ألم قلم – حلم الحداثة


هذه الصورة من الصور التي تم تبادلها بين الناس عبر البريد الإلكتروني، وعبر الموقع المعروف باسم (فايس بوك)، وهي تهدف إلى إظهار التطور الحاصل والمتخيل في تأليف الكتاب المدرسي للمراحل الأولية من التعليم الابتدائي، حيث بدا في الصفحة القديمة ما يبدو “تقليديا”، سواء من خلال الصور أو من خلال الكلمات، بينما بدا في الصفحة الحديثة ما يبدو “حديثا بإثبات صور” ترتبط بعالم المعلوميات والتقنية الحديثة.

ورغم أن الصورة الثانية “الحديثة” ليست واقعية فيما يبدو وإنما هي متخيلة، أنجزت عبر مزج الصور وتركيبها (مونتاج) فإنها مع ذلك تعبر -ولو بسذاجة- عما لحق عملية تأليف الكتاب المدرسي من تطور وتحديث، في منظور العديد ممن يرومون هذا التحديث والتطوير.

ومن الأكيد أن تحديث الوسائل التعليمية، وتطوير طرق التدريس ليس مما يعاب أو يستنكر، بل هو مطلوب وواجب ومرغوب فيه، حتى تساير العملية التعليمية، والتربوية روح العصر وما يحمله هذا العصر من جوانب التطور العلمي والتكنولوجي.

لكن هناك فرق بين تطوير يراعي الذات ويأخذ بعين الاعتبار المقومات الحضارية للأمة من دين ولغة وتاريخ وأعراف، وبين تطوير لا ينظر إلى أي شيء من ذلك، بل يجري وراء السراب حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، بحث عن سراب آخر.. وتدور الدوامة دون أي نتيجة.

إن المتخيل لصفحة هذا الكتاب المدرسي التي تتحدث عما يعرف بِـ”الفايس بوك” يعبر من حيث يشعر أولا يشعر عن حقيقة التحديث والتطوير التي لحقت المناهج التعليمية دون أن تأخذ بعين الاعتبار واقع العملية التعليمية واحتياجاتها، أو مراعاة قيم الأمة ومقوماتها الحضارية.

هل يعرف الحالمون بالتحديث أن العديد من التلاميذ في المناطق القروية لا يعرفون كتابة أسمائهم بشكل سليم رغم قضائهم سنوات في المدرسة..

هل يعرف الحالمون بالتحديث أن العديد من المعلمات في العالم القروي يعشن تحت رحمة اللصوص وقطاع الطرق وهيجان الذئاب البشرية.

هل يعرف الحالمون بالتحديث أن العديد من رجال التعليم ونسائه في العديد من المناطق القروية يصلون إلى مدارسهم على ظهور الحمير والبغال أو مشيا على الأقدام.

هل يعرف الحالمون بالتحديث أن بعض الأجهزة الإلكترونية التي سلمت لبعض المدارس في القرى لم يعرفوا ما هي ولا كيف تستعمل.

هل يعرف الحالمون بالتحديث أن جل من التحقوا بالتدريس بشكل مباشر لا يعرفون أي شيء عن طرق التدريس ولا يفقهون أي شيء من مناهجه التعليمية لأنهم لم يتلقوا أي تدريب في ذلك.

هل يعرف الحالمون بالتحديث أن رجال التعليم ونساءه خاصة في المرحلة الابتدائية يعيشون أزمة مادية كبرى.

فعن أي تحديث أو تطوير يتحدثون في غياب كل ما يساعد على ذلك، وخاصة العنصر البشري الذي هو قوام كل بناء وتقدم؟!!

>    د. عبد الرحيم بلحاج

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *