي إليه أولئك الرجال المنافقون في بناء مسجدهم ذلك ودعوتهم الرسول صلى الله عليه وسلم لمباركته !! فما لبث صلى الله عليه وسلم أن استدعى اثنين من أصحابه وقال لهما : (انطلقا إلى المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرّقاه) فخرجا مسرعين حتى دخلا المسجد وفيه أهله فحرقاه وهدماه حتى تفرّق عنه أصحابه.

وقد سئل عاصم بن عدي : لم أرادوا بناءه ؟ فقال : كانوا يجتمعون في مسجدنا، فإنما هم يتناجون فيما بينهم ويلتفت بعضهم إلى بعض فيلحظهم المسلمون بأبصارهم، شقّ ذلك عليهم وأرادوا مسجداً يكونون فيه لا يغشاهم فيه إلا من يريدون ممن هو على مثل رأيهم. فكان

أبو عامر يقول : لا أقدر أن أدخل مربدكم هذا، وذاك أن أصحاب محمد يلحظونني وينالون مني ما أكره، قالوا : نحن نبني مسجداً تتحدث فيه عندنا.

ويروي البلاذري عن سعيد بن جبير أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجداً في قباء فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، فحسدتهم إخوتهم بني غنم بن عوف فقالوا : لو بنينا أيضاً مسجداً وبعثنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيه كما صلى في مسجد أصحابنا، ولعل أبا عامر -الذي كان قد فرّ من الله ورسوله إلى أهل مكة ثم لحق بالشام فتنصر وأقسم أن يحارب الرسول، حيثما وجد فرصة لذلك- أن يمر بنا إذا أتى من الشام فيصلي بنا فيه..

ويبدو من دراسة هذه الحادثة أن حركة النفاق كانت قد أتقنت خلال سني الدعوة الطويلة مزيداً من الأساليب لتخريب المجتمع الإسلامي من الداخل، بعد أن أعيتها كل الحيل السابقة. وها هي الآن تسعى في ظاهر الأمر إلى مزيد من الاندماج في المجتمع الإسلامي، وإلى اعتماد مؤسساته نفسها كالمسجد الذي هو رمز العبادة الإسلامية وحرمها، للوصول إلى أهدافها بضمان أكبر حيث سيحقق لها ذلك العمل خفاءً أكثر ويظهر من نياتها وأعمالها ما هو طيب مقبول، ولكنه سيؤدي في الوقت نفسه إلى تمزق وانشقاق في قلب المجتمع الإسلامي.. وفي أي شيء؟ في المسجد الذي هو مركز المجتمع المسلم ومنطلق أنشطته المختلفة وقلبه الذي لا يكف عن الخفقان.

ومن هناك، وبعد المباركة التي سيمنحها الرسول صلى الله عليه وسلم مسجدهم هذا، سينطلق المنافقون وقد أبدوا نية حسنةً وبنوا مسجداً جديداً لاستقطاب العناصر القلقة في المجتمع الإسلامي، وضمها إلى صفوفهم وتوسيع قواعدهم بين المسلمين، وإطلاق الشائعات وبذل نشاط واسع من هذا المسجد بقيادة زعيمهم الذي كان قد لحق بالشام وتنصّر!! للاتصال بغير المسلمين كذلك لرسم الخطط وتحديد أساليب العمل، وهم في حماية من غضبة المسلمين وفي أمان من الانكشاف، ما داموا يمارسون نشاطاتهم تلك من قلب المسجد الذي باركه الرسول صلى الله عليه وسلم. والذي يؤكد هذا أن تصاعد نشاط المنافقين في أقوالهم وأعمالهم، والذي رافق محنة تبوك جاء موازياً لبناء هذا المسجد الذي تم إنشاؤه قبيل التجهز لغزو الروم. وعندما هرع مبعوثا الرسول صلى الله عليه وسلم لتهديم بؤرة النفاق هذه وجدا في باحتها أولئك الذين أقاموها.. وربما كانوا يمارسون من هناك نشاطهم المسموم.

وهذا الأسلوب في العمل التخريبي، وهو اعتماد قيم مؤسسات مجتمع أو عقيدة ما لتخريب أسس ذلك المجتمع وعقائدياته وتدمير معنويات أصحابه، معروف على مر العصور، وليست هذه التجربة التي فضحها القرآن الكريم إلا علامة تحذير دفعت المسلمين وتدفعهم دوما إلى مزيدٍ من اليقظة والحذر.

>     أ. د. عماد الدين خليل

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *