الإسلام والمسألة الأخلاقية (1)


أ.د. الشاهد البوشيخي

1- النقص الفظيع في الخلق هو المسؤول عن كثير من الويلات :

ايها الأحبة : طلب أن أتحدث إليكم، فتأملت في نفسي أولا ما الذي ينقصها أساسا، فوجدته الخلق الحسن، فتأملت فيمن حولي فوجدتهم يُشْبِهُونني -وقد يكونون أحسن مني- ولكنا جميعاً أفَلَسْنَا في مستوى الخُلق الحَسَن المَطْلُوبِ في هذه الشريعة، والمَطْلُوب من حامل هذا الدين. وتأملتُ في حال المسلمين جميعاً، من أقصى الكرة الأرضية إلى أقصاها فوجدت المسْألة الخُلُقية مسألة تستحق عناية أكبر مِمَّا يُعْطَى لها، ليس فقط في الجانب النَّظَرِيّ، أو جانب الدراسة، ولَيْسَ في جانب التحليل فقط، وليس في جانب -الحديث والخطابة- فقط وإنما في الجانب العَمَلِي خاصَّةً هَهُنَا النَّقْصُ الشديدُ الفظيع، وهذا النَّقْصُ هو المسؤول عن الكثير من الويلات، التي نُعاني منها أفراداً وجماعاتٍ.

2- مفهوم الخلق :

ما المقصود بالخلق؟

الخلق كما تعلمون : من نفس المادة التي  منها الخَلْقُ وهذا واضح، إذْ الفَرقُ بينهما مُجَرَّد تغيير طفيف في الحركة، وهذا الأصلُ يُشعِر بأن  ما يُطْلَقُ عليه هذا هُوَ مِنْ جِنْسِ ما يُطلق عليه هذا فكان الخُلُق اذَنْ هو تلك الصفات والسَّجَايَا التي ترسخت في الانسان الى حَدِّ أنَّها صارَتْ تُشْبِهُ خِلْقَتَهُ. فهو إذْن اللِّبَاسُ المَعْنَويُّ -إن شئْتُمْ-، هو لِبَاس النَّفْس الإنسانية النفسُ من الدَّاخل تلبَسُ لباساً خاصّاً، ذلك اللباسُ هو الخُلُق

3- ضرورة المجاهدة لاكتساب الخُلُق المطلوب :

اللباس الذي يَسْتُرُ به الخَلق به جِسْمه هو لباسٌ مادِّيٌّ يسهل علينا ان نُغَيِّره، ويَسْهُلُ علينا أن نُعيد ترتيبَهُ، ويسْهُلُ علينا أن ننظِّفَهُ ونزَيِّنَهُ. ولكنَّ اللباسَ المَعْنَوي لَيْس من السَّهْلِ تغْييرُهُ بسُهُولَةً، ولَيْسَ من السَّهْلِ إصْلاَحُهُ بسهولة، وليس من السَّهْلِ أن نُحْدِثُ فيه التَّرْتِيبُ بسُرْعَةٍ ليَعُودَ على الصُّورَةِ التي نُحِبُّ أن يَكُونَ عليْهَا، بَلْ لابَدَّ من مجاهدةٍ ومكابَدَةٍ ورِيَاضَةٍ شاقة عسيرة تُسْهِمُ فيها أمورٌ كثيرة، مَادِّيَّةٌ، ومعْنَوِيَّةٌ، داخليَّةٌ وخارجيةٌ، ومن جُمْلتها البَلاَيَا التي يُسْلِّطُها الله علي عباده ليطهِّرَهم بها، ويُزَكِّيهمْ بها نسأل الله سبحانه وتعالى العافية.

4- الخلق هو اللباس المعنوي للانسان :

هذا اللباس المعنوي ليس من السهل إِحْدَاثُ تغير فيه، فلابُدَّ من مُجَاهَدَة ومجهُودٍ كبير -وهذا الأَمْرُ يُغفَلُ عَنْهُ- إذْ حين يَتمُّ الانتقال إلي هذا الدّين بسُرْعَةٍ تَحْدُثُ التغييرات الشَّكْليَّةُ في لابِسِ الدِّين، ولكنَّ التَّغْييرات المعنويَّة لا تسير بنفس السُّرْعَةِ، هذا إذا حرَصَ  عليْها، وواجهها وراض نفس على التَّغْييرات المطلوبة، أمَّا اذا أهْمَلَها فسيظَلُّ فقطُّ مخلوقاً مَسْتُوراً، بزيٍّ يُخَالِفُ ما هُوَ مَسْتُورٌ تحْتَهُ، وَهَذا يعني ظاهراً يُخَالِفُ الباطن، ويعني ظاهراً يُصْبِحُ وسيلةً للخداع من حيث لا يشْعُر الانسان.

5- أساس التقويم والمحاسبة هو الجانب الباطني من الانسان :

إن الانسان يبتدئ من الحكم على الظاهر أولاً، وينطلق في التعرف على أي شخص من ظاهره، لأنَّ ذلِك الظاهر لَهُ دلالة، ولَهُ معنى، فهو بمثابة لَفْظِ يدل على معْنى فإذا ساوى اللَّفْظُ المعنى -أي سَاوى الظاهر الباطن- أو كان هذا اللفْظ أقل من المعنى -أي الباطن أحْسَن من الظاهر- فمعناه أنّ خُلُقُه أكْثَرُ من اللفظ الذي هو الصورة الظاهرة، فهاهُنا يفرَحُ الإنسان بالنَّسْبَة لموْضُوعنا.

أما إذا كان العكس، أي الظَاهر جميلٌ، والباطن خَرِبٌ، فياخَسارتاهُ! لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه المشهور : >اللهم اجْعَل سِرّي أصلَحَ مِنْ عَلانِيَتِي، وعلاَنِيتي صَالِحَةً<.

6- اللباس المعنوي هو الأساس الذي يتم عليه الحساب :

هذا اللباس المعنوي، أيها الإخوة، هُوَ هُوَ الأساسُ في الشخصية، لا اللباس الخارجي، هُوَ الأساسُ الذي عَليه يتِمُّ الحِسَابُ يَوْمَ القيامة، وهو الأساس في نَظَرِ الله عز وجل، الى العبد، وهو الأساسُ من الناحية العَمليَّة في التَّقْويم الصَّحِيحِ لكلِّ إِنْسَانٍ إنْسانٍ، فإنما ينبغي أن نُقَوِّمَ أنفسنا مِنْ هذا الجانب أساساً، لا من الجانب الشّكْلِيِّ الخارجي. والشريعة اهْتَمّت أوّل ما اهتمتْ بهذا الجانب وعليه ركَّزَتْ، ولتقريب المعنى يمكن أن نستعير ما يقال في مجال البناء، فَهُنَاك البِنَاءُ الأساسُ أسْوَارٌ وأسسٌ وحَدِيدٌ.. وهناك التحسِيناتُ والتّزْينَاتُ المُسَمَّاه بـ “Finition” لفظة أعْجَمية ولكنها طَغَتْ على اللفظة العربية.

هذه المحَسِّنَاتُ، وهَذه المُزَيِّنَاتُ، التي تُعْطِي البناء شَكْلَهُ النهائيَّ تَأتِي في الأخير عادَةً، لَهَا أهَمِّيتُها وهي أساسيةٌ في الأصل، لا نَستطيع أن نُسَمِّيها كَماليَّاتٍ زائدة لامَعْنَى لها، لا أَبَداً، هِي من الشيء، من ذاتِ الشيء، منْ صَمِيم الشيء، ضَرُورِيَّةٌ للشيء، هي التي تعطي للشيء شكله الحقيقي. ولكن يَنْبَغِي أن تَكُونَ في إِبَّانِهَا، وسَاتِرة لكِيَانٍ آخرَ في غَايَةِ المتانة والصَّلاَبة، أما إذا حدث العكسُ، فالشكل الذي يُرى جميلٌ والبناءُ المَسْتُور تحتهُ في غاية الهَشَاشَةِ، فَههُنَا الكَارِثَةُ إذْ قد يَسْقُطُ البناءُ كُلُّهُ في لحظة من اللحظات فتَحْدُثُ كارثةٌ انسانية.

7- أنواع الخلق بحسب العلاقات التي تربط الإنسان :

هذا اللباس المعنويّ، أنْوَاعٌ، فيه جانب يمكن أن نسميه خلقا مع الله عز وجل، والثاني يمكن أن نسميهُ خلقا مع النفس، وفيه جانِبٌ يمكن أن نسميه خلقا مع الناس.

8- عناية الإسلام بالجانب الخلقي :

والاسلام، أيها الإخوة، عُنِي بهذا الجانب عناية كبيرة، ولا بأس أن نقف عند بعض الأحاديث، وبعض الآيات الكريمة لننظر أين يضع الله عز وجل هذه المسألة.

من الآيات الصريحة في الموضوع قول الله عز وجل مخاطبا رسوله صلى الله عليه وسلم في سياق اتهام الخصوم له بالجنون وبغير الجنون : >وإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ<.

من جملة ما فَسَّر به العلماءُ الخُلُقَ ههُنَا فَسَّرُوهُ بالدِّين، وهو الخلق الذي أشارت إليه السيدة خديجة رضي الله عنها -في بَدْءِ الرِّسَالَةِ- حين قالت للرسول : “كَلاَّ واللّه ما يُخْزِيكَ اللَّهُ أبَداً، إنّكَ لَتَصِلُ الرّحِم، وتُكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفُ، وتُعِين عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ وتَحْمِلُ الكَلَّ”، أو كما قالت رضي الله عنها -جزء من حديث متفق عليه- : “كلاَّ واللّه ما يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَداً”. أي مِثْلُ صاحِبِ هَذَا الخُلق لا يُمْكن أن يُعَاقَب بِنَقْيضِ ما هُو عِنْدَهُ، يَعْنِي أن الخلق الحسن يُؤَدِّي إلى الثَّوابِ الحسنِ، هذاَ منْطِقُ الأَشْيَاءِ. وبهذا المنطقِ الفطريّ الطبيعي تكلمت السيدة خديجة رضي الله عنها. والله عز وجل أَعَدَّ رسوله هذا الإِعْدَادَ بهذَا الخُلُقِ العظِيم ليَحْمِل هَذِهِ الرسالة العَظِيمة ليكُونَ كُفْئا لها. فإذن الخُلُقُ الحسن نفْسُهُ، هو أول المؤهّلات، وأعْظَمُ المؤهّلات لحمل الأمانة.

9- الخلق الحسن تعبير فصيح عن الإيمان الكامل :

كان رسول الله يحث على حُسن الخلق لأنه اللُّغَةُ المعبّرةُ بصدقٍ عن حُسْن الإيمان وكَمَالِهِ قال صلى الله عليه وسلم : “أكْمَلُ المُومِنِينَ إيمَاناً، أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً”، وقال : “خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِ”. والتعبير عن الكمال والحُسْنِ باسم التفضيل في هذا الكمال يُشْعِرُ بالثّمرة الحَسَنَة للإيمَانِ التي يَتِمُّ التعبير عنها في شَكْلِ أرْفَع الأَخْلاَقِ وأسْمَاهَا، لأن الإيمان الذي وقَرَ في القلب، لا يُمْكن ألاَّ يُعَبِّر عن نَفْسِه، مُسْتَحِيلٌ ألاَّ يُعَبِّرَ عن نفسه في صورة خُلقٍ حَسَنٍ، بَلْ الحقيقة أنّ كُلَّ ما هُو واقِرٌ في القلب لابُدَّ أن يُعَبّر عن نفسه في الخلق إن حَسَناً فحسنٌ، وإنْ سَيٍّئاً فَسَيِّءٌ. قال الله تعالى : >ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القَوْلِ<-سورة محمد- وقال الشاعر :

ومَهْمَا تَكُنْ عِند امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ

وإن خَالَها تَخْفِي عَلَى النَّاسِ تَعْلم.

إذن فكما أن الإيمان يؤدي إلى كمال الخلق، وحُسْنُ الخلق يؤدِّي إلى كَمَالِ الإىمَانِ. والإيمان ليس -كما يق-ال : موجوداً في القلب، بدون أَثَرٍ يُرَى في الخارج فالحقيقة هو شيء معبّر عنه في الخارج بِعِدَّةِ طُرُقٍ. من مثل قول الرسول صلى الله عليه وسلم : “إذا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَعْتَادُ المَسَاجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بالإِيمَانِ”. هذا فعل، هذه ممارسة تدل على شيء، فالإيمان يعبر عن نفسه، فإن لم يعبِّر دل على ضعف، مثل ما في أحاديث الجهاد : من مثل قوله صلى الله عليه وسلم : >مَامِن نَبِيٍّ بَعَثَهُ الله في أمّة قبلي إِلاَّ كَانَ له من أمتهِ حََوَارِيُّون وأصحابٌ يأخُذون بسنَّتِه ويَقْتَدُون بأمره، ثُمَّ إِنها تَخْلُف من بَعدهم خلُوفٌ، يقُولُونَ ما لا يفعلُون، ويفعَلُون مالا يُومَرُون فمن جاهدهم بيده فهو مومن، ومن جاهدهم بلسانه، فهو مومن. ومن جاهدهم بقلبه فهو مومن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل<-رواه مسلم-، ذلك هو أضعف الإيمان. هذا حال ضعيف جداً حين لا نجد تعبيراً خارجيا صريحا متجاوزاً الذات. وهو لابد له من تعبير في الذات، على الأقل في هذا المستوى الذي عبر عنه الحديث “من جاهدهم بقلبه…” لابد للايمان من تعبير. وهذا التعبير يترجم إلى خلق حسن.

فأكمل المومنين ايمانا، اذن، أحسنهم خلقا. فحسن الخلق هو كمال الإيمان، فهذه الدرجة العلية التي وضع فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم الخلق، تطابق الحقيقة. وهي أن أعلى درجة في الإىمان هي درجة حسن الخلق، وأن أكمل المومنين إيمانا أحسنهم خلقا. مثل ذلك في البِرِّ. وقد سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له : “ما البر؟ قال : البرُّ حُسْنُ الخلق”. والبر كما تعلمون وَرَدَ عنه حديث كثير في كتاب الله عزوجل : >ليْسَ البِرُّ أن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، ولَكِن البِرّ من آمَنَ باللّه واليَوْمِ الآخر والمَلاَئِكَة والكِتَابِ والنَّبِيئين…< إلى آخر الآيات التي تشمل جميع الجوانب الباطنية الخاصة والعامة، إلى أن يقول : >أُولَئِك الذِينَ صَدَقُوا، وأُولاَئِكَ هُم المُتَّقُونَ< هؤلاء، هم الأبرار، هم الذين صدقوا، وهم المتقون، وهم الذين اتصفوا بصفة البر، والبرُّ : حسن الخلق.

بلْ نَجِدُ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول في الحديث الصحيح : “إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّم مَكَارِمَ الأَخَْلاَقِ”، أيْ أنَّ جُمْلَة ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو فقط عبارة عن أخلاق، من جنس أخلاق مضت جاء هو بتمام النعمة على الإنسانية، جاء ليتمم مكارم من الأخلاق سبقت وجاء بها أنبياء سابقون وهو جاء ليتم هاته النعمة.

ولأهمية الأخلاق نجد رسول الله يركّزُ عليها في كل حالة مثل حديث  أبي أمامة المشهور : “أنا زعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَك المِرَاءَ وإن كان محِقّاً، وبِبَيْتٍ في وسطِ الجَنّةِ لِمَن ترك الكذِبَ وإن كان مازِحاً، وببِيْتٍ في أعلَى الجَنّة لمن حسّن خلقه أو لمن حَسُن خلقه”-رواه أحمد-. فالمدار عَلى حُسْن الخلق لأنه رأسُ الأمر، الدًّين كُلُّهُ عبارة عن خلق، أي أن طبيعته ليست طبيعة نظرية، ليست معلوماتية، هي طبيعية عملية، هي طبيعة اللباس الذي يُلبس، لباس تلبسه النفس الإنسانية فتصير به خلقا آخر، فالدِّين خُلُق أي ذو طبيعة عملية، طبيعة يُتخلق بها فتصير كالخِلقة، كَخلقة الشخص سَجِيَّةً راسخةً فيه. هذا هو المطلوب، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عبارة عن خُلُق أيضا، قالت سيدتنا عائشة، وقد سئلت عن خُلُقه قالت  : “كَانَ خُلُقُهُ القرآن”، والقرآن نفسه كان عبارة عن خلق تَخَلَّقَ به رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن فالدين “خلق” ومحمد صلى الله عليه وسلم خلق، والقرآن خلق.

فالخلق، أيها الإخوة، في منزلة علية جداً وهو نوعان : حسن وسيء.

وحديثنا عن الخق الحسن، هذا الذي ينبغي أن يتخلق به المسلم، وهذا الذي جاء به الإسلام ليتممه، وهذا الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مثلا له وكان لنا أسوة في هذا الخلق الحَسَن لا في سواه، ولا يُوجَدُ سِوَاه لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *