الرسول الأسوة


الرسول الأسوة

ألقى د الشاهد البوشيخي هذه المحاضرة بمناسبة المولد النبوي الشريف بتاريع 1999/6/26.

قال تعالى : {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}.

أيها الأحبة هذه الساعة المباركة التي قدّر الله تعالى أن نجلس فيها إلى رسول الله ، أن نجلس فيها بين يديه وبين ما أنزل عليه من ربه هي لحظات نسأل الله تعالى أن يجعلها سبباً لنا في ولادة إيمانية جديدة، سبباً في تجدّد إيماني كما يُحِبُّ الله ويرضى.

هذه آية في كتاب الله متفردة وفي موقع متفرد أيضا، إنها من سورة الأحزاب في موقع صعب في مشهد عظيم في وقت زلزال عنيف، هنالك ابتلي المومنون وزلزلوا زلزالا شديدا، في هذا السياق وفي هذا الظرف العسير الشاق، نزلت فيه الآية الكريمة وجاءت متوسطة المجلس بين آيات متعددة سبقت وآيات لحقت كلها تتحدث عن مشاهد الأحزاب، عن غزوة الأحزاب الصعبة.

في هذا السياق يقول الله تعالى للمؤمنين {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، “اللام” في “لقد” الداخلة على الماضي تأكيد على أن رسول الله  فيه هو لا في غيره الأسوة الحسنة وذلك واضح من التقديم، {لقد كان لكم}، كان يمكن أن تكون الاية بهذا الشكل >لقد كان لكم أسوة حسنة في رسول الله<، ولكنها قدمت هذا الجار والمجرور لتحْصُر هاته الأسوة الحسنة في رسول الله .

معنى الأسوة

الأسوة هي القدوة ،والكلمة هنا عامة لا يحصرها شيء ولا يقيدها شيء، في أي شيء نأتسي برسول الله ؟ هل نأتسي به فقط في حياته الخاصة، في علاقته بربه، في عبادته لربه، في حياته الإيمانية الخاصة، هل نأتسى به في حياته الأسرية أو في جزء من ذلك من أكل أو شرب أو نوم، هل نأتسي به في طاعته لربه، في جهاده في سبيل الله في صبره لإعلاء كلمة الله، في أي شيء نأتسي به؟ الكلمة جامعة، لقد كان لكم مطلقاً جميعا أنتم في رسول الله أسوة حسنة عامة مطلقا في جميع أحواله وأقواله وأفعاله ، لكم فيه القدوة الحسنة مطلقا ولكن أيضا جميعا.

هكذا بداية الآية ولكنها تتجه بعْدُ لأن تعَيِّن نوع المقتدين به  {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا}، إذن هذا صنف خاص من المؤمنين هم الذين يأتسون برسول الله ، ويقْدِرُون على هذا الإتِّساء ويتجشمُون مشَاقَّه، صنف مخصوص من المؤمنين، من هم؟ وما هي صفاتهم؟ هُمُ الذين يرجون الله واليوم الآخر ويذكرون الله كثيرا وبتعبير القرآن : {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} كان كذلك التعبير بالماضي، لا يستطيع الشخص هذا الإتساء حتى يكون قد اتَّصف بهاتين الصفتين الكبيرتين : صفة الرجاء في الله عز وجل، وفي اليوم الآخر، وصفة ذِكْر الله كثيراً، فهل يرجو الله من لا يَعْرفه حق المعرفة؟ هل يرجو اليوم الآخر من لا يعرف شيئا عنه ولم يعمل شيئا لهذا اليوم الآخر؟ هل يذكر الله كثيرا من لا يقْدُر الله جل وعلا؟؟ وإن كان لا أحد يقدر الله حق قدره، ولكن لم يَطْلب منّا الله أن نذكره دائما بل طلب منا أن نذكره كثيرا لأنه لابُدّ لنا من قدْرٍ من الغفلة، وفي هذا حديث رسول الله  لحنظلة : >ساعة وساعة يا حنظلة، لو أنكم تبقون كما تكونون عندي وفي الذكر أي داخل حالة الذكر، لصافحتكم الملائكة في طرقكم وعلى فرشكم أو كما قال ، أي لاقتربتم من حال الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، خلق مخصص للطاعة، ولو كان الذكر الدائم لكانت الطاعة الدائمة إذ لا معصية إلا مع الغفلة والشيطان جاثم على قلب ابن آدم إذا ذكر الله تعالى خنس وإذا غفل وسوس، فلا معصية إلا مع قدر من الغفلة كما قال  في الحديث الآخر : لا يزني الزاني حين يزني وهو مومن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مومن<. في تلك اللحظة التي يقترف فيها المقترف هذا الذنب وهاته المعصية يكون في حال غفلة ولا يكون في حال ذكر إذ الذكر لابد أن يحدث حالة الخشية التي ينتج عنها تقوى الله.

حقيقة الرجاء

فالله عز وجل رغم أنه طلب من جميع المؤمنين أن يأتسوا بالرسول ، فقد نَبَّه على أن الطريق إلى ذلك هو الرجاء في الله واليوم الآخر، ما معنى هذا؟ هذا الرجاء معناه  : أن العبد عرف ربَّه سبحانه وتعالى، عرف ربه فخافه حيث يُخاف، وأحبَّه حيث يُحب، فائتمر حيث يجب الائْتمار، وانتهى حيث يجب الانتهاء. هذا العبد هو الذي يرجو ما عند الله إيماناً وعملا بهذا الإيمان، بناءً على هذا الإيمان، إذ بدون إيمان لا سبب إلى الرجاء، وبدون العمل الصالح لا يُتَصور إيمان >ليس الإيمان بالتمني ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل< >إن قوماً قالوا نحسن الظن بربنا وكذبوا ولو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل<.

وإنما يرجو حقيقة مَنْ هذه حاله من عرف الله جل جلاله فخشِيَه ورغِب فيما عنده وسلك الطريق إلى ما عنده

ترجو النجاة ولم تَسْلُك مسالكها

فإن السفينة لا تمشي على اليبس

لا يُتَصَوّر انتهاء إلى فضل الله وإلى ما عند الله وما أعد الله للمحسنين، لا يتصور أن يُذْهب إلى ذلك بطريق الإساءة، بطريق الظلم، بطريق الفحشاء والمنكر، كلا وألف كلا، إن الله جل جلاله خلق للجنة خلقا وللنار خلقا {فريق في الجنة وفريق في السعير} فالذي يدخل الجنة يعمل بعمل أهل الجنة {وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون} والذي يدخل النار يعمل بعمل أهل النار ولو في اللحظة الأخيرة نسأل الله تعالى أن نكون من عباده الذين سبقت لهم الحسنى.

فلله سنن في الدنيا وفي الآخرة أيضا، من سار على السنن فقد سار على الدرب ومن سار على الدرب وصل، فلكل طريق.

والرجاء في اليوم الآخر أيضا يكون بالعلم بهذا اليوم وما فيه، ومن العلم بالنار نعوذ بالله منها ومن خلقها ومن صفاتها، نعوذ بالله من النار ومن حال أهل النار. هذا العلم يؤدي بالعبد إلى العمل وفق هذا العلم، فالتلازم بين العلم والعمل لا يُمَلُّ من التأكيد عليه، لا يكون هذا حتى يكون هذا، لا يكون عمل صالح حتى يكون علم صحيح إذ العلم الصحيح فهو الذي يسمى العلم، ولا يكون علم ثم لا ينتج عنه عمل، لا يكون ذلك أبداً {إنما يخشى الله من عباده العلماء} العلم قطعا يورث الخشية إلا عِلْمَ من تَعْلَمُون في سورة الجمعة {مثل الذين حملوا الثوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً} الثِّقْل موجود والحجة قائمة ولكنهم لا يستفيدون من ذلك العلم كما لا يستفيد الحمار من الحمل الذي فوق ظهره إلا الثقل في المسؤولية والمشقة والتعب. إذن فالآية {لقد كان لكم..} تصرّح بأن صنف العلماء بالله عز وجل وباليوم الاخر هو الذي يستطيع الاتساء بالرسول  {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}.

معنى الذكر

الذكرُ ضد النسيان وضد الغفلة فهو يعني الاستحضار والتذكر، وحقيقة الذكر أن تستحضر الله تعالى، فإن ذكرته واستحضرته في قلبك بكل جلاله وجماله، بكل أسمائه الحسنى فإن حالا تنتج عن ذلك في قلبك تؤدي إلى إنتاج أعمال وإنتاج أحوال في حياتك الخاصة لا تكون طبعا إلا  موافقة للشريعة، لا تكون إلا وفق ما يحب الله الذي ذكرته. ولا يحِبُّ الله ما ليس فيه رضاه {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم} فالذكر الكثير ورأسه ذكْرُ القلب سواء تحرك اللسان مع القلب أم لم يتحرك، وسواءً تحركت الجوارح مع القلب أم لم تتحرك، فالمدار على ما في القلب، في أحوال التفكر في خلق الله، وفي أحوال يكون الذكر ذكر القلب واللسان معا كما في قراءة القرآن الكريم أو الأدعية والصلاة، وفي أحوال يكون الذكر ذكر القلب مع الفعل، فلو عمل الإنسان العمل دون ذكر، أي دون أن يصحبه ذكر في القلب لا يكتب له من عمله شيء، ذكر العبد لله في الصلاة -وقد أمر الله تعالى أن تقام لذكره- {وأقم الصلاة لذكري} فما الذي يكتب له منها، يكتب له ما عقل منها، أي ما ذَكَرَ الله فيها، أما ما غفل قلبه عنه أثناء الصلاة أو سها فإنه لا يكتب له من صلاته. فإذن قد يأتي الشخص وليس له من ظُهره إلا الركوع أو السجود، أو سجودان، أو له ركوع وسجود وليس له قيام.. وما أشبه، فالذي كان فيه ذكر القلب هو الذي يُكْتب، والمطلوب أن يذكر الله كثيرا في كل الأحوال والأعمال، وبالأخص الأعمال المخصصة للذكر كالصلاة وهي رأس الذكر، إذ يجتمع فيها ذكر القلب وذكر اللسان وذكر الجوارح وليس فيها فعل ليس محكوماً بالوحي، ليس فيها فعل ولا قول ولا حركة قلب ليست محكومة بالوحي فهي نموذج لما ينبغي أن يكون عليه المؤمن بعْدُ خارج الصلاة، وتدريب له على أن يكون خارج الصلاة محكوماً بالوحي في لسانه، في قلبه، في جوارحه كما يكون في الصلاة، إذن في الصلاة ينبغي أن يكون العبد ذاكرا لله تعالى كل الذكر، لكنه ليس مطلوبا منه على وجه الإجبار والالزام خارج الصلاة أن يكون ذاكراً كل الذكر كما يكون في الصلاة لأن فترة الصلاة فترة تدريب وما بعدها فترة استفادة من هذا التدريب، فلذلك كل تمهيد بالنوافل لصلاة الفريضة يمهد للذكر العالي، وكل ختم بعدها بالنوافل أيضا يستفيد من جو الذكر وحالة الذكر التي ارتقى إليها المؤمن في الفريضة. وكلما كثرت الأعمال الصالحة المذكرة بالله بين الصلوات سهُل على العبد أن يحْضر في الصلاة وكلما حضَر العبد في الصلاة سَهُل عليه أن يستقيم خارج الصلاة، أي يبقى ذاكرا لله كل الذكر، فاللهم وفقنا إلى ما تحبه وترضاه..

أيها الأحبة ما الذي يمكن أن نأتسي به في شخص رسول الله ، مجال ذلك كثير، وحسبنا الحديث الصحيح المشهور الذي سئلت فيه عائشة رضي الله عنها  عن خلق رسول الله  فقالت : >كان خلقه القرآن<.

وإذن القرآن بأكمله كان ممثلا في شخصه  {إنا أرسلناك شاهدا ومبشراً ونذيرا} لاجتماع كل القرآن في شخصه ، فعليه أُنْزِل وهو تطبيق لما أنزل بقوله وفعله وتقريره لما يفعله الآخرون من أصحابه رضوان الله عليهم، القرآن بكامله وبجميع جوانبه كان ممثلا في حياته ، فأي جانب يمكن أن ندعو إلى الاتساء به؟؟!.

الحمل الثقيل :

خلق الدعوة إلى الله

سأختار من بين كثير من أخلاقه  وأعماله وتقريراته أختار أمراً واحداً جامعاً لكثير من الخير هو خلق لم يَحِدْ عنه  قيدَ أُنملة مذْ بعثه الله عز وجل إلى أن التحق بالرفيق الأعلى وهو خُلق ورَّثه أصحابه وما أقرهم إلا عليه وهو خُلُق به شَهِد أصحابه على من بعدهم، به شهدوا وبه تأهلوا إلى الشهادة وبه يشهد المسلمون من أتباع محمد ، في كل جيل على من سواهم وبه اليوم يمكن أن نتأهل للشهادة على الناس إنه باختصار وبلغة اليوم أو بشيء من لغة اليوم إنه تقديم دعوة الله على كل شيء. أي شيء تعارض مع الدعوة إلى الله عز وجل ليُعَرْقل مسارَها، ليَصُدّ العبد عن السَّير فيها ليَمْنَعه منها. كل ذلك تُقدّم عليه الدعوة ولا يُقدّم هو على الدعوة بحَال، وذلك استجابة من رسول الله  لأوَّل أمر بالدعوة بعد أن قال الله تعالى {يا أيها المدثر قم فأنذر} هذا أمر طلبه الله منه، ما الزّاد الذي طلب منه أن يتَزَوَّد به ليُطبقَ هذا الإنذار، وهذا القيام، إنه هو {وربَّكَ فكَبِّر} لمْ يَقُل له -فكبر ربك-، {وربَّك فكبّر} أي لا تُكبِّره إلا هوَ بالحَصْر هذا الأمر بتكبير الله جل جلاله جاء بعد أمرين آخرين في سورة العلق والمزمّل، فيهما التعريف بالله جل جلاله، وطريق الاتصال به، فالأمر الأولي هو أمْرٌ بالقِراءة، ولُبُّ وصُلْبُ ما في هذه القراءة هو العلم بالله {اقرأ باسم ربك} ماذا في هذه الآيات التي نزلت أول مرة، ليس فيها غير التعريف بالله جل جلاله {الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} وبعد الأمر بمعرفة الله جل جلاله، جاء أمر آخر للاتصال بالله تعالى الذي عُرف حق المعرفة بصفاته التي لا يشاركه فيها أحد، أمْرٌ فيه تصَاعُد ينْبغي أن يقوم  له. لا ليُنْذِر غَيْرَه لكن ليَصْلُح للنِّذارة بعدُ {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا، إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا}.

أول هذا القول الثقيل وأكبُره هو {يا أيها المدثر قم فأنذر} واستمرار  في الدعوة والانذار حتى لقي ربَّه على تصاعد : أنذر مُطْلَقا و{أنذر عشيرتك الأقربين}، و{لتنذر أم القرى ومن حولها}، {لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك} و{ليكون للعالمين نذيراً}.

هذا هو الحِمْلُ الثقيل الذي حمله ] وكل ما جاء بعْدُ من مُضَاعَفَاتِه، من نتائجه ترَتَّب عليه، لكن ليُطيق رسول الله  حمْل هذا الحِمْل لابُدّ أن يقوم لله بعد العلم بالله في {اقرأ} ليعرف الله الآن عليه أن تصير هذه المعرفة سارية في العروق متمكنة من الذات تملك عليه سمعه وبصره. من أين نأخذ هذا؟ من هذا الأمر المتصاعد وكُلُّه لَهُ صَلَة بالأمر الأول : قُمْ الليل، واذكر اسم ربك، وتبَتَّل إليه تبْتيلاً، اذكر الله عز وجل انقطع إليه انقطاعاً تامّاً.  لا تلتفت إلى سواه، ولا تعبأ بسواه، لا تراقب سواه مهما كان مكان سواه؟ رب المشرق والمغرب، وربُّ كل شيء، سبحانه، سبحانه!! ما الذي تُرك لغيره {الله لا إلاه إلا هو سبحانه فاتخذه وكيلا} وكيلا على كل شيء، ووكيلا عن كل شيء، ووكيلا في كل شيء. ما احْتجْت إليه فتوكل فيه على الله. وما جاء من سواه فتوكل على الله في دفعه، وما أنت بحاجة إليه في ذَاك فتوكل على الله في تحصيله، فاتّخِذْه مطلقا في جميع الأحوال وكيلا، عندما يتِمُّ ارْتقاء العبد إلى هذه المنزِلة يتحَضّر التَّحَضُّر الكامل ويتهيَّأُ التهيؤ التام ليقوم القومة الأخرى، ليقوم للنذارة والانذار -قم فأنذر وربك فكبر} هذا هو الأمر الأول {وربك فكبر}.

حقيقة التكبير

وانتبهوا أيها الأحبة لشأن هذا التكبير، انظروا إلى الصلاة وهي الصلة بين العبد وربه أي عن طريقها يتم التبتل إلى الله جل جلاله وعن طريقها يُوصل إلى اتخاذه وكيلا سبحانه، ولذلك جُعِلت قرة عينه ، في الصلاة وما حزَ به أمر إلا وفزع إلى الصلاة، هذه الصلاة التي بها تتم الصلة، وكل خير يأتي إلى العبد يكون عن طريق الصلاة، هذه الصلاة ما اللفظ الذي يتكرر فيها كثيرا؟ تأملوا إنه التكبير، فالركعة الواحدة فيها 5 تكبيرات وإذا كان فيها تسليم تكون ستّ تكبيرات، وما من صلاة إلا التكبير فيها وِتر، وأقل ما في الصلاة التي فيها ركعتان 11 تكبيرة، والتي فيها أربع ركعات 21 تكبيرة، والفاتحة تتكرر في مجموع الصلوات 17 مرة، ولكن لا تصل إلى حد التكبير، والآذان الذي يدعو إلى الصلاة لا شيءيكون فيه متكرراً في أوله وآخره إلا التكبير أيضا، علاَمَ يدل هذا؟ يدل على أننا نكبر مع الله كثيرا، نكْبر سوى الله كثيرا، نكبر إلى جانب الله كثيرا، وقلّما نكبِّر الله وحده، فنحتاج إلى التذكير الكثير الشديد المستمر لكي لا نكبّر إلا الله، هذا يدُل كما قلت على أن هذه الصلة تحتاج أول ما تحتاج إلى هذا التكبير، ليس التكبير باللسان فقط فليس بذكر إذا انفصل عن شيء آخر هو هذا الذي في القلب.

إذن كيف نكبر الله في القلب؟ حتى لايزاحمه شيء ولا يكون معه شيء سبحانه وتعالى؟ إنما يصعب القرار عند تنازع العمل بين الأكبريين في القلب، هذا بالنسبة لأولياء الله وأصفيائه من المؤمنين، أما الذين يختارون غير ما اختار الله بسرعة فذلك في قلوبهم غير الله هو الأكبر وإن كبروا ملايير التكبيرات في الصلوات والخلوات، إن التكبير الحق هو هذا الذي أُحدّثكم عنه في فعل الرسول  مُذْ عرف في اقرأ، ومُذ تبتل إليه في فواتح المزمل ومُذ قام استجابة لأمره القومة التي ما قعد بعدها وما عرف النوم بعدها >ذهب عصر النوم يا خديجة< ويبقى التكبير لله، هذا التكبير سهّل على الرسول  الحَسْم في كل المواقف مهما اشتدت، سهَُّل عليه اختيار القرار، متى كان التعارض فالله أكبر. من هذه اللحظة بدأ  في مواجهة نفسه ليحقق هذا القرار الذي هو تقديم دعوة الله على كل شيء -أي تكبير الله سبحانه- بدأ مع نفسه أولا حيث طلب الله عز وجل منه أن ينذر عشيرته الأقربين، تردد تهيبا للموقف وبحثا عن  الطريقة التي بها ينذرهم، ففكر  في الأسلوب المعروف في السيرة، أنه جمعهم ونادى بأعلى صوته في الصفا “ياصباحاه!” وهي كلمة تنذر بالشر، بالخطر بالنسبة للعرب في تلك الظروف، فهرعوا إليه فناداهم  بطنا بطنا، يا بني كذا، يا بني كذا.. إني نذير إليكم بين يدي عذاب شديد، فهو  تجشم المشقة وهو يعلم أنه وهو يقدم على هذا قد يستجاب إليه وقد لا يستجاب . فهُو من البداية يعلم أن هذا الطريق طريق خصومة الآخرين  ومعاداة الناس في سبيل الله وابتغاء مرضاة الله، فبدأ أولا بالأقربين إليه، ثم قال الله له فيما بعد {اصدع بما تومر} واجهْ بها قومك. بعد أن واجهت عشيرتك، فسارعوا جميعا في إيذائه، ولكنه لم يملك  إلا أن يفعل تنفيذاً لأمر لله.

وابتدأ الهجوم عليه  في شخصه فاتهم بالسحر، واتهم بالجنون واتُّهم بالكذب.. وأصعب شيء على الانسان أن يتهم في أمانته، أن يتهم في شخصه ومع هذا هان عليه  كل شيء في سبيل الله، ثم بعد ذلك تأتي الاغراءات من قومه في أشكال مختلفة، يعرضون عليه كل ما يمكن أن يغري الانسان، ومع هذا أيضا تبقى “الله أكبر” فوق كل شيء، وكلُّ ما تعارض معها يرفض، ثم جاء الترهيب، رُهّب  بأشكال متعددة من الترهيب، ومنها الموقف المشهور عندما ذهبوا عند عمه أبي طالب في المرة الثالثة وقالوا له : >إما أن تكف عنا ابن أخيك، وإما أن نحاربك أنت وإياه< وإذ ذاك جاءه عمه  وقص عليه ما قال قومه فأحس  أن عمه يريد أن يخذله فجاء أمر التوكل وقال قولته المشهورة  >يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته< أو كما قال  معناه أن كل شيء إذا عورض بالدعوة إلى الله، وكان ثمنه أن يقف هو  عن تبليغ رسالة ربه فذلك الأمر مرفوض وهو سائر في الطريق مهما كانت الصعوبات أو التضحيات واستمر  على ذلك، وحين أوذي من حوله من المؤمنين كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة، ثم أوذي هو  ومن معه فكانت الهجرة الثانية إلى الحبشة، ثم حوصر  في شعب بني هاشم ووضعت صحيفة خاصة كانت عهدا بين المشركين ليحاصروه، فلا بيع ولا شراء حتى أكلوا أوراق الشجر من شدة الحاجة، ومع ذلك كبروا الله وبقيت دعوة الله هي الأقوى.

ثم يكون الحصار الثاني خارج مكة فلا يبقى أحد تقريبا ينضاف إلى الدعوة في السنوات العجاف بعد وفاة عمه والسيدة خديجة رضي الله عنها، وحين ذهب إلى الطائف ولا من نصير، وحين يساوم في تلك الحال من بعض القبائل بأن ينصروه على أن يكون لهم الأمر من بَعْدِه لا يقبل  المساومة، ويقول إن الأمر لله يضعه حيث يشاء وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، أن تنصرني لله فنعم، ثم تكون الهجرة على ما فيها من مشاق وعلى ما أتي بعدها، من غزوة بدر إلى غزوة أحد إلى الخندق التي كان فيها هذا الموقف الصعب حين كان  كما يقال بين فكي الرحى، الأحزاب من الأمام، وبنو قريضة من الخلف والمنافقون ظهيرا لهؤلاء وهؤلاء، ومع ذلك حين قال له القائل إن بني قريظة قد نقضت العهد، قال  : “الله أكبر” في هذا الموقف الصعب كبر  ليبين أن الجهة الوحيدة المؤثرة في هذا الكون هي الله جل جلاله، وأن لا أحد مع الله يدبر الأمر؟. هذا المعنى هو الذي كان يُسَيِّر الرسول ، في كل موقف، حتى مع أهله في هذه السورة نفسها، انتبهوا إلى قوله تعالى : {يا أىها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً}.

انتبهوا دائما إلى الجمع بين هذين اللفظين : إرادة الله وإرادة الآخرة والإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، الرجاء في الله والرجاء في اليوم الآخر، هذان الأمران هما الضابطان، وعين المؤمن وقلبه لا ينبغي أن يتجها إلي غيرهما {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه} و{من أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً} الحديث دائما متجه إلى هذا إن ا لمسلم ممثلا في النموذج الأكمل سيدنا محمد   وفي المؤمنين جميعا المؤتسين به دائما قلبهم ينظر إلى الآخرة، لأن من أصبح وهمه الدنيا وكَّله الله إلى الدنيا ولم يدرك منها إلا نصيبه أو كما قال  لأنه لا أحد -ولو اهتم بالدنيا كل الاهتمام وعبدها محسنا في عبادته- فإنه لا يستطيع أن يكون له منها شيء إلا ماقدره له الله، في بطن أمه يُكْتب زرقه وأجله، وشقيٌّ أم سعيد، وكما قال  في حديث الإمام أحمد : >لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب ولا يمنعكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله فإن ما عند الله لا يطلب إلا بطاعته<.

قال الله تعالى مرشدا له  في أهله : {قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا…} لابد من الفراق إن الرسول  يحب أهله حبا شديداً، ولكن حبه لله أكبر، حبه لعشيرته كبير فإذا تعارض مع حب الله لابد من الفراق، حبه لمكة كبير جداً كما قال  : >والله إنك أحب البقاع إلى قلبي< ولكن أمر الله أكبر، هذا المعنى هو الذي سار عليه  وفي حنين بعض أصحابه جاؤوه يضغطون عليه في قسمة الغنائم حتى قال قائلهم : هذه قسمة ما أريد بها وجه الله، فقال  لقد أوذي موسى عليه السلام أكثر من هذا فصبر، إن لم أعدل فمن يَعْدل؟ لماذا؟ لأن الرسول  رأى أن من الحكمة أن تتآلف القلوب قلوب أقوام بإعطائهم حظا أوفر من الغنائم، ولا يعطي للأنصار والمهاجرين شيئا، فبعض النفوس تحركت وكثر القيل والقال فاضطر  ليقوم فيخطب فيهم، حتى صاروا جميعا يبكون : >ألا تحبون أن يرجع الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله  في وصالكم< إذا كنتم أهل الآخرة فها هي الآ خرة، إن الشهيد يبقى له كل الأجر وإن المنتصر يضيع منه الثلثان ولا يبقى له إلا الثلث، فأصحاب الآخرة هم الذين يكتب على أيديهم النصر وهم الحاملون اللواء في هذه الدنيا، قال  للأنصار : إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع.

قارنوا أيها الإخوة حالنا بحال أولئك، عندما تكون المغارم، عندما يصعب الموقف يكثر الأنصار لأنهم يحبون الآخرة فإذا حضرت الدنيا قلُّوا، هذه الصفة بقيت مع رسول الله ، حتى نزلت عليه السورة الأخيرة من سور النصر، ونصر الله يجيء ولا يجاء به ينزل ولا ينَزّل، وما النصر إلا من عند الله وينزل  لأقوام فيهم صفات بعينها، هي صفات أهل الآخرة، إذا جاء نصر الله وجاء الفتح فنزّه ربك واسجد إليه واستغفره، إذ لا أحد يستطيع أن يؤدي شكر الله حق شكره، لذلك قال  : >لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته< ومن الرحمة الجزاء، ولكن الجزاء يتَنَوَّع :  أن تأتي بالحسنة فتعطى عشر أمثالها، وتعطى سبعة آلاف ضعف، وتعطى مثل جبل أُحُد بدرهم واحد تقبله الله منك كما في حديث آخر، ومع ذلك إذا وزَنَت الأعمال فلن تستطيع أن تدخل الجنة إلا برحمة من الله تعالى وفضل منه، ولذلك يسنّ لنا في خواتم الأمور الاستغفار، وقد استغفر  في ختام المسيرة بكاملها على مدى 23 سنة بأكملها {واستغفره إنه كان توابا}.

ونزلت آيات بعد ذلك بعد هذه السورة فقام  خطيبا في حجة الوداع فاستشهدَهُم فشهدوا كما قال  : >ألا هل بلغت اللهم فاشهد< تمت المسيرة وتمت النعمة : {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} ولم يبق إلا الرحيل والالتحاق بالرفيق الأعلى.

فهو  منذ أنزل عليه ومنذ أمر أن يقوم ما قدم على دعوة الله شيئا، وما كبّر إلى جانب الله شيئا حتى التحق بالرفيق الأعلى.

الصحابة على خطى الرسول

وكذلك أصحابه على قدر تكبيرهم كانت منزلتهم عند الله ورسوله، وخُذْ أحوال أبي بكر ] على سبيل المثال، خذ حاله مع ابن الدُّعنه حيث تعارضت شروط جِوَاره مع الدعوة فقال له : إني أردّ عليك جوارك وأرضى بجوار الله تعالى أريد أن أكون على هذه الحال أقرأ القرآن وأدعو إلى الله، وهذا حاله ] في كل مواقفه، حين جاء بكل ماله إيثارا لما عند الله، وكذلك الدعاة إلى الله عز وجل. وكُّلُّ المسلمين يجب أن يكونوا دعاة إلى الله تنفيذا لقول الله تعالى : {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} لذلك قال  : >بلغوا عني ولو آية< بلغ أي شيء علمته من هذا الدين واجتهد إلى أن يتجاوزك إلى غيرك، وذلك علامة تكبيرك لله، ومتى تعارض لك أمر مع هذا فدُسْ عليه، هذا هو الطريق لأن المسلمين من هذه الأمة هم المكلفون بالشهادة على الناس، فالنبوة انتهت ولا نبي بعد محمد  والرسالة موجودة وهي القرآن ويجب أن يبلغ إلى الناس، ولا يمكن أن يحمله أويبلغه إلا من امتلأ قبله بأكبرية الله.

أيها الأحبة، المسلمون وحدهم في هذه الكرة الأرضية هم المرشحون، لسنا ندري متى، ولكنهم مرشحون إلى الإمامة في الأرض بأحاديث كثيرة وبآيات كثيرة وسنن تارخية باهرة، مرشحون للإمامة، ولظهور هذا الدين على الأرض، قال  : >إن الله زوى لي الأرض مشرقها ومغربها وإنه سيبلغ مُلْك أمتي ما زوي لي منها< إن النصر للإسلام والمسلمين : {إن تتولوا يستبدل الله قوماً غيركم ولا يكونوا أمثالكم} فله وحده عز وجل خزائن السموات والأرض، إن لم نصلح لهذه المرحلة فإن الله يأتي بأقوام يخرجهم من أصلابنا يكونون خيرا منا، ومن جاهد إنما يجاهد لنفسه والله غني عن العالمين، ولنتب إليه توبة نصوحاً وحذار من تقديم شيء على دعوة الله، تستطيع أن تُعِدّ قلبك حتى لا يبقى فيه أحد أكبر من الله، لا مالا ولا وظيفة ولا زوجة..  هذا الدين ينبغي أن يستقر في القلب، هذا الدين به فعل  ما فعل في التاريخ وما فعل أصحابه بعده، وما وصل الاسلام إلى موطننا هذا إلا بتكبير الله في قلوب الصحابة، حين وصل عقبة بن نافع إلى المحيط الأطلسي قال : اللهم لو كنت أعلم أن وراء هذا البحر أرضا تعبد فيها لخضت هذا البحر، كيف انتشر النور بعد وفاته  في شرق الكرة الأرضية حتى السند والهند، وغربها حتى المحيط الأطلسي وشمالها حتى القوقاز وسبيريا وكيف انتشر في جنوبها ولولا إطلالُ الدنيا من جديد بقرونها في قلوب من جاءوا من بعد لكانت الكرة الأرضية في قرن أو قرنين قد صارت كلها مسلمة، ولكن البلاء يأتي من حب الدنيا، فلنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب ولنعد إلى ما كان عليه  وأصحابه، فهم فعلوا ما فعلوا حين كبروا  الله فوق كل شيء، وقدموا دعوة الله على كل شيء، بدءا بقلوبهم، كل واحد يتجه إلى قلبه ليطهره مما فيه من أوحال الدنيا، فالدنيا قد باضت وعشعشت في قلوب المسلمين اليوم، ويجب أن ترحل وإلا رحلوا هم وجاء الله بقوم خير منهم.

نسأل الله برحمته التي بعث بها محمداً  أن يرحمنا ويرحم بنا، اللهم أنزل رحماتك على هذه الأمة ياذا الجلال والاكرام لتولد من جديد ربانية هادية راشدة، قائدة،  ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. اللهم طهر قلوبنا من سواك واجعل حبنا لك فوق كل حب. آمين.

 

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *