مشروع الميثاق والهوية الإسلامية 1


مشروع الميثاق والهوية الإسلامية

د. الشاهد البوشيخي

الزواية التي طلب مني أن أنظر منها إلى هذا المشروع، هي زاوية الهوية الاسلامية. واللحظة التاريخية التي تجتازها الأمة الاسلامية اليوم، لحظة فيها توجه إلى نسف وجود هذه الامة، ونَسْف هذه الهوية بالذات، بكل الطرق والوسائل. هذه اللحظة تكاد تنطق، ويكاد من كان له قلب  أو ألقى السمع وهو شهيد، أن يسمع ما تقول. هذه اللحظة يمكن أن نقول عنها إن العالم يتهيأ لمعركة فاصلة حاسمة  بين طرفين وطرفين فقط، وهذا القرن الخامس عشر، هو قرن الحسم إن شاء الله عز وجل بينمها، حسم بين هذا الاسلام الناهض في الارض رغم كل وسائل الكبت، وبين عبدة العجل الذين تمكنوا الآن تمكنا كاملا من غرب الكرة وشمالها تمكنا كاملا مباشرا؛ اسم الدولة العظمى اليوم في غرب الكرة الأرضية هو شبح هو لفظ فقط، وليس له محتوى إلا المحتوى اليهودي. وأسماء الدول الساكنة في غرب أوربا هي أيضا في وضع أشباح، ومثل ذلك يقال عن شرق أوربا، وبقية العالم يجر جرا إلى المجزرة، وضمنه هذا العالم الاسلامي الذي هو المستهدف وهو الخطر المتوقع داخل الكرة الارضية  بالنسبة إلى اليهود. هذا القرن متوقع إن شاء الله عز وجل أن يكون هو القرن الذي يغاث الناس فيه وفيه يعصرون، بعد قرون سمان وقرون عجاف. وإن المسلم في كل نقطة من الارض اليوم، ولاسيما العلماء بهذا الدين وبهذه الشريعة، العلماء بالحق الخالص الصافي الذي اسمه الوحي، الذي لا وجود له في أية نقطة أخرى من الارض غير بلاد الاسلام، هؤلاء هم في مقدمة من يجب أن يحسم، وأن يساعد الامة على الحسم، فلم يبق إلا هذا أو هذا، والعالم يتهيأ كما قلت لهذا الحسم، ولن يدع اليهود المسلمين في أية نقطة من الأرض أن يختفوا أو أن يتهربوا من هذا الاختيار، سيجرونهم جرا، شاءوا أم أبوا إلى هذا الاختيار العسير، فبدلا من أن نقاد إلى الجنة بالسلاسل، فلنسر إليها ونحن راغبون متشوقون مستبشرون.

هذا المشروع هو جزء من الهجمة الشرسة على هذه الأمة في هذه القطعة من الأرض، ولذلك يجب أن يُقرأ بعمق، ولا ينبغي أن نكون في الوضع الذي قال فيه موشي دايان من قبل، يوم أعلن عن خطته لحرب 67 في سنة 58 أو 59، حين أعلن عنها في انجلترا، فقيل له : ألا تخشى أن يقرأ العرب هذا، ويفسدوا عليك الأمر، فقال كلمته المشهورة : إن العرب لا يقرؤون. والقراءات أنواع : قراءة الكتب، وقراءة الواقع، وقراءة التاريخ، وقراءة المستقبل.

هذا المشروع إذا نظر إليه من زاوية الهوية الاسلامية كما طلب، فإنه يتجلى -في ألطف الأوصاف- معرضا عنها، إن لم نقل ناسفا لها، وإنما الهوية باختصار، مصدر صناعي كالحرية والمسؤولية، نسبة إلى الحر والمسؤول والهو، يراد بها حقيقة الكيان وما يتمثل فيه وجوده، وتتجلى فيه خصوصيته الحضارية بكل أبعادها. وأهم مقومات الهوية الإسلامية وأكبر أبعادها يمكن حصره في المقومات والأبعاد التالية:

-1 البعد الإيماني :

ويتمثل أساسا في مقوم الوحي، قرآنا وسنة.

-2 البعد العلمي :

ويتمثل أساسا في مقوم التراث : تراث المسلمين، المستنبط من الوحي، أو الخادم له، فقها وأصولا للدين والفقه والحديث واللغة..

-3 البعد اللغوي :

ويتمثل أساسا في مقوم  اللغة العربية، باعتبارها لسان الوحي ومفتاحه.

-4 البعد الزماني :

ويتمثل في مقوم التاريخ : تاريخ الإسلام، باعتباره الوعاء التطبيقي لهذا الدين إحسانا وإساءة لأخذ العبرة.

-5 البعد المكاني :

ويتمثل في مقوم الأرض: أرض الإسلام، أو ما يسمى اليوم بالعالم الإسلامي، باعتبارها مسرح التاريخ والواقع معا لهذه الأمة.

فإذا نظرنا إلى علاقة هذا المشروع بالمقوم الأول الذي هو الوحي، فإننا نكاد نقضي من العجب؛ إذ لا ذكر للوحي، ولا لمصطلحاته الأساسية المشهورة؛ في هذا المشروع كله، لا ذكر للفظ القرآن أو الحديث، لا ذكر للفظ الرسول أو النبي صلى الله عليه وسلم، لا ذكر للفظ الدين أو الإسلام نفسه إلا  (« العقيدة الإسلامية » مرة واحدة، والقيم الدينية مرات) ولا حضور له، لا عرضا ولا أساسا.

وإذا غاب اللفظ نفسه فإنه يصعب جدا تصور حضور معنى اللفظ، ولذلك لا حضور لرؤية هذا الوحي في الاختيارات والاولويات والحاجات : (ولتنظر الصفحات 32 و40 و64 في التأمين على الحياة لدى التلاميذ بعد في المدارس).

حاجات هذه الأمة الآن، هل هي حقا الحاجات الاقتصادية والمادية في الدرجة الأولى؟ في رؤية الإسلام الحاجة الأولى هي حاجة الإيمان، لأن أي شيء يأتي بعد من النشاط الإنساني ينبغي أن يؤسس على هذا الأساس الكبير، لأن الإيمان يمثل المفعّل له، ويجعل المسلم يمارس ذلك النشاط أيا كان نوعه اجتماعيا أو ثقافيا أو فنيا أو اقتصاديا، بكفاءة عالية، وبرغبة كبيرة، وكأنه يجاهد في سبيل الله، فيبذل أقصى ما عنده، إذ المجتمع يمكن تفعيله من زاوية الإيمان، وتفجير طاقاته في مختلف المجالات، فالحاجة الأولى، في نظرة الإسلام، هي هاته، لأننا إذا متنا منتفخي البطون سمانا غلاظا، ولكنا لا إيمان لنا، فإنا نكون من قبيل الخبيث الذي يجعل الله بعضه على بعض، فيركمه جميعا فيجعله في جهنم، ولكن إذا متنا جياعا ولكنا سمان في إيماننا، فإنا بخير وعلى خير، لأن الدار الآخرة هي الحيوان لو كانوا يعلمون، المسلم أخروي في الأساس >وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا<.

ثم هذا الواقع الإسلامي الآن في الأمة ماهو؟ هل واقع الشباب والشابات، وواقع الكبار والصغار والأسر، وكل المكونات الاجتماعية هل هي تعاني خصاصا في الإيمان، وحاجتها مدقعة في مجال العلم بهذا الدين والتخلق به، -إذ هناك جهل به؛ بعضه من ركام السنين، وبعضه من إفسادات العصرالحاضر وهجومات الغرب- أم العكس؟ فلذلك ما الأولوية الآن؟ هل الأولوية هي سوق الشغل، هذه قصة تتعلق في عمقها بالآخر في الأساس، تتعلق بغول العولمة، الذي يريد تحضير البيئات الأخرى لتكون جاهزة للابتلاع، لتصبح مجالات للتسويق لا للإنتاج، وإلا فالإنتاج قد بلغ فيه أوجه، فلا سبيل تقريبا إلى منافسته فيه، ولكن لنكون صالحين للاستهلاك، ومردوديتنا الاستهلاكية تعلو، ينبغي أن تحدث عدة أمور، وعدة تغييرات في النظام التعليمي، لنتحضر لاستقبال المقدوفات الإعلامية، ولاستقبال التأثيرات بكل أشكالها، لنرتبط بالمنظومة العالمية التي محتواها كما قلت في البداية في حقيقته يهودي.

هذا عن المصطلح والرؤية، أما عن العناية بالتخصص فلا عناية لهذا المشروع بالتخصص في مقوم الوحي، لا معادن ولا مباني ولا توجهات؛ ذلك بأن الجانب الاقتصادي، فيه انتقاء للمعادن البشرية؛ ثم تصنيع بعد ذلك الانتقاء عن طريق اللغات الأجنبية أساسا. فالمعادن في نظام الأولويات يجب أن تعالج هكذا : أن نختار أحسن المعادن لأحسن ما نملك، ولأحسن ما أورثنا، وإنما أورثنا الكتاب >ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا< هذا الذي أورثناه ينبغي أن نختار له أحسن من عندنا، أحسن المعادن. الطاقات الفكرية الرفيعة، لا يجب أن تذهب ليستهلكها الاقتصاد والمادة وجانب الرزق فقط، ولكن يجب أن يُذهب بها أساسا إلى علم الوحي، إلى العلم الرباني، لأن كلام الله لا يستطيع فقهه، ولا يستطيع استدراج مضامينه بين جنبيه، إلا نماذج بشرية معينة، ذات كفاءات معينة، واستعداد إيماني معين. فكيف إذن نأخذ المعادن إلى جهات أخرى؟! والناس معادن كمعادن الذهب والفضة -كما قال صلى الله عليه وسلم-، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا.

ثم في التوجهات العامة ينبغي أن يكون الحضور للوحي في كل أنواع التعليم، في كل تخصصاته، ينبغي أن ينطلق أساسا من هذا منطلقا، ومقياسا، وهدفا، هذا الأصل، ثم يكون هناك تخصص بجانب مختلف التخصصات هو التعليم الذي يُسمى التعليم الأصيل، وهذا هو الذي ينبغي أن يصطفى له خيرة النماذج البشرية. فالاهتمام في الصفحة 56 بإحداث الأقسام التحضيرية لغير التعليم الأصيل؛ وفي ص 64 يمنح مساعدات ومكافآت لأنواع النشاط العلمي والثقافي والرياضي، إذا قورن ذلك وغيره بما في ص 31 و41 عن هيكلة التعليم الأصيل.. فإننا نخرج بأمرين متناقضين : اهتمام بالغ بغير ما يتصل بالدين، ولا اهتمام تقريبا بما يتصل بالدين، وهذا أمر منكوس معكوس.

الأمر الرابع هو أنه لا تمثيل لهيئات في مقوم الوحي في أية هيأة أو مجلس من مجالس المؤسسات. هناك في المشروع القادم هيئات كثيرة جدا، هيئات وطنية في صورة وكالات للتوجيه والتقويم أو هيئات للتنسيق العام.. هيئات وطنية، وهيئات جهوية، وهيئات إقليمية، وهيئات محلية، وهيئات مؤسسية… هيئات متنوعة لأغراض متنوعة، تلك الهيئات لا حضور لعالم الشريعة في أي واحدة منها، مع أن النص صريح ومتكرر على « الفرقاء » أو « الشركاء »، -حسب اصطلاح المشروع- في الجانب الاجتماعي والجانب الاقتصادي خاصة، وأحيانا في الجانب الثقافي، ومرة واحدة في الجانب الفني.

فما سر عدم تمثيل هذا الجانب، مع أنه الأساس الذي يجب أن يمثل أولا ثم لا مراعاة لهذا المقوم في المحيط والبيئة أيضا انظروا ص 50 و74 و75، فهي من أغرب ما يمكن قراءته، تتحدث عما >يشترط في كل بناية جديدة< وتذكر في الشرط الرابع والخامس : >مراعاة حاجات الأشخاص المعوقين حركيا< ثم >فصل الملاعب والمرافق الرياضية أو ابعادها عن القاعات الدراسية والمختبرات والادارة<. فهل هذه أهم من الشرط الغائب أو المغيب : >اشتمالها على مسجد للصلاة< هل > الملاعب< أهم من « المساجد » هل « الرياضة » أهم من « الصلاة » التي هي عمود الدين؟ ما هذا يا قومنا؟!!.

فمقوم الوحي إذن بصفة عامة هو الأساس الذي ينبغي أن يتحكم في سواه، وعنه يصدر ما سواه، وإليه رجع ما سواه. وهو مع ذلك للأسف غائب أو مغيب.

أمّا مقوم التراث -ولم يبق وقت لبسط الكلام فيه وفي ما بعده- فحضوره باهت جدا في ص 9 و51، باهت وغامض ومشوب، لأن المشروع يعطي لهذا التراث روافد قد يكون منها الفلكلور..

وفي مقوم اللغة، جعجعة دون طحن، في ص 51 و52، هناك دغدغة لمشاعر الأمة، ولكن من الناحية العملية ينتهي أمر اللغة العربية في الابتدائي مع مزاحمة لغتين أجنبيتين له، أما عندما نصل إلى الإعدادي وبالخصوص إلى الثانوي فإن العربية تدخل في منافسة محسومة لصالح اللغة الأجنبية إذ التلاميذ سيذهبون إلى أكثر التخصصات مردودية وإلى أقواها.. وكل ذلك باللغة الأجنبية.

وأما مقوم التاريخ فلا حضور له في المشروع بمعنى التاريخ الإسلامي الذي يمثل الوعاء االزمني لتطبيقات الوحي احسانا واساءة لأخذ العبر.

وأما مقوم الأرضف فكذلك في ص 35 على سبيل المثال، وكذلك في ص 51 : تحضر جميع الأبعاد، ولكن العالم الإسلامي غائب، تحضر جميع الأبعاد الجغرافية : البعد الإفريقي، والبعد المغاربي (وهو بعد طيني) والبعد الأوربي.. ويغيب البعد الإسلامي.

لذلك أختم كلامي بالدعوة إلى :

أولا : ضرورة تمثيل علماء الشريعة في أي هيكل من هياكل التربية والتكوين في المشروع كبر أم صغر، وبنسبة كافية لحفظ التوازن.

ثانيا : ضرورة مراجعة المشروع جملة على أساس الشريعة : أهدافا ووسائل واختيارات وأولويات.

ثالثا : ضرورة تأخير تطبيقه حتى يراجع ويستقيم أمره.


اترك تعليقا :

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *

Commentaire sur “مشروع الميثاق والهوية الإسلامية