الاختلاط: فيروس حداثي يعربد في منظومة التربية والتعليم


إهـداء :    إلى روح المربي الكبير والداعية الرسالي: الأستاذ المفضل فلواتي رحمه الله وأسكنه الفردوس الأعلى، آمين، وإلى من هم على دربه سائرون.

 مقدمة بين يدي الـموضوع

المفروض في نظام تعليمي يحترم نفسه بمراعاته لخصوصية المجتمع أو الأمة التي يشتغل فيها ولأجلها، أن يكون أمينا لشرط التكامل والانسجام الذي ينبغي، على وجه الحتم والوجوب، أن يتحقق بين مختلف أركانه ومقوماته: فلسفة موجهة وحاكمة لمسار النظام، وبرامج ومناهج تستبطن القيم المنشود استنباتها وتنميتها في الناشئين، على اختلاف مستوياتهم وأعمارهم، وتنظيما إداريا وبيئة مدرسية، تشكل محضنا طيبا وغلافا سليما، يشد من أزر الجهد التعليمي التربوي المبذول، من أجل بلوغ المرامي والأهداف.

وفي حالة الإخلال بالشرط المذكور، جزئيا أو كليا، فإن خسائر فادحة تلحق لا محالة بمجموع النظام، يتناسب حجمها مع حجم المساحة التي ينالها الإخلال.

ولئن كانت منظومة التربية والتعليم أو التربية والتكوين، في المجتمع المغربي تشكو من علل واختلالات مزمنة، ظلت تفرزها بوتيرة مستفحلة، على مدى خمسة عقود من الزمن، وتنوء بثقل أزمة خانقة تلاحقها كالكابوس، وتجعل حركتها أشبه بحركة سيزيف في الأسطورة اليونانية الشهيرة، لا في جانب الصعود، ولكن في جانب الانهيار والسقوط، فإن من أبرز العلل أو الفيروسات التي باتت تنخر عظامها وتمتص قواها وتلوث دماءها، فيروس الاختلاط بين الجنسين في مختلف المراحل الدراسية، الذي أضحى يشكل ثابتا يتميز بميزة العلو على المراجعة والمساءلة.

ولا تكاد تسمع أو يلقى لها بال، تلك الأصوات المبحوحة المنادية بضرورة تسجيل وقفة جادة من هذا الوباء المستشري في منظومة مأزومة، وكأن الحديث عن الاختلاط في المدرسة المغربية على وجه الاستنكار، أصبح في حكم الطابوهات التي ينظر إلى من سولت له نفسه الاقتراب من حماها، باعتباره نغمة نشازا تسيء إلى معزوفة الحداثة والعصرنة، أو طائرا يغرد خارج السرب. وعلى الرغم من هذا الواقع البائس، لابد أن أرفع عقيرتي صارخا أشد ما يكون الصراخ، ضدا على المعزوفة الشائهة، وعلى السرب التائه الذي لا يصدر عنه إلا ما يشبه النعيق.

فأقول بلهجة اليقين: إن الاختلاط داء عضال، ووباء يجتاح منظومتنا التعليمية التربوية، فيذرها قاعا صفصفا، أو هيكلا مسموما يدعو إلى الأسى والإشفاق.

سأتناول بإذن الله في الورقة التالية الآثار المدمرة التي يخلفها الاختلاط بين الجنسين، باعتباره وجها صارخا من أوجه الحداثة العاتية، على المنظومة التعليمية المغربية، في شقيها التعليمي والتربوي.

وقبل ذلك لا بد من تحديد مفاهيم الموضوع:

 أولا: تحديد  الـمفـاهـيـم

1- الاختلاط: جاء في المعجم الوسيط: ” خلط الشيء خلطا : ضمه إليه، وخالطه مخالطة وخلاطا: مازجه. وخلط- بتشديد اللام- خلط في أمره: أفسد فيه، واختلط عقله: فسد(1).

والاختلاط في الاصطلاح الشرعي “هو اجتماع الرجل بالمرأة التي ليست له بمحرم، اجتماعا يؤدي إلى ريبة”(2) ويمكن تعديل هذا التعريف لينسجم مع طبيعة الموضوع الذي نحن بصدده، فيصبح كالتالي: الاختلاط بين الجنسين في المؤسسات التعليمية، “هو تواجد الذكور والإناث، أو التلاميذ والتلميذات، في حرم المؤسسات التعليمية، في أوضاع يأباها الشرع، لتنافيها مع مقتضيات الحياء، ويترجح معها احتمال الوقوع في المحظور، المتمثل في رفع الكلفة المفضي إلى الانحلال والفساد”.

2- الحداثة: يقول جان بدريار: “ليست الحداثة مفهوما سوسيولوجيا، ولا مفهوما سياسيا، وليست بالتمام مفهوما تاريخيا، بل هي نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي، أي مع كل الثقافات السابقة عليه أو التقليدية”(3).

وإذا نحن تعقبنا ما كتب حول “الحداثة” سواء في موطنها الأصلي، أي في الغرب، أو من قبل من استنسخوها وتمسحوا بمسوحها في الوطن العربي، ألفيناها تحوم حول جوهر واحد يتمثل في نزعة وضعية منكرة للدين من حيث هو مصدر غيبي متعال، وفي رؤية تتوخى الشمول من منطلق تلك النزعة، كما أن تلك الكتابات تجمع في تصورها للحداثة على خصائص مشتركة، يتصدرها النزوع العارم للهدم والنقض والإلغاء، لكل ما من شأنه أن يكتسي صفة الثبات، إلا أن يكون الثبات صفة لذلك النزوع، وهذا ما يشي به تعريف بودريار السالف الذكر.

ومما يبرز لنا بعضا مما يعكس تلك الخصائص الممثلة لحقيقة الحداثة، ما اورده الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه الموسوم بـ”روح الحداثة” حيث يقول: “المبادئ التي قامت عليها الحداثة الغربية… هي الاشتغال بالإنسان وترك الاشتغال بالله، والتوسل بالعقل وترك التوسل بالوحي والتعلق بالدنيا وترك التعلق بالآخرة”(4).

وممن كشفوا عن حقيقة “الحداثة” بشكل عميق وحاسم من باب التشريح الدقيق لأبعادها، الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله ، والذي ذهب إلى حد إبطال بعض دعاوى أصحاب الحداثة فيما يتعلق ببعض النعوت التي يفاخرون بها، وهم يعرضون بضاعتهم في سوق المذاهب ومعترك الأفكار، فهو: يرى أن “الحداثة ليست مجرد استخدام للعقل والعلم والتكنولوجيا، بل هي استخدام العقل والعلم والتكنولوجيا المنفصلة عن القيمة Value-free’ لذلك تحولت هذه الحداثة إلى حداثة داروينية لانفصالها عن القيمة الإنسانية وأصبحت مضادة للإنسان وليست متمركزة حوله كما تعرفها المعاجم وتحول مركز هذه الحداثة إلى الغرب فأصبحت حداثة متمركزة حول الغرب لا حول الإنسان، وتحول العالم إلى مادة استعمالية للاستغلال”(5).

3-التربية والتعليم:  أكتفي في تعريف هذين المصطلحين اللذين تمتلئ بهما كتب الفكر التربوي في مختلف الأوطان والعصور، بما يخدم تسليط الضوء على جوانب القضية التي نسعى إلى تجليتها وبيان أبعادها، فأقول بأن مدار التعليم على تحصيل المعارف والعلوم، ومدار التربية على التزكية والتشكيل، ويجري الفعل هنا وهناك، وفق رؤية معينة تختلف باختلاف الأمم والشعوب وعلماء التربية ، لا يختلفون في أن ذلك الفعل، يلزم فيه احترام الخصوصية ، كحد أدنى لنيل المصداقية، أما العلماء الراسخون في العلم في المجال، فيشترطون ربط الخصوصية بالفطرة، كمعيار لبلوغ الأهداف العليا المتمحورة حول احترام خصوصية الإنسان، باعتباره كائنا مكرما من قبل خالق الكون والإنسان، الذي يرجع إليه الأمر كله.

والتربية والتعليم وفق التصور المذكور مما تتميز به الأمة المسلمة التي يقوم منظورها على أساس حمل رسالة الشهود على الناس، والتي ينبغي أن ينال كل منها نصيبه، فردا أو جماعة، بحسب الوسع والقابلية، فكل ميسر لما خلق له. ويكفي في هذا المقام، أن أذكر قوله تعالى:” هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين”(6)، فعملية التربية والتعليم ثلاثية الأبعاد وفق هذا المنظور، ولن يتحقق المقصود إلا باجتماعها وتضافرها.

4- شروط عملية التربية والتعليم:  أشرت  في مقدمة هذا المقال إلى أن مطلب الانسجام بين عناصر المنظومة وأركانها، أمر جوهري يكتسي طابع الضرورة الوجودية ، إذا أريد لها الإفضاء بمخرجاتها ومنتوجها على وجه مشرف وقريب من الكمال، وتعتبر بيئة القسم بشكل خاص، وبيئة المؤسسة بشكل عام، من العناصر الأساسية التي تتحكم بقسط هام في نوعية تلك المخرجات.

وإنه من الأكيد، أن تركيبة المتعلمين الذين تستهدف المنظومة تعليمهم وتربيتهم، تشكل عاملا ضمن تلك البيئة، أي أن كون تلك التركيبة من الذكور، أو من الإناث، أو كونها تركيبة تجمع بين هؤلاء وأولئك، يؤثر حتما على مسار التربية والتعليم جملة وتفصيلا.

وإني لأزعم بكل يقين، أن اختلاط الذكور بالإناث في المؤسسات التعليمية، يؤدي إلى مفسدة كبرى تنال من التربية والتعليم على حد سواء.

ولن أحتاج إلى كبير جهد للبرهنة على مصداقية هذا الزعم، لأن بعض معالم تلك المصداقية ظاهرة لكل ذي عينين، لأن الواقع البائس ينطق بها بشكل صارخ مبين. وسأعرض لبعض تلك المعالم والآثار، وقبل ذلك، لا بد أن أتساءل عن هوية منظومة التربية والتكوين المغربية، وطبيعة موقفها من “الحداثة”

5- موقف المنظومة التعليمية من “الحداثة”: إنه موقف واضح أعلن عنه واضعو “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” ضمن الغايات المنشودة لديه: “ترسيخ قيم المعاصرة والحداثة”،  فالحداثة ليست كلمة عابرة في السياق الذي وردت فيه، وإنما هي كلمة مقصودة بحجمها ومدلولها الصارخ، ومفردات ذلك السياق كلها تؤكد ذلك بما لا يدع مجالا لتعدد الاحتمالات في فهم ذلك المدلول، ويكفي في إدراك هذا الأمر، ملاحظة ورود كلمة “الحداثة” مقترنة بكلمة “المعاصرة” على سبيل المغايرة لا الترادف.

ومن أبرز ما يؤكد تلك المغايرة والتميز، أنها جاءت بعد ذكر القيم التي ذكرت كمرتكزات في الميثاق ذي الأربعة رؤوس(7)، والتي منها:” قيم حقوق الإنسان ومبادئها الكونية” التي اعتبرت شريكا أساسيا ل “قيم العقيدة الإسلامية” في الاضطلاع بمهمة القيادة والتوجيه لشؤون التربية والتعليم، لصياغة الشاكلة التي تفرغ في قالبها الأجيال.

والشاهد القاطع لهذه الحقيقة، نجده في ترسانة القيم التي تسبح في سديم المنظومة التعليمية، عبر ما يقرر فيها من مؤلفات أدبية تستهدف ضرب المقدسات بجميع أنواعها، ومحو مفهوم المقدس من الأذهان والوجدان، لدى المتعلمين الأبرياء، والدأب على شحن نفوس هؤلاء بما شذ من المفاهيم والتصورات، وما خبث من الأخلاق والعادات، وعلى تجريئهم على النيل من دين الإسلام وانتهاك حرمة رموزه، انتهاء إلى إفراغهم من أبسط محتويات الإيمان، ومعاني الولاء لثوابت الأمة، كل ذلك تحت غطاء الفن ولافتة الإبداع.(8) إنك لن تعثر في أغلب النصوص والروايات المقررة إلا على ما يروج للبذاءة ويفسد الأذواق، ويحول الشباب إلى قنابل متفجرة بالتمرد والفسوق والعصيان، وإلى معاول هدم وتخريب، وعوامل قلق تهدد المجتمع في أعز ما لديه: نعمة الأمن والاطمئنان.

ورعاة الحداثة الذين يتسللون إلى سدة القرار في الشأن التعليمي، لا يمكن إلا أن يخدموا ما يؤمنون به من تصورات شاذة، وما يحملونه من قيم ممجوجة لقيطة، فيغنمون غنيمتين: غنيمة مادية بتحصيل ثروة مسمومة، وغنيمة معنوية إيديولوجية، بالانتصار لما انتدبوا أو ندبوا أنفسهم لترويجه من أفكار وقيم حداثية صفيقة بين أبناء الشعب الغافلين، أو المغلوبين على أمرهم. ولكن اللوم كل اللوم إنما يلقى على من سمح ويسمح لهؤلاء أن يتسللوا إلى الحمى ليضعوا فيه ما يشاءون من بذور السوء وأزهار الشر(9) ويدخل فيمن يقع عليهم اللوم، كل الأطراف المسؤولة عن حمل أمانة التربية والتعليم، في جميع مستوياتهم ومراتبهم، وأشدد هنا على الطرف المعني والممسوس مباشرة بويلات قيم الحداثة وشرها المستطير، وهم الآباء وأولياء أمور التلاميذ، والجمعيات الممثلة لهم، فهؤلاء هم الذين ينطبق عليهم بامتياز مدلول الأبوين في قول رسول الله  : >فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه<(10).

إن عملية “جدع”(11) كبرى تمارس على الناشئين في وطننا المبتلى، بواسطة ما يضخ في نفوسهم و يقذف في روعهم، وما تقصف به عقولهم الغضة من قيم الحداثة المنبتة، التي يعتبر بثها والترويج لها وسط هؤلاء الأبرياء، عدوانا سافرا على الفطرة، وإهدارا لثروة الأمة وعدتها المستقبلية المتينة، وعملتها النفيسة.

ثانيا: آثار التخليط بين الجنسينعلى التربية والتعليم

1- آثار التخليط على التعليم:

من الواضح لدى العقلاء، أن العملية التعليمية لا يتأتى لها النجاح، وأن تؤتي أكلها إلا إذا جرت ضمن شروط سليمة، وأجواء نظيفة من العوائق والأكدار والإكراهات النفسية، ذلك بأن فعل التقاط المعارف وتحصيلها يحتاج إلى تركيز قوى طالب العلم، والتفاف قدراته وملكاته حول بؤرة التعلم، ومن ثم الحيلولة دون ما يصيب تلك القوى بالتفرق والشتات، وتلك القدرات والملكات بالتبلد والانكساف، وقد أصبح في حكم اليقين، أن داء التخليط بين الجنسين في التعليم، من شأنه أن يصيب عملية التعلم والتحصيل في مقتل، لأنه سبب إثارة للنفوس وتشويش للأذهان، وتهييج للغرائز لدى الفتيات والولدان. وتتفاقم الوضعية وتزداد سوءا في ظل فوضى اللباس لدى الإناث التي تزيد الغرائز جموحا واشتعالا، وتذهب بنور الانتباه والفهم، خاصة لدى الذكور الذين يكثر شرودهم وغيبوبتهم عما يجري في قاعة الدرس، إلا من رحم الله.

لقد آن الأوان، أن يتحلى المسئولون عن التعليم في بلدنا بالحكمة وبعد النظر وروح المسئولية، ويعالجونه بنزاهة وتجرد وموضوعية، وينظروا إلى فيروس التخليط في حجمه وخطورته، من حيث هو عامل من عوامل نسف المنظومة التعليمية برمتها، فإذا ضممنا هذه الآفة ذات الطابع البيولوجي النفسي والعلائقي إلى داء الخلط الفلسفي والتدجين القيمي، والغموض المقاصدي، عرفنا إلى أي حد تكون منظومتنا التعليمية محكوما عليها بالعقم، والاتجاه الجنوني إلى الارتطام بجدار الفشل والإحباط.

إن من شأن المراجعة الجادة، أن تكشف الحقائق وتضع حدا للمراوحة واجترار الإخفاق، الذي لن تجدي المخططات الاستعجالية كبير فائدة في تخطيه ولو كثرت، ولن تزول عنا وصمة التأخر والعار التي تلازمنا وندمغ بها في الترتيب العالمي، كلما أعلنت الدوائر والمنظمات المتزعمة عن نتائج الرصد والتقويم، تلك الوصمة التي أصبحت سبة ومهانة، ومثارا للشماتة، إلا برجعة صادقة إلى معين الفلسفة التربوية الصافي من كل الشوائب والأكدار، وليس ذاك المعين إلا معين القرآن الذي لا ينضب، ولا تنتهي عجائبه، والذي وصفه منزله سبحانه وتعالى على المعلم الهادي سيد الأنبياء المرسلين وخاتمهم ، بقوله: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}(12).

ومن عجيب المفارقات، أن الدول والمجتمعات الغربية التي تفتقد إلى الميزان الذي أكرمنا به الباري سبحانه وتعالى، تقف وقفات تقويمية لأحوالها، ومنها الأحوال التعليمية، لرصد العثرات ومواطن الضعف والإخفاق، ولا تجد بدا من الإنصات لنتائج الرصد والتقويم، وتدخل في تجارب جادة لإصلاح الحال، لا من باب التدين، ولكن من باب التعقل، لتحسين المحصول الدنيوي. وأسوق هنا نتائج ” دراسة غربية نشرت في الثامن من يوليوز 2002، قامت بها هيئة حكومية بريطانية تدعى المؤسسة الوطنية للبحث التعليمي، والتي أجريت على 2954 مدرسة ثانوية في أنجلترا، لدراسة مدى تأثير حجم المدرسة ونوعها (مختلطة أو غير مختلطة) على أدائها التعليمي. أوضحت هذه الدراسة نتائج مدهشة أبرزها أن أداء الطلبة الذكور والإناث، كان أفضل دراسيا في المدارس غير المختلطة، والفتيات كن أكثر استفادة من الفصل بين الجنسين في تنمية أدائهن… كذلك وجد من تحليل نتائج الامتحانات البريطانية العامة)

Gcse)، أن المدارس غير المختلطة تحقق أفضل النتائج وأعلاها بشكل روتيني: ففي سنة 2001، كان العشرون الأوائل في امتحانات gcse البريطانية من طلاب المدارس غير المختلطة، وأغلب الخمسين الأوائل من الدارسين في تلك المدارس…) وفي تجربة أخرى( تم في مقاطعة إسكس بجنوب شرق إنجلترا، تقسيم مدرسة فيرهيرت الثانوية المختلطة إلى مدرستين، إحداهما للذكور والأخرى للإناث، مع بقاء المنهج والأساتذة على حالهما. وبعد ثلاث سنوات من بدء التجربة، بينت النتائج أن أداء الطلبة ارتفع بنسبة 26% وأداء الطالبات بنسبة22%”(13).

هذه التجارب الواقعية ذات الصدق العلمي والموضوعي العالي،تدمغ كل المزاعم الباطلة والهرطقات الممجوجة التي لا سند لها غير الهوى،والصادرة ممن يبغونها عوجا،  وصدق الله العظيم” ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن”(14).

ومن غير الدخول في جدال عقيم، نقول للمعجبين بالغرب المنبهرين لبهارجه، لماذا تلتقطون أوساخه وتتركون حكمته،، وهي كامنة في أصول دينكم وتشريع ربكم، في صيغة أكمل، وحلة أبهى وأجمل؟

إن أمر المسئولين عن التعليم وموقفهم من الاختلاط بين الجنسين فيه، أشبه ما يكون بموقف اللجان المسؤولة عن محاربة حوادث السير على الطريق، ومن وراءها من أصحاب القرار، من الخمر التي تكمن وراء نسبة عالية من الحوادث المفجعة، فهؤلاء يغمضون أعينهم عن الإشارة لأم الخبائث بالاتهام، وبتحميلها جريرة نسبة هامة مما يراق من دماء، ويزهق من أرواح، ويهدر من طاقات، وأولئك يغمضون أعينهم عن الاختلاط، وينزهونه عما يقع في ساحة التعليم من تردي وانحدار، ومن جراحات وأكدار، ومن إفلاس وخراب دار. فهل بأسلوب النعامة، وبالإصرار على الباطل تحل المشكلات وتذلل العقبات، ويطمع الناس في تحقيق ما يؤمل من آمال وأمجاد؟

2- آثار التعليم المختلط على التربية والأخلاق:

إذا كان الاختلاط يذهب بريح “المنظومة” التعليمية، ويعرقل نموها الطبيعي، ويصيبها بالإفلاس العلمي، فإنه من جهة أخرى يتلف الشق الآخر من كيان تلك المنظومة،وهو المتعلق بالقيم الخلقية السامية، وبالسلوك المتزن النبيل، ويحول دون فرصة بناء الشخصية السوية والمتكاملة عند الفتيان والفتيات على حد سواء. وقد سبق أن أشرت إلى أن ما يزيد التعليم المختلط تأججا وانفلاتا، هو فتنة اللباس الذي ليس بلباس، والذي تتحول معه المؤسسات إلى معارض دائمة لكل شاذ وغريب من “الموديلات” والأزياء، التي تشكل في حد ذاتها أحابيل للشيطان ودعوة صارخة للتبذل والفجور. وإن ما يجري يوميا من مظاهر الميوعة والاحتكاك الآثم بين التلاميذ والتلميذات، داخل وعند محيط المؤسسات، ليثير الغيظ والحنق لدى الغيورين على الأجيال وعلى العلم والتعليم،والتربية والأخلاق،  ويملأ قلوبهم حزنا وأسى على منظومة تخرج أشباه الرجال والنساء، ويدفع إلى معترك الحياة بطوائف ممن زاغت أبصارهم ووهنت قواهم، وغلبت استعدادات الهدم فيهم على استعدادات البناء. ومما يزيد الخطب هولا والمشكلة تعقيدا، ما يحيط بالمؤسسات، من أوكار وخلايا شيطانية، تعمل بكل ما أوتيت من خبث وفساد، على بث السموم وزرع الألغام التي تدفع بشكل رهيب، إلى وضع تتحول فيه تلك المؤسسات إلى خرائب وأطلال.

ثالثا: هل إلى خروج من سبيل؟

إن من خصائص أمة الإسلام أنها لا تجتمع على ضلال، كما جاء في حديث لرسول الله ، ومن خصائصها أنها قائمة على النصيحة، آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر. من هذا المنطلق، لا بد أن تنهض كل القوى الحية في الشعب بمبادرات فاعلة لإعادة هيكلة سفينة التربية والتعليم، وتمتين ألواحها، وإحكام دسرها، وحسن اختيار ربابنتها ومهندسيها وتقنييها، وسائر القائمين على أمرها، وإعادة الإقلاع على بركة الله مجريها ومرسيها، والاهتداء للإبحار الآمن، بخرائط مدققة لمجاهل المحيطات والبحار، لإيصال الركاب إلى شاطئ النجاة وبر الأمان.

في هذا السياق، ومساهمة متواضعة مني أقترح ما يلي بقلب مفعم وصوت جهير:

1- تحلي المسؤولين عن شأن التربية والتعليم في هذا الوطن العزيز، بالشجاعة الكاملة لإعادة النظر بكل جدية وإخلاص، في قضية الاختلاط، إذا كانت تريد فعلا أن تقيم مبادرتها لتأسيس مدرسة النجاح، على قاعدة صلبة وأساس راسخ متين، وإذا كانت جادة في توخي الجودة التي أصبحت شعار العصر في كل المجالات، وعلى رأسها التربية والتعليم.

2- الاستفادة في هذا السبيل من تجارب الغربيين ودراساتهم الرصينة الهادفة، وذلك بالوقوف عن كثب على تلك التجارب، وإذا كان من المعلوم أن صياغة “الميثاق الوطني للتربية والتعليم” منذ عشر سنوات،قد سبقتها اتصالات ممن وكل إليهم أمر إعداد مواده وعناصره وركائزه، بدوائر التعليم وخبرائه في بلدان الغرب، أفلا يكون من الغريب ألا يكون هؤلاء الذين سلمت لهم هذه الأمانة الثقيلة، قد أثاروا قضية الاختلاط على بساط التعرف والنقاش، فلم الإصرار على تجاهل أمر، سوف تلاحقهم عواقبه، وتلتف حول أعناقهم كوارثه عاجلا لا آجلا؟

3- إيلاء عناية خاصة  لأمر اللباس والهندام الذي ينبغي أن يظهر به التلاميذ بشكل عام، ولباس التلميذات بوجه خاص، وبخصوص هذا الموضوع نسائل المسئولين عن مذكرات الهندام التي تلزم التلاميذ بلباس وسط بين الجمود والجحود(15).

4- إنشاء مرصد للمشاكل المدرسية، يتوصل بتقارير أمينة ووافية عما يقع ويجري في المؤسسات وفي محيطها، ويقوم بتحليل معطياتها، لاستخلاص النتائج والعبر، وصياغة الخطط والحلول.

5- ضرورة إدراك القيمين على أمر التربية والتعليم، أن ترسُّمَ فِكْر الحداثة في التعليم، سيؤدي لا محالة إلى السقوط في مستنقع التغريب، وسيورث الأمة الشلل والكساح، بعد الميوعة والانحلال.

6- إيلاء جمعيات آباء وأولياء التلاميذ مطلب الفصل في المدارس قسطا هاما من جهودها، والجهاد الدءوب من أجل تحقيقه، خضوعا لقيم الإسلام، والتماسا لأسباب الجودة ورفع مستوى التربية والتعليم.

7- مطالبة أصحاب المدارس الخاصة بهامش من الحرية يمكنهم من إعطاء القدوة والمثال في  خوض تجربة الفصل وعدم الاختلاط.

8- إعطاء الصلاحية لمديري المؤسسات، لتخصيص أقسام للذكور وأخرى للإناث، لإتاحة فرصة للمقارنة ومعرفة الحقائق.

خــاتـمــة

إننا ونحن نعيش في عصر تصك فيه الآذان معزوفة حقوق الإنسان، نستغرب أشد الاستغراب، بل ونستنكر أشد الاستنكار، أن لا يمكن آباء وأولياء التلاميذ من حق الاختيار، بين أن يودعوا أبناءهم وبناتهم مدارس مختلطة، أو غير مختلطة، و هذا أضعف الإيمان، كتمهيد لدخول المؤسسات التعليمية في السلم كافة.

إلى عهد ليس بالبعيد، كان هناك حد أدنى، أو ما تحت الأدنى، يتمثل في تخصيص مؤسسة أو مؤسستين أو أكثر للبنات في كل مدينة، وقد كان ذلك من مخلفات عهد الاستعمار، حيث كان ذلك مظهرا للملاينة، والحذر ومراعاة خصوصية مجتمع دينه الإسلام، أما اليوم فقد تم إلحاق تلك المؤسسات بأخواتها، استكمالا لقانون الحداثة الذي ينبغي أن يعم بغطائه الجميع. ومما يثير الاشمئزاز وتضيق له صدور الغيورين الشرفاء، أن يحرص مسئول في أعلى مستوى،  في عهد سابق، على أن يجوب  جهات المملكة، مبشرا بضرورة احترام الاختلاط، محذرا من تسول له نفسه  المساس به، لأن ذلك يعد إخلالا فظيعا وجرما شنيعا، ويكفي لوصفه بذلك، أن يدرج مقترفه في خانة التمييز بين الجنسين، ويا ويح من وجد متلبسا بتلك الجناية الفادحة في قسم من الأقسام، بأن يخصص صفوفا للذكور وأخرى للإناث، إن أقل شيء يتخذ في حقه،هو أن يزجر، ويوصم بوصمة التخلف عن ركب الحداثة.

ياأيها المسئولون، إن أمر التعليم لأمانة، وإنها يوم القيامة لحسرة وندامة، لمن لم يقم بحقها، وإن الاختلاط، أو بالأحرى التخليط في التعليم، ليعد لوثة حداثية لا تليق بأبناء وبنات شعب مسلم، يأمرهم دينهم بالحجاب والاحتشام وبالتحلي بكل مكارم الأخلاق، ويحثهم على سد أبواب الشر والفساد، فهل أنتم منتهون؟.

{إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب}(16).

         د. عبد المجيد بنمسعود

————

1 ـ “أبو نصر بن محمد بن عبد الله الإمام، “الاختلاط أصل الشر في دمار الأمم والأسر” ط1، دار الآثار ،صنعاء، 1430ـ 2009، ص: 30

2 ـ

3 ـ ترجمة محمد سبيلا، www.mohamed-sabila.com

4 ـ  مفهوم الحداثة العربية ، حداثة بلا جذورwww.arabswata.org

5 ـ  دراسة معرفية في الحضارة الغربيةwww.alokab.com

6 ـ سورة الجمعة الآية2

7 ـ  ” قيم العقيدة الإسلامية، وقيم الهوية الحضارية ومبادئها الأخلاقية والثقافية، وقيم المواطنة، وقيم حقوق الإنسان ومبادئها الكونية”

8 ـ” دعوى أهل الحداثة أن الأدب يجب أن ينظر إليه من الناحية الشكلية والفنية فقط، بغض النظر عما يدعو إليه ذلك الأدب من أفكار، وينادي به من مبادئ وعقائد وأخلاق، فما دام النص الأدبي عندهم جميلاً من الناحية الفنية فلا يضير أن يدعو للإلحاد أو الزنا أو اللواط أو الخمر” انظر كتاب الدكتور عوض القرني:  ” الحداثة في ميزان الإسلام ” ص: 18

9  ـ  إشارة إلى  ديوان بودلير الشاعر الفرنسي الذي يعد من أئمة الحداثة ومراجعها الكبرى في مجال الشعر.

10 ـ  أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب القدر رقم2568 وهذا هو نص الحديث:” ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه،كما تنتج البهيمة الجمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء، ” وفي رواية أخرى، حتى تكونوا أنتم تجدعونها.

11 ـ اشتقت هذا المصطلح من قول رسول الله   في حديث الفطرة المشار إليه آنفا: ”  كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل  تحسون فيها من جدعاء؟

12 ـ  سورة الإسراء الآية9

13 ـ عن مجلة الشقائق العدد61، رجب1423ـ سبتمبر2002،ص:21

14 ـ  سورة المؤمنون الآية 71

15 ـ  إشارة إلى مذكرة صدرت في نهاية السبعينيات تأمر بلباس” لا يرتكب جحودا ولا يقر جمودا”

16

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *