2- كل هذه الدموع!


بحثت عنه كثيرا.. ولم تجده.. كل أمنيتها أن تجده! تذرف دمعا حارا، كلما رأت ابنيْها، وقد صارا شابين مكتملي الرجولة.. زفرة حرى تخترق صدرها : “يا رب.. كبر ابناي.. وكبر همي!” لم تنس ذلك اليوم المطير القارس البرودة.. طردها زوجها مطلقة.. كان الوحل يغرقها إلى ركبتيها، وهي تقطع مسافة بعيدة راجلة إلى قريتها النائية.. تحمل طفليها الصغيرين، وهما يرتعدان بردا وجوعا..!  انضاف همها إلى هم أمها.. فأمها أرملة معدمة.. والجيران ليسوا أحسن حالا منها..!

لاح الصبح، فذهبت إلى السوق الأسبوعي البعيد، تحمل رضيعها، وفي يدها خمسة عشر درهما.. وهي تتساءل في حيرة : ترى أأكسوهما.. أم أشتري ما أطعمهما به؟!

وقفت أمام ملابس الخردة .. وعلى حين غفلة من البائع سرقت سريدة صوفية(اتريكو).. واختفت لتلبسها لصغيرها.. ثم اشترت بالنقود الطعام..

شعر الصغير بالدفء، فنامعلى ظهرها.. وفي طريق عودتها، وجدت صفيحة قد تكون من بقايا سيارة محطمة.. فأخذتها لتطبخ فيها الطعام لمدة طويلة..

عملت في الحقول، ثم في ضيعة فلاحية (عاملة رسمية).. وجاءت لحظة الندم، تعتصر قلبها.. تذهب كل أسبوع إلى السوق لمدة ثمانية وعشرين سنة، تبحث عن ذلك البائع، علها تجده وتعتذر له.. لتعطيه مائتي درهم مقابل ثمن ذلك اللباس الذي كان بثلاثة دراهم.. وترجوه أن يسامحها.. تبكي بحرارة.. تستغفر.. الله غفور رحيم… لكن، هل يسامحني ذلك البائع؟! ما ذا كنت سأخسر لو صبرت على بَرْدِ ابني وبكائه؟! ماذا لو طلبت منه ذلك اللباس؟!

صارت تشترى ملابس دافئة ولو بالية، لتهديها لأطفال قريتها الفقراء.. وتهدي ثواب ذلك للبائع.. تستغفر لها وله.. وتدعو الله أن تلتقي به.. أن تعرفه..!

صارت تنصح زميلاتها وابنيْها بالتصدق بما فضل من ملابس.. هي وحدها، تعرف ماذا يعني التصدق بالملابس، خاصة في البرد القارس!

تنظر إلى يدها الخشنة باكية وتقول : “كم أخاف أن تشهد في يدي.. فما ذا سأقول لربي؟!”.

اترك تعليقا :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>