نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الفاتحة


نظرات في الهدى المنهاجي في سورة الفاتحة

د. الشاهد البوشيخي

هذه السورة القصيرة العظيمة التي تعلمون الأحاديث الصحيحة التي وردت فيها، نحاول اليوم أن نلتمس ما يسر الله من الهدى المنهاجي فيها مما تحتمله هذه الحصة وأول ذلك :

الهدى الأولى : رأس الأدب مع الله البدء باسم الله :

وتحت هذه النقطة ثلاث نقط :

> أولا : لا مسَّ لشيء في ملك الله إلا باسم الله : أي باستئذان الله.

> وثانيا لا شروع في أي قول أو فعل إلا باسم الله، أي باستئذان الله، وحوْلِ اللّه.

> وثالثا لا دخول إلى محراب القرآن وعالم القرآن إلا باسم الله، أي بإذن الله وحول الله.

فرأسُ الأدب مع الله إذَنْ البدْءُ باسم الله.

تعلمون ما هو معروف من الخلاف : هل باسم الله الرحمان الرحيم آية من الفاتحة أم لا؟

خلاف بين أئمة المذاهب  معلوم مشهور.

ولكن مراعاةً للخلاف الذي هو أصل من أصول المذهب. نتعامل معها على أنها آية من هذه السورة العظيمة ونعتبرها مدخل المدخل.

فإذا كانت الفاتحة هي المدخل لكتاب الله عز وجل وهي المقدمة فهذه الآية مقدِّمة المقدِّمة.

وإذن فـ “رأْسُ الأدَبِ مع الله : البدء باسم الله”  لأن أول ما يقرأ القارئ من كتاب الله عز وجل بعد “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم” : {باسم الله الرحمان الرحيم}.

وذلك يعني أن الأدب الواجب مع الله عز وجل، ومع كل ما يتصل بالله عز وجل هو أن لا يُقْرَب إلا بباسم الله.

فملك الله تعالى على ما هو عليه لا ينبغي أن يُمَسَّ شيءٌ منه إلا باسم الله، أي باستئذان الله جل وعلا، وهو أدب عظيم جدا جداً، الملك لله جل وعلا فأي تصرف فيه، وأي مَسٍّ لشيء فيه لا يمكن أن يكون إلا بعد استئذان مالكه.

وهذا الاستئذان يصل في بعض الأحيان -إذا ربطنا الكلام ببقية القرآن- يصل إلى حدّ أن يصير الشيء حراما إذا لم يُذْكَر عليه اسم الله {ولا تاكُلُوا مِمَّا لم يُذكر اسْم اللّه عليه}(الأنعام : 121) لأن نزع حياة بغير استئذان واهِب الحياة هو شيء عظيم عند الله تعالى، ولكن إذا أُخذ منه الإذن فإنه يصير جائزا، ويصير حلالا، و في ذلك إشارة إلى أن هذا الاستئذان أمرٌ أساسي في الأمر كله، في الملك على عظمته، على كِبَرِه، على تنوع ما فيه، لا ينبغي أن يُقرب إلا بإذن الله.

وهذا الإذن مما يقتضيه : يقتضي المشروعية، لأنه لا يحل لامرئ مسلم أن يُقْدم على أمر حتى يعلم حُكم الله فيه، فلا يجوز أن يقال باسم الله ويشرب الخمر، أو يفعل منكراً ويقول : باسم الله.

هذا لا يمكن، لأنه مخالف للمقصود من هذا الأدب الواجب، فأن نشعر هذا الشعور شيءٌ مهم جدا، نحن أمام مُلك له مالكه، وله صاحبه، ونحن بعضُ ملكه، فأي مس لأي جزئية في هذا الكون ينبغي أن تكون باسم الله، أي باستئذان الله عز وجل، أي داخل دائرة ما أذن فيه، وأمر به.

> ثانيا : لا شروع في أي قول أو فعل إلا باسم الله أيضا :

يعني كما أن أي تصرف في الكون لا يجوز إلا بعد الاستئذان بباسم الله، فكذلك لا ينبغي أن يُـشرع في شيء إلا باسم الله : فكأنك تقول : إني أُمَارسه مستئذنًا الله عز وجل، وأمارسه بحول الله عز وجل لا بحولي، إذ لا حول ولا قوة إلا بالله، فكون الأمر مشروعا لا يعني أنه يُقْدَر عليه بغير حول الله لا يمكن. ولذلك على الإنسان أن يستشعر وهو يشرع في أمر ما أنه يَشْرع فيه بإذن الله أولا، وبحول الله وقوته ثانيا. و سبق الكلام في {اقرأ باسْم ربّك} أن رسول الله  لم يكن قارئاً، فقيل له اقرأ {باسم ربّك} أي كُن قارئا بإذنٍ من الله عز وجل، وحول من الله عز وجل، وإن لم تكن قارئا فإنك ستصير قارئا بإذن الله تعالى وحوله، فهو الذي جعل القارئ قارئا، وهو الذي أقْرَأ بالقلم وبغير القلم، وهو وهو..

هذه النقطة أيضا لابد من الشعور بها في البدء. وهي أيضا مهمة في أي ممارسة؛ لأن عددا من الأعمال قد تظهر للإنسان  شاقة صعبة ولكن هي مما أمر الله به أو كلفنا به فينبغي أن يُقْدَم عليها باسم الله،  لأنها إذا أقدم عليها العبد باسم الله فإنه يستطيعها بإذن الله، ولكن إذا نظر إلى حوله ولا حول له فإنه لا يقدر.

وهذه  شبهةٌ قد تعرض لكثير من الناس، فقد يظن ظان أنه لا يستطيع أن يفعل شيئا ما. لكن إذا أدخل هذه النقطة في الحساب فإنه يُرْزق قوةً خاصةً، ما دام مُقدما على مشروع، أي على شيء أذن الله فيه إمَّا في صورة الوجوب، أو في صورة الندب، أي في صورة الجواز.

> ثالثا : لا دخول إلى محراب القرآن وعالم القرآن بصفة عامة إلا باسم الله أيضا، أي إلا بإذن الله وحوله :

معناه : أن هذا العالم الذي هو عالم القرآن وما فيه من أسرار، ومن خيرات وبركات ومواهب ربانية، هذا العالَمُ القرآنيُّ لا يمكن الدخول إليه، ولن يفتح كنوزه وأبوابه، ولن يُعطى العبد أسرارَه إلا إذا دخله أيضا بهذا المعنى، دَخَلَه باسم الله مستئذنا له ومتوكلا عليه.

ذلك بأن هذا القرآن -كما سنرى- بعد قليل رحمة مهداة، ومن ثم فلا استفادة من هذه الرحمة، ولا دخول لهذه الرحمة، ولا تمتُّع بما في هذه الرحمة إلا إذا دخل العبد مستشعراً هذا المعنى في “باسم الله”.

الهدي الثانية : رأس الرحمة من الله : القرآن الكريمُ كتابُ الله :

نزولا، وقراءة، وإنصاتاً، وعملا، وتعلما، وتعليما، وغير ذلك، فهو في كل الأحوال رأس الرحمة من الله التي نزلت للعباد.

نحن نعلم جميعا أن الله عز وجل قسم رحمته مائة قسمة، وأنزل منها قسمة واحدة إلى الحياة الدنيا، وادّخر تسعا وتسعين قسمة إلى الآخرة ليتمتع بها المؤمنون جعلنا الله وإياكم من الصادقين ومع الصادقين.

تلك القسمة الواحدة بها يتراحم جميع الخلائق وتلك القسمة حظها الأكبر مركز في هدى الله تعالى، وهدى الله مركزٌ في القرآن الكريم.

وها هنا ثلاث نقط فرعية تابعة لهذه الحقيقة الضخمة :

– برحمة القرآن الكريم صار محمد  رحمةً للعالمين.

– وبرحمة القرآن صار أصحابه رحماء بينهم.

– وبرحمة القرآن تصير الأمة في تراحمها أيضا متى تراحمت كالجسد الواحد.

وقد أخبرنا الله عز وجل عن رسول الله  بقوله جل وعلا {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}(الأنيباء : 107).

فرسول الله  قبل نزول القرآن كان هو محمد بن عبد الله، وبعد نزول القرآن صار نبي الله ورسول الله، أي تحوّل إلى الخيرية والرحمة ببدء نزول هذه الرحمة.

وكُلّ خير أكرم الله به هذه الأمة منذ رسول الله  فأصحابه من بعده، فالتابعين، فالراسخين في العلم عبر التاريخ حتى اليوم، فالذين سيأتون بعدنا من أهل العلم والفضل، كُل أولئك وما وفقت إليه الأمة قديما وما تُوفَّق إليه  الآن، وما ستوفق إليه غداً، كلُّ ذلك داخلٌ ضمن الرحمة التي جاءت من رحمة القرآن الكريم.

لأن القرآن رحمة من رحمة الله، ولأن الصفة العظمى من صفات الله جل وعلا هي صفة الرحمة ولذلك سمى نفسه تعالى في آيات متعددة بـ”الرحمان” فقط فلم يقل {الله الرحمان} بل قال {الرّحمن فاسْأَل به خبيراً}(الفرقان : 59) وقال : {الرَّحْمن علّم القُرآن}(الرحمن : 1- 2) وقال : {وإذَا قِيل لهُم اسْجُدُوا للرحمن قالُوا وما الرَّحْمن}(الفرقان : 60) “الرحمان” هكذا.

فالرحمة هي الصفة العظمى التي تدخل ضمنها تقريبا جميع الصفات الأخرى؛

وللإشارة فقط إقرأوا سورة الكهف، وبالضبط قصة موسى والعبد الصالح : ففيها كل فعل من الأفعال التي قام بها ذلك العبد الصالح، والتي تظهر في ظاهرها أنها شيء فظيع، وذلك ما جعل سيدنا موسى عليه السلام يستنكرها، تلك الأعمال كلّها في النهاية ختمت بقوله تعالى : {رحْمَةً من ربّك وما فعَلْته عن أَمْرى}(الكهف : 82).

في النهاية رحمة من ربك.

قتل الغلام : رحمة من ربك،.

خرق السفينة رحمة من ربك.

إقامة الجدار رحمة من ربك.

لذلك ينبغي أن نفهم أن الأسماء والصفات الأخرى تندرج تحت هذه الصفة، ولذلك كان افتتاح القرآن بعد اسم الله الأعظم بصفة الرحمة، لأن القرآن نفسه صدر عن هذه الرحمة، لأنه هو محْضُ رحمة، وإذا حل في عبد صار ذلك العبد رحْمَةً على قَدْرِ حلول رحمة القرآن فيه، أي على قدر صيرورة القرآن خُلُقًا له.

فحين صار رسول الله  خلقه القرآن صار يساوي القرآن، وأصْبَح مَحْض رحمة مهداة {وما أرْسلْناك إلاّ رحْمةً للعالمِين}(الأنبياء : 107).

ثم الناس بعد ذلك على حسب درجاتهم في التخلُّق بالقرآن يصيرون  كذلك درجاتٍ في رحمانِيَّتهم.

فبهذا القرآن الذي هو رأس الرحمة من الله  عز وجل  صار محمد  رحمة للعالمين لا بسواه، وبه صار أصحابه أيضا على قدر حلول القرآن فيهم رحماء بينهم، وشهد الله لهم بذلك، وبه تصير الأمة في تراحمها كالجسد الواحد كما جاء في الحديث الصحيح المشهور المعروف >مثل المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطفهم مثلُ الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى<(رواه مسلم).

فالأمة إذا أقبلت على كتاب الله عز وجل وأخذته بقوة كما طلب الله عز وجل من يحيى عليه السلام : {يا يَحيى خُذِ الكِتابَ بقُوّة}(مريم :  12) وكما طلب من بني إسرائيل {خُذُوا ما آتَيْناكُم بِقُوَّةٍ}(البقرة : 63)، هذا الأخذ للكتاب بقوة يسهِّل الأمر كله ويؤدِّي إلى حلول صفة الرحمة في العبد على قدر تمثله للقرآن، وتخلّقه بالقرآن، فليس بين الأمة وبين أن تصير أمة مؤسسة على التراحم  إلا أن تعود إلى كتاب ربّها، وأن تعود إلى هذه الرحمة المهداة من الله جل وعلا.

الهدى  الثالثة : رأس الثناء على الله : الحمد لله في كل الأحوال

وتحتها ثلاث نقط أيضا :

– لأنه تعالى يرُبُّ كُلّ الكائنات في الدنيا إيجاداً وإمداداً.

– ولأنه يقيم العدل الحقَّ في الآخرة حسابا وثوابا.

– ولأن رِبَابَتَهُ في الدنيا وعدله في الآخرة يقومان على الرحمة عموما وخصوصاً.

وهذا مستفاد من الجملة الاسمية التي هي ثلاث آيات : {الحَمْدُ لله ربّ العالمين الرحْمان الرّحيم مَلِك يوم الدِّين}.

رأسُ الثناء على الله الحمد لله في كل الأحوال.

فالله عز وجل أهْلٌ للحمد بحكم ما هو عليه سبحانه في ذاته وصفاته.

وأهل للحمد بسبب النعم التي لا نستطيع حتى إحصاءها {وإنْ تَعُدُّوا نِعْمت اللَّهِ لا تُحْصُوهاً}(إبراهيم : 34).

فهو أهل للحمد وأهل للشكر، قال العلماء إن كل  شكر حمد، وليس كُلُّ حمد شكراً، هذا الحمد ينبغي أن يكون لله عز وجل في كل الأحوال، في السراء وفي الضراء، في جميع الأحوال، لأن الله عز وجل -كما سبقت الإشارة في قصة موسى والعبد الصالح- كل ما يفعله بعبده الصالح ليس إلا خيراً >عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كُلَّه خَير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سرَّاء  شَكَر فكان خيراً له، وإن أصابتْه ضراءُ  صَبَر فكان ذلك خيرا له<(رواه مسلم).

لِمَ الله جل جلاله له الحمد في كل الأحوال؟

> أولا : لأن الله جل جلاله يرُبّ كُلّ الكائنات مطلقا في الدنيا، وهي التي يشير إليها {رب العالمين} .

لماذا نحمد الله؟

لأنه رَبُّ العالمين، ولأنه الرحمان الرحيم، ولأنه ملك يوم الدين.

فرب العالمين تتجه لهذه الكائنات الموجودة في الحياة الدنيا، لكل العوالم بصفة عامة، في أي زمان، في أي ظرف، ما قبلنا، ما بعدنا، قبل ظهور آدم، بعد خلق آدم، كُلّ الكائنات مطلقا ربُّها الله.

والربوبيةُ كلمةٌ كبيرة ضخمة. تختصرها صفتان كبيرتان : صفة الإيجاد وصفة الإمداد.

صفةُ الخلق وصفة الرزق، فالله هو الخالق والرازق، هو الموجد وهو المُمِد بكل ما تحتاجه هذه الموجودات، فهذا المعنى العظيم يعني وجودنا أصلا، خروجنا للحياة، ثم ما رزقنا الله، وما يرزقنا وغيرنا من هذه الكائنات، وما أعد لنا في هذا ا لملك العظيم، هذا الإعداد الكوني لِمَجِيء آدم وبنيه، هو في حد ذاته قضية لايستطيع الإنسان تصوُّرَها، لا يستطيع الإنسان أن يتحمل تصورها، هذا الإعداد الضخم للفضاء الكوني، إعدادٌ للملك جملة ليستقبل آدم وبنيه، ويكون خادما لهم {ألَمْ تَرَوْا أنّ اللَّه سخَّر لكُم ما فِي السّماواتِ وما في الأرْض وأسْبغ عليكُم نِعمه ظاهِرة وبَاطِنة}(لقمان : 20).

هذا الإعداد للأرض كيف بارك فيها، وقدر فيها أقواتها، وكيف أعَدّ لها هذه الشمس، وأعد لها هذا القمر، فكم من نعمة نحن غارقون فيها، وعليها تتوقف حياتنا ولكن لا نشعر بها، ولا نلتفت إليها، مثلا نعمة الهواء، نحن لا نلتفت إلى هذه النعمة مع أننا لا نستطيع الاستغناء عنها ولو لمدة  وجيزة، وقِسْ على ذلك نعَمًا أُخْرى ضخمة وعديدة.

فهذه الربوبية المطلقة والشاملة للعالمين إذا تفكر فيها الإنسان وجد نفسه أنه مهما حمد وأكثر الحمد ما وفّى  حق المنعم بها، ولا يسعه إلا أن يقول مثل ما قال الرسول  >سبحانك اللهم وبحمدك عدد خلقك ورِضى نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك< فهو سبحانه أعلم بذلك.

> ثانيا : لأنه يقيم العدل الحَقّ في الآخرة  حسابا وثوابا.

فله الربوبيةُ هنا في الدنيا وله أيضا إقامة العدل الحق في الآخرة، وإلى ذلك العدل تشير {ملك يوم الدّين} يوم الخضوع، ويوم الحساب.

وفي الحقيقة لفظة {الدين} مدارُها في العربية على الخضوع في جميع استعمالاتها سواء كانت من دان به، أو دان له، أو دانه، وفي أي شكل من أشكالها هو يوم الخضوع الكامل {لا يتَكَلَّمُون إلاّ مَنْ أذِنَ لَهُ الرّحْمن وقَالَ صوَاباً ذلك اليَوْم الحَقّ}(النبأ : 38- 39) هذا هو الوضع الذي يكون عليه الناس في يوم الدين.

الناس اليوم يتكلمون ويتجرؤون على الله ويقولون العجائب والله يسمع ويبصر ويمهل، ولكن لا يهمل، أما هناك فلا مجال نهائيا لهذا المستوى من الحرية، لا مجال له، ولذلك يقال {والوَزْن يوَمئذ الحق}(الأعراف : 8) حسابا وثوابا {فَمَنْ يعْمل مثْقَال ذَرّة خَيْراً يَرَه ومن يعْمل مثْقَال ذرّة شَرّا يَرَه}(سورة الزلزلة).

هذا اليوم الآخِرُ هو مظهر كبير لرحمة الله جل وعلا على ما فيه من عذاب أليم لمن يستحقون ذلك {كَتَب عَلَى نَفْسِه الرَّحمة ليَجْمَعَنَّكُم إلى يَوْمِ القيامة لاَرَيْب فيه}(الأنعام : 12).

كم من المظلومين في الحياة الدنيا ماتوا ولم ينصفوا فمتى يُنْصَفون؟!

في ذلك اليوم ينصفون.

وكم من الظلمة يذهبون ولم يلقوا جزاءاً، فمتى يعاقبون ومتى يحاسبون؟!

في ذلك اليوم يعاقبون.

إذا لم يكن اليوم الآخر فستكون مشكلة عُظْمى، لابدَّ من هذا اليوم، ليعتدل النظامُ بكامله.

ولأن الله جل جلاله يقيم هذا اليوم، ويقيم العدل فيه إقامة كاملة مطلقة فهذه أيضا من موجبات حمده.

> ثالثا : لأن ربابته في الدنيا وعدله في الآخرة يقومان على الرحمة عموما وخصوصا :

وهذا ما تشير إليه آية : {الرحمان الرحيم} الموجودة بين الرِّبابَة في الدنيا والعدل في الآخرة، لأن الرِّبابة هي مصدر >ربَّ يرُب ربّاً وربابة< يقول علقمة الفحْل :

وكُنْتَ امرءاً أفْضتْ إليْك رِبَابتي

وقبْلك رَبّتْني فَضِِْعُت رُبُوب

عدَدٌ من الناس سَبَق أن كانوا سادة له، وكانوا يُربّونه، ولكن ما أحْسَنوا مثل هذا الأخير، فقد أضاعوه في تلك الرِّبَابة حيث لم يحسنوا تربيته، والربوب  = جمع رب.

فربابة الله في الدنيا وعدلُه في الآخرة المشار إليهما في النقطتين السابقتين يقومان على الرحمة عموما في الدنيا وخصوصا في الآخرة، وما أروع هذا البناء للرحمان الرحيم في توسطها بين الصفتين بين الدنيا والآخرة، فالرحمان اتجهت إلى جهة الدنيا، لأن الرحمان يفيد السعة سعة الرحمة وشمولها {وَرَحْمتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْء}(الأعراف : 156) الرحيم يُفيد الكثرة كثرة الرحمة. الرحيم تتجه  إلى تِسْعٍ وتسعين قِسْمة، والرحمان تتجه إلى القسمة الواحدة التي نزلت في الدنيا، فالرحمن في الدنيا، والرحيم في الآخرة.

{رب العالمين  الرحمن الرحيم  ملك يوم الدين}

الرحمان في الدنيا يستفيد من رحمته الكفار، والفجار، والفساق، والمجرمون، وكل شيء. يستفيدون من رحمة الهواء، ورحمة الماء، ورحمة النور، و رحمة الضياء ومما لا يُحْصى من النعم. ولكن في الآخرة لا يستفيد من رحمة الله إلا المؤمنون {إنّ اللَّه لا يغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ به ويَغْفِر ما دون ذلك لمَن يَشَاء}(النساء : 48) {ورحمتي وسِعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون..}(الأعراف : 156).

الهدى الرابعة : رأس التقرب إلى الله تعالى : عبادة الله والاستعانة بالله، وتحتها أيضا ثلاث نقط :

– فلا طاعة بغاية الذلة والمحبة إلا لله.

– ولا حول ولا قوة في ذلك وعلى ذلك إلا بالله.

– ولا تقرُّب بعمل صحيح إلى الله إلا بعد القُرْب بعلْم صحيح للَّه من الله.

> أولا : لا طاعة بغاية الذلة والمحبة إلا لله :

ماذا أقصد بهذا الكلام؟

ومداره على الآية : {إيّاك نَعْبد وإِيّاك نَسْتعين}.

رأس التقرب إلى الله عبادته، والاستعانةُ به  سبحانه على تلك العبادة أيضا، لأنه ليس لنا شغل آخر، إلا أن نعبد الله {وما خَلَقْتُ الجِنّ والإنْس إلا لِيَعْبُدون}(الذاريات).

ولذلك كانت العبادةُ بمفهومها القرآني العام تشمل كُلّ فعل من أفعال العباد، لا يخرج منها فعل، فجميع أعمالنا هو عبادة، إما للرحمان وإمّا للشيطان، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من عباده المخلِِصين المخلَصِين.

ذلك بأن الإنسان حين خُلق خُلق عابداً، خلق مجهَّزا، معداً و ميسّراً ليعبد الله تعالى، ولكن جاءت الشياطين فاجتالت العباد فأضلهم  >خلقتُ عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين فأضلتهم< خلقت عبادي حنفاء يعني عابدين لي بإخلاص، متجهين لي، لأن الحَنَفَ نوعٌ من الميل، فالله عندما خلقهم خلقهم متجهين إلى جهته سبحانه وتعالى، لا إلى جهة الشيطان، لكن الشيطان قَعَدَ لهم في الصراط المستقيم، ففتن عددا منهم، نعوذ بالله منه.

فإذن رأس التقرب إلى الله هو عبادة الله تعالى، والاستعانة به.

ماذا يقصد بالعبادة؟!

أفضل ما فسرت به العبادة هي الطاعة بغاية الذلة، وغاية الخضوع، وغاية المحبة. وهي ببساطة، أن تجعل من نفسك عبداً لله تعالى، عبْداً بالاختيار، لأن من مادة عبد : العبدية، فالله ربٌّ والعبد عبدٌ.

لكن هذه العبدية نوعان : عبدية بالإضطرار، وهذه هي حالة الكفار، وحالة بقية الكائنات، وهي أقلُّ مراتب العبدية، وهناك عبديّة أفضلُ هي العبدية بالاختيار، وهذه حال العبّاد لله حقا وصدقا عن محبَّةٍ واختيار.

كُلُّنا عبيد لله بالاضطرار ، لكن بعضنا فقط هم العبيد بالاختيار.

ذلك أن الله جعل فينا أقساما أساسية كلها تشتغل بالاضطرار وليس لنا اختيار في تشغيلها أو تعطيلها : مثل الجهاز الهضمي، والعصبي، والقلب وغير ذلك كثير.

هذه الأشياء الأساسية المهمة هي التي تكفِّل الله بها وجعلها تشتغل بشكل طبيعي لا دخل لنا فيه.

العبْدِية الاضطرارية التي نحن وسوانا فيها سواء، لا تترتب عليها مسؤولية.

لكن المسؤولية تبتدئ عند الأمر الاختياري، عندما يقْبَلُ العبدُ أن يكون عبداً لله بمحض إرادته واختياره في جميع أعماله وأقواله وأحواله، ونواياه، طاعة منه لربه عند ذلك يكون متدرجا في الانتقال من هذه العبدية بالاضطرار إلى العبدية بالاختيار، وإذَّاكَ يكونُ في وضْع العابد، خاصةً إذا وصل العبد  -تقريبا- إلي حدّ أن أصبح قسم العبدية الاختيارية فيه مساويا، أو مشابها، ومعادلا لقسم العبدية الاضطرارية، وصار في وضعه الاختياري يسير وفْق أمر الله كما هو يسير في وضعه الاضطراري وفق سنن الله، فإنّه يُـصْبح عبداً لله حقا وصدقا، وتلك أعلى درجات العبدية، وبذلك ينال العبدُ أعلى وسام، وهو وسام العبدية الاختيارية، وهو وسام لا يناله إلا المصطفَوْن الأخيار من عباد الله الصالحين رسلا وأنبياء وورثة للرسل والأنبياء قال تعالى : {سُبْحان الذي أسْرَى بعبده}(الإسراء : 1).

فالعابد هو صفة لذلك الذي يشتغل في عبادة الله عز وجل بَيْن مرحلة العبديّة الاضطرارية والعبدية الاختيارية، فإذا وصل درجةَ الكمال صار عبدا ً لله عز وجل بغير المعنى الأول للعَبْد.

هذا عبدٌ آخر، عبدٌ اختياريٌّ فيكون في درجة عليا جداً، وهي القمة.

هذه الطاعة التي تكون بغاية الذل والخضوع هي قمة العبديّة.

لابد أن نستحضر هذا المعنى للعبد، نستحضره بين يدي الله عز وجل، نستحضر أننا لا نَمْلِك من أمر أنفسنا شيئاً، وأنه يملكنا مِلْكية تامّة، وينبغي أن نكون رهن الإشارة في كل شيء، وينبغي أن نفعل كُلّ ما يُطلبُ منا بالذلة الكاملة، والمحبة الكاملة، والشوق الكامل كذلك ليصير فعلنا عبادة له تعالى.

هذه الطاعة من هذا النوع لا تكون إلا لله تعالى.

فمن صرفها لغير الله بشكل من أشكال الصرف سواء كان شجراً أو حجراً أو شيخاً أو إنساناً فقد هلك، وأشرك بالله عز وجل.

لأن الذي طُلِب منا هو الاخلاص في العبادة {وما أُمروا إلا لِيعبُدوا الله مُخلِصين له الدّىن}(البيّنة : 5) أي لا شائبة فيه، مخلصين له الدين مخلصين له الخضوع {إذْ قال له ربّه أسْلم قال أسْلمت لربّ العالمين}(البقرة : 130)  سرعة في الطاعة، وسرعة في الاستجابة والامتثال الاختياري.

> ثانيا : لا حول ولا قوة في ذلك وعلى ذلك إلا بالله : أي على العبادة، وممارسة تلك العبادة بصفة عامة، لا حول ولا قوة إلا بالله.

بمعنى أنه قد يحصل للعبد غرور، والشيطان يلبِّسُ عليه فيحس كأنه قد فعل شيئا حين عبد، وحين صلى، وحين صام، مع العلم أن  كل ذلك ما أقْدَره عليه إلا الله، فينبغي أن لا يمارسه إلا مستعينا بالله لا بسواه، متبرئاً من الحوْل والطوْل، مستعيناً بالله على كل فعل.

>  ثالثا : لا تقرُّب بعمل صحيح إلى الله إلا بعد القُرْب بعلم صحيح لله من الله.

لنتأمل متى جاء هذا القِسْم {إياك نعبد}؟

لم يجيء  إلا بعد الآيات الأربع السابقة، وكلها تعرف بالله جل وعلا، كلها تجعل العبد يذكر الله عز وجل في قلبه، ويستحضر الله سبحانه وتعالى كما عَرَّف اللهُ نفسه بنفسه، لأنه لا أحد يعرف الله إلا اللهُ، فالذي يُعرّفنا بالله هو الله جل جلاله، وما من ملك مقرّب، أو رسول مرسل يعرف شيئا عن الله إلا ما أطلعه الله عليه سبحانه وتعالى.

فإذن أصل العلم كله من الله تعالى، وعلى هذا العلم يُبْني ُكلّ تقرب، لأن هذا التقرب لا يكون تقربا صحيحا إلا بعد علم بالله صحيح، ذلك العلمُ هو من الله، هو علم بالله أخذَه من الله جل وعلا، إذَّاك يكون ذلك التقرُّب في مكانه.

أما إذا كانت الصورة فاسدةً  وكان العلم غير صحيح عن الله تعالى فإن ذلك التقرب نفسَه يفسد، ولذلك جاءت {إيّاك نعبد} بعد >الله  رب العالمين/ الرحمان الرحيم/ ملك يوم الدين< وهي محطات إذا تأملها  الإنسان وجدها محطاتٍ كبرى جداً في العلم بالله وصفاته (وهو علم من الله)، فالتقرب بالعمل الصحيح يكون بعد العلم الصحيح من الله تعالى.

الهدى الخامسة : رأس السؤال من الله سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم صراط الله :

وتحتها ثلاث نقط :

– المهتدون وحدهم المنعم عليهم حقا؛ من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين.

– والمحرومون من عرفو الحق ورفضوا اتباعه فهم المغضوب عليهم وعلى رأسهم اليهود.

– ومن لم يعرفوا الحق أصلا هم الضالون وعلى رأسهم النصارى.

أين المسألة التي تعنينا هاهنا؟

ما هو أهم سؤال نسأله من الله؟

ما هو رأس الطلبات كلها؟

إن أهم سؤال يمكن أن يُطْلب من الله جل وعلا، هو الطلب الذي يدْخُل فيه ويندرج تحته كُلُّ طلب، وهو : سؤال الهداية إلى الصراط المستقيم، أي صراط الله.

هذا هو السؤال الأعظم الذي إذا أكرم الله العبد بالاستجابة له فيه بلغ كل مأرب، وتحقق كلُّ طلب، لأن جميع الأمور الأخرى تدخل ضمن ذلك.

هذا السؤال هو سؤال المنهج، كأن الشخص فيه يطلب معرفة الطريقة التي بها يصل إلى مقصده بسلام، فإذا هُدِي لتلك الطريقة هداية توفيق فقد هدي حقا،  وصار مهتديا.

فـ”اهدنا” معناه اجعلنا نتوفَّق فعلاً، أي وفِّقْنا للسَّير على الصراط المستقيم فعلا، هذا هو المقصود، وليس أرشِدْنَا فقط، لأن الإرشاد موجود حتى للكفار {هُدًى للنَّاس} فالهداية المتحدثُ عليها هنا معناها هداية التوفيق بدليل ما جاء بعدها مفسرا لها {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.

إن الفاتحة لو تأملتها لما وجدت فيها أكثر من أربع جمل :

جملة اسمية في الأول تتعلق بالله جل وعلا فهي مجردة عن الزمان والمكان نظراً للموضوع {الحمد لله رب العالمين الرحمان الرحيم ملك يوم الدين}.

وجملة فعلية في الأخير هي طلب الهداية {اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين}.

وجملتان في الوسط {إياك نعبد وإياك نستعين}.

وكل ما سبق الجملة ا لرابعة يمهد لها.

كل ما سبق يمهد لمسألة الهداية، وسؤال الهداية.

هذا هو السؤال المركزي الأساسي الذي يُطْلب في كل حين والذي هو طلبُ الطلبات. إنه  سؤال الهداية.

هذه النقطة ينبغي أن ترسَخ في قلب العبد وينبغي أن تكون وُكْدَهُ في حياته، فينبغي له أن يطلب الهداية في كل آن وحين، لأن هداية التوفيق، فيها الهداية التوفيقية العامة، وفيها الهداية اللحظية في كل جزئية من الجزئيات، ولذلك كان هذا الطلب واجباً في كل صلاة، لأن جميع ما نمارس نحتاج فيه إلى أن نكون مهديّين، وأن نكون مهتدين، ولا يخرج جميع ما نمارس من ذلك؛ لا سياسة، ولا اقتصاد، ولا تربية، ولا تدريس، ولا تجارة، ولا فلاحة، ولا أي شيء، إذ في أي شيء ينبغي أن نكون مهديين راشدين فلذلك كان هذا هو رأس السؤال من الله تعالى، سؤال الهداية ألى الصراط المستقيم.

خلاصة هدى السورة

السورة خلاصتها في ثلاث كلمات، ولكن هذه الكلمات نظرا لطبيعة هذه  السورة وخطورتها ليست كالكلمات الماضيات في السور الأخرى، هذه الكلمات هي :

أولا : الفاتحة أم الكتاب.

ثانيا : الفاتحة أم الأدب.

ثالثا : الفاتحة أم الدعاء والطلب.

الخلاصة الأولى  : الفاتحة أم الكتاب :  لأن تدبُّرَها والتحقق من مضامينها تدبُّرٌ لكليات الدين وتحقُّقٌ من رؤوس مسائل الكتاب، إذ مدارها على رؤوس وكليات ثـــلاث :

الكلية الأولى : كلية الإيمان بالله جل جلاله واليوم الآخر.

الكلية الثانية : كلية العبادة لله جل جلاله والاستعانة به.

الكلية الثالثة : كلية منهاج الله جل جلاله، ومَن اتبعه فاز، ومن أعرض عنه هلك مغضوبا عليه أو ضالا.

هذه الكليات الثلاث : كلية الإيمان وكلية العبادة وكلية المنهاج، القرآن كله يدور عليها، ومن هاهنا كانت هذه الفاتحة في مضمونها هي أُمّ الكتاب، كأن الكتاب منها توالد، ومن بطْنِها خرج {ولقد آتَينَاك سَبْعاً من المثانِي والقُرْآن العظيم} جُعِلَتِ السبعُ المثاني مستقلةً عن القرآن رغم أنها من هذا القرآن العظيم، ولكن لعظمتها أفردت ووُضعت بجانب القرآن العظيم، لأنها في حقيقتها تتضمن ما يتضمنه القرآن كله.

ذلك بأن القرآن إما أنه يتضمن حقائق الإيمان، وإما يتضمن حقائق العبادة، وإما يتضمن هذا المنهاج ممثلا في الأنواع الثلاثة : في المهديين الذين أنعم الله عليهم وفي المغضوب عليهم وفي الضالين.

واليوم الآخر ذكر هنا ضمن الحديث عن الله جل جلاله {ملك يوم الدين}.

والقرآن أحيانا يختصر الكلامَ عن الإيمان في الإيمان بالله جل جلاله وحده، وأحيانا في الإيمان بالله واليوم الآخر، كما قال في سورة البقرة {ومن النّاس من يقُول آمَنَّا بالله واليوم الآخر وما هم بمومنين}(البقرة : 8) لأنه ضمن أركان الإيمان بالغيب، والغيبُ المؤثر في قلب العبد وفي توجيهه هو الله جل جلاله أولا، ثم اليوم الآخر، هذان هما الركنان الأساسيان أما بقية الأركان فمنضوية تحت هذين الركنين.

فالرسل جاءوا بخبر، والكتب تضمنت الأخبار  والأوامر والنواهي، والملائكة نقلت ذلك إلى الرسل، وتقوم بوظائف في هذا الكون، والقدر يجري بما قُدِر، لكن الذي يراقب ويحاسب، والذي يرى العبد ماذا يصنع ويأخذه أخذ عزيز مقتدر والذي يحاسب هو الله، ويوم الحساب هو يوم العقاب ويوم الثواب، هذان الأمران مؤثران في قلب العبد جدا، فلذلك ذكرا هنا معاً. وبالخصوص الله جل جلاله.

وكلية المنهاج بالأخص نقطة مهمة، لأن الفوز والخسران منوطان به، فمن اتبعه فاز، ومن أعرض عنه هلك مغضوبا عليه أو ضالا.

من هاهنا كانت الفاتحة أم الكتاب فعلا وكان القصص القرآني يأخذ حظا كبيراً من القرآن الكريم سواء قصص النبيئين أو قصص الظلمة أو غير ذلك، وهذا الحظ الكبير  كله شارح للمنهاج في صورة أمثلة.

الخلاصة الثانية : الفاتحة أم الأدب لأن تدبُّرَها والتخلُّق بها تخلُّقٌ بأمهات الآداب، إذ مدارها على آداب ثلاثة :

<أولا : أدب البدء والشروع {باسم الله}. وهو مفتاح الدخول إلى الملك، وإذن التصرف فيه وزر الاستفادة من الطاقة لتسخيره وتعميره.

< ثانيا : أدب الانتهاء والختم : {الحمد لله} وهو ربط للنعم كلها بالمنعم، وأداء لحق التمتع بالنعم، وضامن استمرار النعم وصرف النقم.

< ثالثا : أدب ما بين ذلك : ذكر الله؛ بالثناء عليه، والانطراح عبيدا بالاختيار بين يديه، وطلب التوفيق الدائم منه.

ولننظر إليها من هذه الزوايا الثلاث :

> أولا : أدب البدء والشـروع >بـاسم الله< : فمفتاح الدخول إلى الملك باسم الله فإذا أردت أن تدخل إلى الملك فادْخُلْ إليه باسم مالكه وهو الله جل جلاله، وخذْ منه إذْنَ التصرف فيه، واضغط على زِرّ الاستفادة من الطاقة لتسخيره وتعميره.

ومن ها هنا يمكن القول إن الأمة حين أعرضت عن كتاب ربّها، وحين أعرضت عن الله ما كان يمكنها أن تُهْدى إلى شيء حتى في أمور الدنيا، الأمورُ التي إذا طلبها الكفار أُعطيت لهم، لكن إذا طلَبَها مَن كان ينبغي أن يكونوا مؤمنين حقا لا تُعْطَى لَهُم بل يعاقبون ويُحْرمون، لأن الطريقة التي هُدُوا إليْها ليطلُبُوا بها ذلك رفضُوها، وهي وحدها الطريق للتمكين والاستخلاف.

مراراً كنت أمثِّل بشخص  كلفناه بالحراسة في الباب، وقلنا له : لا يدخلن أحدٌ، فإن دخل أحدٌ ستُحَاسَبُ، ثم بعد ذلك دخل شخص. فهل يمكن أن يحاسبَ الناسُ الآخرون الذين لم يكلَّفُوا، هل يعقل؟!

هل يأتي أحد ليقول لهؤلاء لماذا دخل ذلك الشخص؟!

الأصل في الحساب أن يكون للمكلف.

والأمة الإسلامية هي المكلفة بعد محمد  بإقامة القسط في الأرض {لقد أرْسلنا رُسلنا بالبَيّنات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}(الحديد : 25) أقام محمد  القسط بين الناس قبل أن يلتحق بربه وقال : >فليبلْغ الشاهد الغائب<(رواه البخاري) أي انحوا على هذا النحو، وكان ينبغي أن يستمر ذلك لكن الحقيقة الصارخة حسب مقاييس القرآن الكريم أن جميع أشكال الخلل الموجودة اليوم في الكرة الأرضية نحن المسؤولون عنها وليس اليهود ولا النصارى لأن المفروض في اليهود والنصارى أن يكونوا تبعا لنا وتحت ولايتنا، إما أن يكونوا قد أسلموا من زمان، أو يكونوا داخلين -أهل ذمّة- تحت الولاية العامة.

أما هذا الوضع المتردي فهو بسبب حالنا نحن، وهذا الفساد العظيم الواقع في الكرة الأرضية هو بسبب تخلِّينا عن وظيفتنا، لأننا نحن لم نقم بواجبنا في التكليف الرسمي الذي كُلِّفت به هذه الأمة، وهو الشهادة على الناس.

هذا هو الإشكال العظيم ولذلك أقول : زِرُّ الاستفادة من الطاقة بالنسبة لهذه الأمة تسخيراً وتعميراً لا يكون إلا بباسم الله، فأدب البدء والشروع هو {باسم الله} ويجب أن نذوقها ذوقا خاصّاً عميقا.

> ثانيا أدب الانتهاء والختم الحمد لله : >إن الله لَيَرْضَى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها<(رواه مسلم).

{فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين}(الأنعام : 45) دائما عندما تنتهي الأمور تنتهي بالحمد لله، وإذا ذُكِرَت الحمد لله في البداية تُذْكر على أنّ العبد ينبغي له أن يُقِرَّ، وأن يصرّح بهذا الحمد، ويشعر بهذا الحمد، ويمارس هذا الحمد، لأن الله عز وجل في ذاته وصفاته أهلٌ لذلك، ولأن النعم التي هو غارق فيها هو وغيره هي من الله جل وعلا، فعمليا يقولها، أولا يُقر بأن الله تعالى أهلٌ للحمد، ويقولها في الأخير ليختم بها ما سبق، يختم بها شيئا موجوداً فهي أساسا للختم، هكذا الحال كذلك في آخر سورة الزمر {وترَى المَلائِكة حافِّين مِن حوْل العَرش يُسَبِّحون بحَمْدِ ربِّهم  وقُضي بيْنهُم بالحقِّ وقِيل الحَمْدُ للّهِ ربِّ العَالِمِين}(الزمر : 75) الكل يقولها.

بصفة عامة {الحمد لله} هي أدب الإنتهاء والختم من أي عمل، وتكون للشروع أيضا تصديقا على ما مضى فلا إشكال، ولكن حين نقابلُها بأدب البدء، يكون أدب البدء هو >باسم الله< وأدب الختم هو >الحمد لله< وهي ربط للنعم كلها بالمنعم.

لهذا وجب النظر في تدريس العلوم، وفي النظرة الإنسانية إلى الكون، فتدريس العلوم بصفة عامة، والنظر إلى الأشياء من حولنا كالنظر إلى النباتات وإلى الحيوانات وإلى الإنسان وإلى الجبال وإلى البحار وإلى الأنهار، وإلى أي شيء يجب أن يكون نظراً مرْبُوطاً بخالق ذلك الشيء الذي ينظر إليه، ننظر إلى الله من خلال خلق الله {إنّ في خَلٍْق السماوَاتِ والأرْض واخْتِلاف اللّيل والنّهار لآيات لأولِى الأَلْباب الذِين يذكُرون اللّه قياماً وقعوداً وعلى جُنوبِهم ويتفكّرُون في خلق السّماواتِ والأرْض}(آل عمران : 190- 191).

هذا التفكر في الخلق هو النقطة المركزية لأن فيه ربطاً للخلق بالخالق ومن ثمَّ لا يُقْبل النظر للخلق معزولاً عن الخالق، ولذلك كان هذا التدريس الذي يقع الآن في المؤسسات التعليمية لدى الغرب أو عندنا هو تدريسٌ ليس باسم الله، هو تدريسٌ معزول عن اسم الله، هو تدريس للأشياء معزولةٌ عن خالقها، وهذا فساد عظيم.

لذلك قلت الحمد لله ربْط للنعم كلها بالمنعم، وأداءٌ لحق التمتع بالنعم، وضمان لاستمرار النعم، وصَرْف النقم {لئنْ شَكَرْتُم لأزِيدَنَّكُم}(إبراهيم : 7).

فإذا كان هذا الحمد حقيقة، وإذا فعل العبد ما ينبغي ثم حمد الله على ذلك. يكون قد أدى حق المنعم عليه، وضمن استمرار النعم عليه وهذا شيءٌ عظيم.

> ثالثا : أدب ما بَيْن ذلك، وهو : ذكرُ الله بالثناء عليه، والانطراح عبيداً بالاختيار بين يديه وطلبُ التوفيق الدائم منه.

هذا موجود في الفاتحة وهذا جسم الفاتحة.

هذا أدب ما بين البدء والختام : أن نذكر الله جل وعلا باستمرار؛ بالثناء عليه، والانطراح عبيدا بالاختيار بين يديه سبحانه، طالبين التوفيق الدائم، الطلب الدائم منه.

الخلاصة الثالثة : الفاتحة أمٌّ الدعاء والطلب، لأن تدبُّرَها والتمعُّن في أسلوبها ارتقاءٌ بالدعاء إلى أعلى الآفاق.

يجب أن نُحِسّ أن الفاتحة بكاملها عبارةٌ عن سؤال وعبارة عن طلب.

الفاتحة بكاملها دعاءٌ لكن هذا الدعاء لهُ أدبٌ، كيف يقدم؟ ها هي الطريقة موضوعة في شكل آفاق.

1- أفُق الاستحضار هو الأفُقٌ الأول : استحضارُ عظمة المولى جل وعلا في القلب جمالا وجلالاً، ربوبيةً ودينونةً ورحمة للعالمين، دنيا وأخرى، كل هذا في القسم الأول من {بسم الله الرحمان الرحيم.. إلى يوم الدين} واضحٌ وضُوح الشمس، أفُق الاستحضار، استحضار عظمة المولى.

فالأدب الأول في الدعاء هو الثناءُ على الله عز وجل أولا، ثم الصلاة على رسول الله  ثانيا ثم بعد ذلك تقول ما تريد، وتطلب ما تشاء.

لِم الثناء على الله عز وجل؟ لأن بذلك الكلام الذي تنطق به ثناء تستحضر الله جل جلاله في قلْبِك، وتستحضر عظمته سبحانه وتعالى، فيحضر الله عز وجل في قلبك فتَقرب وتُصْبح مهيّئاً لأن تنطق نطقا خالصا، لأن تقدم حاجتك وأنت في غاية التهيؤ.

هذه الأولى أفق الاستحضار، بمعنى أن العبد إذا جاء يطلب ويدعو وهو غافل عمَّا يقول، والله جل جلاله مازال لم يحضر في قلبه فإنه يكون بعيداً عن الإجابة.

ينبغي إذن أن يثني على الله عز وجل بكلام حتى يُحِس أنه صار بين يدي الله عز وجل، وأنه أصبح قريبًا منه. هذا المعنى لابد أن يُذاق وهذا الأفق  لابد أن يُرْتَقى.

يجب أن تذوق معنى {رب العالمين} ويجب أن تذوق {الرحمان الرحيم} ويجب أن تذوُّق {ملك يوم الدّين} يجب أن تذوقها تذوقا صحيحا وبذلك التَّتَابع ليحصل لك هذا الذكر الخاص الذي يهيء قلبك عمليا لأن يَطْلُب من ربه. إنه استحضار عظمة المولى في القلب جمالا وجلالا.

2- أفق الإقرار : إقرار العبيد كفاحا أي مواجهة، بذلتهم طائعين بين يدي العظيم، وضعفهم عاجزين بين يدي القدير، هذا العظيم القدير الذي استحضروه قبل، في الأفق الأول.

ويتجلى هذا الأفق في {إياك نعبد وإياك نستعين} لماذا جاء هذا الخطاب الآن لماذا جاءت إياك؟ لماذا وقع هذا الالتفات؟ من الغيبة إلى الحضور؟ لأن العبد ما بقي في غفلة، وما بقي في المرحلة التي يتحدث فيها عن شيء غائب، بل أصبح الآن في مو اجهة ربّه، قلبه أصبح الآن في مواجهة ربه ويمكنه مباشرة أن يتكلم معه {إياك} أفق الإقرار : إقرار العبيد مباشرة، مواجهة كفاحا بذلتهم، طائعين بين يدي العظيم، واقراراً بضعفهم عاجزين بين يدي القدير.

هذا المقطع يعني واقعًا، أن الأمر يتطور  : أفق الاستحضار هو ا لأفق الأول وهو أطول، والأفق الثاني : أفق الإقرار وهو أقصر من الأول، ولكن فيه التفاتٌ واضح إلى أنه الآن أصبح في البؤرة.

إذن ماذا بعد الآن، فليقدِّمْ طلبَهُ، وهو الأفق الثالث.

3-  أفق الاهتداء إلى منهاج المنعم عليهم من المصطفين الأخيار وذلك هو الفوز المبين طريقا ورفيقا، حالا ومآلا، وذلك يعني أنه لم يبق إلا تقديم الطلب الخاص الذي فيه : طلب الاهتداء إلى المنهاج، منهاج المنعم عليهم من الصفوة، منهاج الصفوة {ومَنْ يُطِع اللّه والرَّسُول فأُولَئِك مع الذِينَ أنْعم اللّه عليْهم مِن النَّبِيين والصّدِّيقين والشّهداء والصالحين وحسُنَ أولَئِك رفيقاً}(النساء : 69) منهاج المنعم عليهم من المُصْطفين الأخيار، وذلك هو الفوز المبين طريقا ورفيقا {وحَسُنَ أُولَئِك رفيقاً} وهو صراط الذين أنعم الله عليهم حالا في الدنيا ومآلا في الآخرة بالاهتداء إلى الصراط المستقيم الموصل إلى كل نعمة. والحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *